بَعْدَ هَذِهِ الرِّحَلَاتِ الوَاسِعَةِ لَا يُسْتَغْربُ قَوْلُ البُخَارِيِّ ﵀: «كَتَبْتُ عَنْ أَلفِ شَيْخٍ وَأَكْثَرَ، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافٍ وَأَكْثَرُ، مَا عِنْدِي حَدِيْثٌ إِلَّا أَذكُرُ إِسْنَادَهُ» (^٣).
وَقَولُهُ ﵀: «كَتَبْتُ عَنْ أَلفٍ وَثَمَانِيْنَ رَجُلًا، لَيْسَ فِيْهِمْ إِلَّا صَاحِبُ حَدِيثٍ» (^٤).
_________________
(١) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٠٧)، وَ«طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ» (٢/ ٢٢٢).
(٢) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٠٦).
(٣) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ١٠)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٠٧).
(٤) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٣٩٥)، وَ«هُدَي السَّارِي» (٤٤).
[ ١٩ ]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: دَخَلْتُ بَلْخَ، فَسَأَلونِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ لِكُلِّ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ حَدِيْثًا، فَأَمْلَيْتُ أَلفَ حَدِيثٍ لِأَلفِ رَجُلٍ ممَّن كَتَبْتُ عَنْهُمْ (^١).
فَابْتَدَأَ السَّمَاعَ مِنْ شُيُوخِ بَلَدِهِ فسَمِعَ بِبُخَارَى قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ اليَمَانِ الجُعْفِيِّ المُسْنِدِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ البِيْكَنْدِيِّ، وَجَمَاعَةٍ، لَيْسُوا مِنْ كِبَارِ شُيُوْخِهِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ شُيُوخَ البُخَارِيِّ إِلَى خَمْسِ طَبقَاَتٍ:
الأُولَى: مَنْ حَدَّثَهُ عَنِ التَّابِعِينَ، وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، وَهُمْ: أَبُو عَاصِمٍ، وَمكِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَى، وَأَبُو المُغِيْرَةِ، وَنحوُهُمْ.
الثَّانِيَةُ: مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ هَؤلَاِءِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، كَآدَمِ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَسَعِيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَأَيُّوْبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَمْثَالِهِمْ.
الثَّالِثَةُ: وَهِيَ الوُسْطَى مِنْ مَشَايِخهِ، وَهُمْ مَنْ لَمْ يَلْقَ التَّابِعِينَ، بَلْ أَخَذَ عَنْ كِبَارِ تَبَعِ الأَتبَاعِ، كَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَابْنِ المَدِينِيِّ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَمثَالِهِمْ، وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ قَدْ شَاركَهُ مُسْلِمٌ فِي الأَخْذِ عَنْهُمْ.
_________________
(١) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٣٩٥).
[ ٢٠ ]
الرَّابِعَةُ: رُفَقْاؤهُ فِي الطَّلَبِ، وَمَنْ سَمِعَ قَبْلَهُ، كَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُخَرِّمِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ صَاعِقَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ نُظَرَائِهِمْ، وَإِنَّما يُخَرِّجُ عَنْ هَؤلَاءِ مَا فَاتَهُ عَنْ مَشَايِخهِ، أَوْ مَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
الخَامِسَةُ: وَهُمْ فِي عِدَادِ طَلَبَتهِ فِي السِّنِّ وَالإِسْنَادِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُمْ لِلفَائِدةِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الآمُلِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي العَاصِ الخُوَارِزْمِيِّ، وَحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ القَبَّانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ رَوى عَنْهُمْ أَشْيَاءَ يَسِيرَةً، وَعَمِلَ فِي الرُّوَايَةِ عَنْهُمْ لِمَا قَالَهُ وكيع: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يُحدِّثَ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَعَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَعَمَّنْ هُوَ دُونَهُ (^١).