قَالَ البُخَارِيُّ: «أَحفَظُ مِائَةَ أَلفِ حَدِيثٍ صَحِيْحٍ، وَأَحْفَظُ مِائَتَي أَلفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيْحٍ» (^١).
وَقَالَ: «كَتَبْتُ عَنْ أَلفِ شَيْخٍ وَأَكْثَر، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافٍ وَأَكْثَرَ، مَا عِنْدِي حَدِيْثٌ إِلَّا أَذكُرُ إِسْنَادَهُ» (^٢).
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ: «سَمِعْتُ عِدَّةَ مَشَايِخٍ يَحْكُوْنَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيَّ قَدِمَ بَغْدَادَ، فَسَمِعَ بِهِ أَصْحَابُ الحَدِيثِ، فَاجْتَمَعُوا وَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ، فَقلبُوا مُتُونِهَا وَأَسَانِيْدَهَا، وَجَعَلُوا
_________________
(١) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ٢٤)، وَ«تَهْذِيبُ الأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ» (١/ ٦٨)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤١٥)، وَ«هُدَي السَّارِي» (٤٨٨).
(٢) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ١٠)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٠٧)، وَ«طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ» (٢/ ٢٢٢).
[ ٢٦ ]
مَتْنَ هَذَا الإِسْنَادِ هَذَا، وَإِسْنَادَ هَذَا المَتْنِ هَذَا، وَدَفَعُوا إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَشْرَةَ أَحَادِيثَ ليُلْقُوهَا عَلَى البُخَارِيِّ فِي المَجْلِسِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَانْتَدَبَ أَحَدُهُمْ، فَسَأَلَ البُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ عَشَرتِهِ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. وَسَأَلَهُ عَنْ آخَرَ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. وَكَذَلِكَ حَتَّى فَرغَ مِنْ عَشَرتِهِ. فَكَانَ الفُقَهَاءُ يَلْتَفِتُ بَعْضهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقُوْلُوْنَ: الرَّجُلَ فَهِمَ. وَمَنْ كَانَ لَا يَدْرِي قَضَى عَلَى البُخَارِيِّ بِالعَجْزِ، ثُمَّ انْتَدَبَ آخَرُ، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ الأَوَّلُ. وَالبُخَارِيُّ يَقُوْلُ: لَا أَعْرِفُهُ. ثُمَّ الثَّالِثَ وَإِلَى تَمَامِ العَشَرَةِ أَنْفُسٍ، وَهُوَ لَا يَزِيدُهُمْ عَلَى: لَا أَعْرِفُهُ. فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا، التفَتَ إِلَى الأَوَّلِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا حَدِيْثُكَ الأَوَّلُ فَكَذَا، وَالثَّانِي كَذَا، وَالثَّالِثُ كَذَا إِلَى العَشرَةِ، فردَّ كُلَّ مَتْنٍ إِلَى إِسْنَادِهِ. وَفعلَ بِالآخَرِينَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بِالحِفْظِ» (^١).
وَدَخَلَ مَرَّةً إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَاجْتَمَعَ بِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ بِهَا، فَرَكَّبُوا لَهُ أَسَانِيدَ وَأَدْخَلُوا إِسْنَادَ الشَّامِ فِي إِسْنَادِ العِرَاقِ، وَخَلَطُوا الرِّجَالَ فِي الأَسَانِيدِ، وَجَعَلُوا مُتُونَ الأَحَادِيثِ عَلَى غَيْرِ أَسَانِيدِهَا، ثُمَّ قَرَءُوهَا عَلَى البُخَارِيِّ، فَرَدَّ كُلَّ حَدِيثٍ إِلَى إِسْنَادِهِ وَقَوَّمَ تِلْكَ الأَحَادِيثَ
_________________
(١) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ٢٠)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩)
[ ٢٧ ]
وَالأَسَانِيدَ كُلَّهَا، وَمَا تَعَلَّقُوا عَلَيْهِ بِسَقْطَةٍ فِي إِسْنَادٍ وَلَا فِي مَتْنٍ» (^١).
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الكِتَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيْهِ مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الكَلْواذَانِيُّ: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ، كَانَ يَأْخُذُ الكِتَابَ مِنَ العُلَمَاءِ، فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ اطِّلَاعَةً، فَيَحْفَظُ عَامَّةَ أَطرَافِ الأَحَادِيثِ بِمَرَّةٍ» (^٢).