ظَهَرَ نُبوغُهُ العِلْمِيُّ فِي سِنٍّ مُبَكِرةٍ، فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ أَمرِكَ؟ قَالَ: أُلهِمْتُ حِفْظَ الحَدِيثِ وَأَنَا فِي الكُتَّابِ. فَقُلْتُ: كَمْ كَانَ سِنُّكَ؟ فَقَالَ: عَشْرُ سِنِيْنَ، أَوْ أَقَلَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنَ الكُتَّابِ بَعْدَ العَشْرِ، فَجَعَلْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى الدَّاخِلِيِّ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ يَوْمًا فِيْمَا كَانَ يَقْرَأُ لِلنَّاسِ: سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَرْوِ عَنْ إِبْرَاهِيْمَ. فَانْتَهَرنِي، فَقُلْتُ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى الأَصْلِ فَدَخَلَ فَنَظَرَ فِيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ هُوَ يَا غُلَامُ؟ قُلْتُ: هُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، فَأَخَذَ القَلَمَ مِنِّي، وَأَحْكَمَ كِتَابَهُ، وَقَالَ: صَدَقْتَ. فَقِيْلَ لِلْبُخَارِيِّ: ابْنُ كَمْ كُنْتَ حِيْنَ رَدَدْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا طَعَنْتُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، كُنْتُ قَدْ حَفِظْتُ كُتُبَ ابْنِ المُبَارَكِ
_________________
(١) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ٦)، وَ«تَهْذِيبُ الكَمَالِ» (٢٤/ ٤٣٨).
[ ١٧ ]
وَوَكِيْعٍ، وَعَرَفْتُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ (^١)، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَ أُمِّي وَأَخِي أَحْمَدَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا حَجَجْتُ رَجَعَ أَخِي بِهَا! وَتخلَّفْتُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ» (^٢).
فَكَانَ هَذَا أَوَّلُ ارْتِحَالِهِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَكَانَ ذَلِكَ حَوَالَيِ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ، ثمَّ رَحَلَ إِلَى المَدِينَةِ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، ونَيْسَابُورَ، وَالجَزِيرَةِ، وَالبَصْرَةِ، وَالكُوفَةِ، وَبَغْدَادَ، وَوَاسِطَ، وَمَرْوَ، وَالرَّيِّ، وَبَلْخٍ، وَغَيْرِهَا.
قَالَ الخَطِيبُ: «رَحَلَ فِي طَلَبِ العِلْمِ إِلَى سَائِرِ مُحَدِّثِي الأَمْصَارِ» (^٣).
وَقَدْ كَانَ البُخَارِيُّ يَسْتَيْقِظُ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ مِنْ نَوْمِهِ فَيُورِي السِّرَاجَ، وَيَكْتُبُ الفَائِدَةَ تَمُرُّ بِخَاطِرِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ سِرَاجَهُ، ثُمَّ يَقُومُ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى كَانَ يَتَعَدَّدُ ذَلِكَ مِنْهُ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الوَرَّاقُ: «كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ، إِذَا كُنْتُ مَعَهُ فِي سَفَرٍ، يَجْمَعُنَا بَيْتٌ وَاحِدٌ، فَكُنْتُ أَرَاهُ يَقُومُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً إِلَى عِشْرِيْنَ مرَّةً، فِي كُلِّ ذَلِكَ يَأْخُذُ القَدَّاحَةَ، فيُورِي نَارًا، وَيُسْرِجُ، ثُمَّ يُخْرِجُ أَحَادِيثَ، فيُعلِّمُ عَلَيْهَا» (^٤).
_________________
(١) قَالَ الحافظ: «يَعْنِي: أَصْحَابَ الرَّأْيِ». «هُدَي السَّارِي» (٤٧٨).
(٢) «طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ» (٢/ ٢١٢)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٣٩٣).
(٣) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ٤)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٣٩٤).
(٤) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ١٣)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٠٤).
[ ١٨ ]
وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ الخَوَّاصُ: «رَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ كَالصَّبيِّ جَالِسًا بَيْنَ يَدِي مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْمَاعِيْلَ، يَسْأَلُهُ عَنْ عِلَلِ الحَدِيثِ» (^١).
وَقَالَ العَبَّاسُ الدُّوْرِيُّ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُحْسِنُ طَلَبَ الحَدِيثِ مِثْلَ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْمَاعِيْلَ، كَانَ لَا يَدَعُ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا إِلَّا قَلَعَهُ. ثُمَّ قَالَ لَنَا: لَا تَدَعُوا مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا إِلَّا كَتَبْتُمُوهُ» (^٢).