[ ٢٢٤ ]
ح نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، ح أَبُو عِيسَى، ح هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، ح عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ ⦗٢٢٥⦘ الْفَقْرِ، وَمِنْ سُوءِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: قَوْلُهُ ﷺ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ» فَالْفِتْنَةُ تَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الْأَلْيَنُ فِي هَذَا الْمَكَانِ هِيَ التَّصْفِيَةُ وَالتَّهْذِيبُ، يُقَالُ: هَذَا ذَهَبٌ مَفْتُونٌ إِذَا دَخَلَ النَّارَ فَنُفِيَ عَنْهُ الْخَبَثُ، وَيُقَالُ لِلصَّائِغِ: الْفَاتِنُ؛ لِأَنَّهُ يَفْتِنُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، أَيْ يُصَفِّيهِمَا بِالنَّارِ، وَيُزِيلُ الْخَبَثَ عَنْهُمَا، كَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَمَنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤]، مَعْنَاهُ هَذَّبْنَاهُ وَصَفَّيْنَاهُ مِنَ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، أَيْ: عَلِمَ أَنَّا هَذَّبْنَاهُ، وَأَدَّبْنَاهُ، وَنَبَّهْنَاهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ» أَيْ: أَنْ يَكُونَ تَصْفِيَتِي وَتَهْذِيبِي بِالنَّارِ وَتَأْدِيبِي بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ يُكَفِّرُهَا اللَّهُ بِالْمِحَنِ وَالْبَلَايَا فِي الدُّنْيَا، وَبِالْمَصَائِبِ وَالْأَمْرَاضِ؛ ⦗٢٢٦⦘ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ مَا لَهُ مِنْ ذَنْبٍ» وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ وَالتَّمْحِيصُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْقَبْرِ، وَفِي أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَيَكُونُ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ شَفَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَبِإِدْخَالِ النَّارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِتْنَتِي وَتَمْحِيصِي مِنْ خَطَايَايَ وَكَفَّارَةُ ذُنُوبِي تَصْفِيَتِي مِنْهَا بِالنَّارِ، وَلَكِنْ بِعَفْوِكَ وَفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ إِمَّا تَوْفِيقًا لِلتَّوْبَةِ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا، أَوِ التَّجَاوُزَ عَنْهَا فِي الْآَخِرَةِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «وَعَذَابِ النَّارِ» أَيْ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُعَاقِبَنِي بِهَا، وَتُعَذِّبَنِي بِالنَّارِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا مِنَ الْكُفَّارِ الْمُلْحِدِينَ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الْمُعَذَّبُونَ بِهَا، فَأَمَّا الْمُوَحِّدُونَ فَهُمْ مُؤَدَّبُونَ بِهَا، لَا مُعَذَّبُونَ فِيهَا، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ قَالُوا: بِسْمِ اللَّهِ فَتَنْزَوِي النَّارُ عَنْهُمْ وَتَهْرَبُ وَتَقُولُ: مَا لِي وَأَهْلِ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: فَائِدَةُ الدُّعَاءِ هُوَ الِاضْطِرَارُ، وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَنَدَبَ إِلَيْهِ، فَمَنْ دَعَا شَيْئًا مِنَ اللَّهِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، أَوْ لَمْ يُقَدِّرْ، فَإِنْ قَدَّرَ فَقَدْ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ اضْطِرَارًا مِنْهُ، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ الدُّعَاءِ فِيمَا لَمْ يُقَدَّرْ. قَالَ: وَلَيْسَتْ حَالَةٌ فِي الطَّاعَاتِ أَشْرَفَ مِنْ حَالِ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا، فَأَمَّا فِي حَالَةِ الدُّعَاءِ، فَيُلْزِمُ جَوَارِحَهُ، وَيَضْطَرُّ إِلَيْهِ، فَأَيُّ حَالَةٍ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا. قَالَ: فَكَانَ دُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَجَلِ الِاضْطِرَارِ، وَإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا» ⦗٢٢٧⦘ وَأَمَّا قَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَمَاتَهُمْ، حَتَّى يَأْذَنَ بِإِخْرَاجِهِمْ فَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيهِ قَبْلُ، وَذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا
[ ٢٢٤ ]
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ الشَّهِيدُ، فِي ح أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَدَوِيُّ، ح الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ، ح يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ح مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ الْمُوَحِّدُونَ النَّارَ أَمَاتَهُمْ فِيهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا أَمَسَّهُمْ أَلَمَ الْعَذَابِ تِلْكَ السَّاعَةَ» فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَلَالَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يُدْخِلُ النَّارَ لِلتَّأَدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ لَيْسَ لِلْعُقُوبَةِ وَالتَّعْذِيبِ، فَالْعَذَابُ لِأَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهُمْ، وَهُمُ الْكَافِرُونَ وَالْجَاحِدُونَ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ» لَهُمْ وَعَذَابُ الْقَبْرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ أُعِدِّتْ لَهُمُ النَّارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَهْذِيبِي وَكَفَّارَةُ خَطَايَايَ بِالنَّارِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَثِيرِهَا وَقَلِيلِهَا وَصَغِيرِهَا وَجَلِيلِهَا، وَلَيْسَتِ النَّارُ بِصَغِيرَةٍ وَلَا قَلِيلَةٍ. وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ»، وَعَذَابُ الْقَبْرِ لِلْكَافِرِينَ، وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَفِتْنَتُهُ لِلْأَمَاثِلِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ بِجِنَايَاتٍ تَكُونُ مِنْهُمْ، أَمَّا عَذَابُ الْقَبْرِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ، وَمَرَّ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْأَخِرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» أَيْ: فِي كَبِيرٍ عِنْدَ أَنْفُسِهِمَا، أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا كَبِيرًا، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَذَابَ لِهَؤُلَاءِ. وَأَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُغَلَّظَ السُّؤَالُ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْمَلَكَيْنِ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ
[ ٢٢٧ ]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا، ح عُمَارَةُ بْنُ الْحَسَنِ، ح سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، ﵁ قَالَ: لَمَّا دُفِنَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ، فَسَبَّحَ النَّاسُ مَعَهُ طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ سَبَّحْتَ؟ قَالَ: «لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لِأَنَّ سَعْدًا ﵁ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدِ اسْتَبْشَرَتِ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ» ⦗٢٢٩⦘ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الِاهْتِزَازُ: الْفَرَحُ وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ» ذَكَرَ الْفِتْنَةُ فِي هَذَيْنِ وَقَرَنَهَا بِالشَّرِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِيَارُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]، وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ مُوسَى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] أَيِ: اخْتَبَرْنَاكَ وَابْتَلَيْنَاكَ، وَالِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ لِإِصْلَاحِهِمْ وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي شَأْنِ مُوسَى ﷺ ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] وَفِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉ ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤]، اخْتَبَرَهُمْ، وَابْتَلَاهَمْ لِيُهَذِّبَهُمْ وَيُصَفِّيَهُمْ، وَالِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ لِلْكَافِرِينَ وَالْجَاحِدِينَ إِرَادَةُ الشَّرِّ بِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] أَيْ ضَلَّلْنَاهُمْ، فَدَلَّ أَنَّ الِاخْتِبَارَ يَكُونُ لِإِرَادَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْخَيْرَ كَانَ الْغِنَى فِتْنَةً لَهُ، أَيِ: اخْتِبَارًا لَهُ وَابْتِلَاءً لِيَظْهَرَ مَكْنُونُ مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ طَهَارَةِ سِرِّهِ وَصَفَاءِ قَلْبِهِ، وَقِلَّةِ نَظَرِهِ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَا يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، وَلَا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ؛ ⦗٢٣٠⦘ قَالَ اللَّهَ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ ﵇ ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ الشَّرَّ فَتَنَهُ بِالْغِنَى فَافْتَتَنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَحْكِي عَنْ قَارُونَ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وَقَالَ ﷿ ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] . إِذًا فَالْغِنَى فِتْنَةٌ أَيِ: اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ لِلْخَيْرِ مِنَ الشَّرِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تَفْتِنَنِي بِالْغِنَى أَيْ: تَبْتَلِيَنِي بِهِ إِرَادَةَ الشَّرِّ بِي، وَكَذَلِكَ الْفَقْرُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ شَرًّا وَخَيْرًا، وَهُوَ بَلْوَى وَاخْتِبَارٌ اسْتَعَاذَ مِنْ شَرِّهِمَا، وَلَمْ يَسْتَعِذْ مِنْ عَيْنِهِمَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهُمَا قَدْ يَكُونَانِ خَيْرًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» فِتْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ لِيَزْدَادَ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، وَقَالَ ": «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «ك اف ر يَقْرَأْهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ»، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقْرَأْهُ، وَالْكَافِرَ لَا يَعْلَمُهُ، فَيَفْتَتِنُ بِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَبِعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْفَهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» فَاسْتَعَاذَ ﷺ مِنْ شَرِّهِ، وَذَكَرَ الْمَسِيحَ، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: الدَّجَّالُ؛ لِأَنَّهُمَا مَسِيحَانِ: مَسِيحٌ هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَحَبِيبُهُ، وَمَسِيحٌ هُوَ عَدُوُّ اللَّهِ وَبَغِيضُهُ وَلَعِينُهُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، فَيَقُولُونَ لِلدَّجَّالِ: الْمِسِّيحُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ شَيْئًا، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُمْ تَقْيِيدُ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسِيحُ بِذِكْرِ الدَّجَّالِ، ⦗٢٣١⦘ وَقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»، وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنِ الرَّاحَةِ وَالرَّوْحِ وَطِيبِ الْعَيْشِ بِالْبَرَدِ، وَعَنْ ضِدِّهِ بِالْحَرِّ، وَلِذَلِكَ قَالُوا لِلرَّوْحِ وَالرَّوْحَةِ: قُرَّةُ الْعَيْنِ، وَلِلْغَمِّ وَالْحُزْنِ: سُخْنَةٌ الْعَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ، وَعَفْوَكَ، وَبرْدَ الْعَيْشِ»
[ ٢٢٨ ]
حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، ح يَحْيَى، ح الْخَيَّاطُ، ح حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَاءٍ طَوِيلٍ فِيهِ: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَغَسْلَ الْخَطَايَا وَتَمْحِيصَهَا وَكَفَّارَتِهَا» وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْمِحَنِ وَالْبَلَايَا فِي الدُّنْيَا، وَيَكُونُ بِالشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّارِ، وَيَكُونُ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَفِّرْ خَطَايَايَ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَوْ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعَفْوِ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَالْبَرَدُ هُوَ الرَّوْحُ وَالْمَحْبُوبُ، وَتَكْفِيرُ الْخَطَايَا بِالْعَفْوِ رَوْحٌ وَرَاحَةٌ وَمَحْبُوبٌ، كَمَا قَالَ ﷺ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ» فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ تُؤَيِّدُ صَاحِبَتَهَا. وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِيهَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ» أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ بِهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ: «اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» أَنَّهُ أَرَادَ تَكْفِيرَهَا بِالْعَفْوِ وَالْفَضْلِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ وَشِدَّةٍ مِنْ حَرَازَةِ مِحَنِ الْمَكَانِ فِي الدُّنْيَا، وَوَهَجِ النَّارِ فِي الْعُقْبَى. وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ» الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الدَّنَسِ، وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ مَصْبُوغًا بِلَوْنٍ آخَرَ دُونَ الْبَيَاضِ فَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فِيهِ الْأَثَرُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «نَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا» أَيْ: أَذْهِبْ أَثَرَهَا وَمُرَادَهَا وَشَهَوَاتِهَا عَنْ قَلْبِي بَعْدَ تَكْفِيرِهَا، فَلَا يَبْقَى لَهَا قي قَلْبِي أَثَرٌ مِنْ لَذَّةِ تِلْكَ الْخَطَايَا، وَشَهَوَاتِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْخَطَايَا مَكْفُورَةً بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ، فَإِنَّهَا إِذًا ذَهَبَتْ شَهْوَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَلَذَّتُهُ مِنَ الْقَلْبِ، كَأَنْ قُمْنَا ⦗٢٣٢⦘ لَا يَعُودُ إِلَيْهَا، فَيَقُولُ: أَذْهِبْ لَذَّةَ الذُّنُوبِ وَشَهْوَةَ الْخَطَايَا الْمَكْفُورَةِ مِنْ قَلْبِي، كَمَا أَذْهَبْتَ آثَارَ الدَّنَسِ مِنَ الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ إِذَا غُسِلَ، فَلَا أَعُودُ إِلَيْهَا آخِرَ الْأَبَدِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لِلثُّبُوتِ أَفْعَالُنَا، وَذَهَابُ الدَّنَسِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنَ الْغَسْلِ نَسَبُهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: «كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ» . وَقَوْلُهُ ﷺ: «بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَيْ: كَمَا لَا يَلْتَقِي الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وَلَا يَجْتَمِعَانِ، كَذَلِكَ لَا أَجْتَمِعُ مَعَ خَطَايَايَ، وَلَا يَكُونُ لِي مَعَهَا الْتِقَاءٌ بِمَعْنَى الْعَوْدِ إِلَيْهَا أَبَدًا. وَقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ» الْكَسَلُ: فُتُورٌ فِي الْإِنْسَانِ عَنِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّ الْفُتُورَ إِذَا كَانَ فِي الْفُضُولِ وَمَا لَا يَنْبَغِي فَلَيْسَ بِكَسَلٍ، بَلْ هُوَ عِصْمَةٌ، وَإِذَا كَانَ فِي الْوَاجِبَاتِ فَهُوَ كَسَلٌ، وَهُوَ الثِّقَلُ، وَالْفُتُورُ عَنِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ، وَهُوَ الْخِذْلَانُ، قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وَعَاتَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّثَاقُلِ عَنِ الْوَاجِبِ، وَالْفُتُورِ فِيهِ، فَقَالَ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] الْآَيَةَ. وَالْهَرَمُ: فُتُورٌ مِنْ ضِعْفٍ يَحِلُّ بِالْإِنْسَانِ، فَلَا يَكُونُ بِهِ نُهُوضٌ، فَفُتُورُ الْهَرَمِ فُتُورُ عَجْزٍ، وَفُتُورُ الْكَسَلِ فُتُورُ تَثْبِيطٍ وَتَأْخِيرٍ، فَاسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْفُتُورِ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ، وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِ الْحَقِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، مِنْ جِهَةِ عَجْزِ ضَرُورَةٍ وَحِرْمَانٍ مِنْهَا مَعَ الْإِمْكَانِ. وَالْمَأْثَمُ: تَضْيِيعُ حُقُوقِ اللَّهِ، وَالْمَغْرَمُ: تَضْيِيعُ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَاسْتَعَاذَ ﷺ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْثَمُ إِتْيَانَ الْمَنَاهِي، وَالْمَغْرَمُ تَرْكَ الْأَوَامِرِ؛ فَإِنَّ الْغَرَامَةَ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْعَبْدُ فِي تَضْيِيعِ مَا اسْتُرْعِيَ، فَكَأَنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا لِنَوَاهِيهِ مُضَيِّعًا لَأَمْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٢٣١ ]