وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ عُلَمَاءُ زَمَانِهِ مِنْ شُيُوخِهِ وَأَقْرَانِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَالَ: «ذَكَرْنَا قَوْلَ البُخَارِيِّ لِعَلِيِّ بْنِ المَدِيْنِيِّ يَعْنِي: مَا اسْتَصْغَرتُ نَفْسِي إِلَّا بَيْنَ يَدِي عَلِيِّ بْنِ المَدِيْنِيِّ فَقَالَ عَلِيٌّ: دعُوا هَذَا، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ لَمْ يَرَ مِثْلَ نَفْسِهِ».
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتمٍ الوَرَّاقُ: «سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ قُتَيْبَةَ، قَرِيِبَ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ غُلَامًا، فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بُخَارَى. قُلْتُ: ابْنُ مَنْ؟ فَقَالَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ مِنْ قَرَابَتِي، فَعَانَقْتُهُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ
_________________
(١) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤١١)، وَ«هُدَي السَّارِي» (٤٧٩).
(٢) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤١٦)، وَ«هُدَي السَّارِي» (٤٨٧).
[ ٢٨ ]
فِي مَجْلِسِ أَبِي عَاصِمٍ: هَذَا الغُلَامُ يُنَاطِحُ الكِبَاشَ» (^١).
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارُ: «حُفَّاظُ الدُّنْيَا أَرْبَعَةٌ: أَبُو زُرْعَةَ بِالرَّيِّ، وَمُسْلِمٌ بِنَيْسَابُوْرَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ بِسَمَرْقَنْدَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ بِبُخَارَى».
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوْسُفَ: «لَمَّا دَخَلْتُ البَصْرَةَ صِرتُ إِلَى بُنْدَارٍ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ خُرَاسَانَ. قَالَ: مِنْ أَيُّهَا؟ قُلْتُ: مِنْ بُخَارَى. قَالَ: تَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ؟ قُلْتُ: أَنَا مِنْ قَرَابَتِهِ. فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْفَعُنِي فَوْقَ النَّاسِ».
وَقَالَ البُخَارِيُّ: «لَمَّا دَخَلْتُ البَصْرَةَ صِرْتُ إِلَى مَجْلِسِ بُنْدَارٍ، فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيَّ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ الفَتَى؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ بُخَارَى. فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَكْتَ أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ فَأَمْسَكتُ، فَقَالُوا لَهُ: يَرْحمُكَ اللهُ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ، فَقَامَ، وَأَخَذَ بِيَدِي، وَعَانَقَنِي، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِمَنْ أَفْتَخِرُ بِهِ مُنْذُ سِنِيْنَ».
وَقَالَ حَاشِدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ: «كُنْتُ بِالبَصْرَةِ، فَسَمِعْتُ قُدُومَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ بُنْدَارٌ: اليَوْمَ دَخَلَ سَيِّدُ الفُقَهَاءِ».
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ».
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ: «يَعْنِي يُقَاوِمُ الشُّيُوخَ. «هُدَي السَّارِي» (٤٨٢).
[ ٢٩ ]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدُونَ القَصَّارُ: «رَأَيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الحَجَّاجِ جَاءَ إِلَى البُخَارِيِّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ المُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ كَفَّارَةِ المَجْلِسِ، فَذَكَرَ لَهُ عِلَّتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ مُسْلِمٌ: لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ».
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: «مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ؟ وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ».
وَكَانَ ابْنُ صَاعِدٍ إِذَا ذكرَهُ يَقُوْلُ: «الكَبْشُ النَّطَّاحُ».
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: «لَمْ أَرَ بِالعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى العِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الأَسَانِيدِ أَعْلَمَ مِنَ البُخَارِيِّ. وَكُنَّا يَوْمًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ، فَقَالَ لِلبُخَارِيِّ: جَعَلَكَ اللَّهُ زَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَاسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِ».
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ: «كَتَبَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى البُخَارِيِّ: المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا حَيِيتَ لَهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ».
وَقَالَ الفَلَّاسُ: «كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ البُخَارِيُّ فَلَيْسَ بِحَدِيثٍ».
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: «هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الأُمَّةِ».
[ ٣٠ ]
وَقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: «رُحِلَ إِلَيَّ مِنْ شَرْقِ الأَرْضِ وَغَرْبِهَا، فَمَا رَحَلَ إِلَيَّ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ».
وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى: «هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ».
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّرَامِيُّ: «مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ أَفْقَهُنَا وَأَعْلَمُنَا وَأَغْوَصُنَا وَأَكْثَرُنَا طَلَبًا».
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوْيَهْ: «هُوَ أَبْصَرُ مِنِّي».
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: «مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُ مَنْ دَخَلَ العِرَاقَ».
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ: «سَمِعْتُ العُلَمَاءَ بِالبَصْرَةِ يَقُوْلُوْنَ: مَا فِي الدُّنْيَا مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ فِي المَعْرِفَةِ وَالصَّلَاحِ» (^١).
وَلَوْ ذَهَبْنَا نُسَطِّرُ مَا أَثْنَى عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ فِي حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَعِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَتَبَحُّرِهِ لَطَالَ عَلَيْنَا ذَلِكَ، واللهُ المُسْتَعَانُ.
_________________
(١) رَاجِعْ هَذِهِ الأَقْوَالِ وَغَيْرِهَا فِي «سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤١٦ - ٤٣٨)، وَ«البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» لِابْنِ كَثِيرٍ (١٤/ ٥٢٦ - ٥٣١).
[ ٣١ ]