قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الوَرَّاقُ: «وَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِالكَثِيْرِ، يَأْخُذُ بِيَدِهِ صَاحِبَ الحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، فَيُنَاوِلُهُ مَا بَيْنَ العِشْرِيْنَ إِلَى الثَّلَاثِيْنَ، وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِذَلِكَ أَحَدٌ. وَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ كِيْسُهُ. وَرَأَيْتُهُ نَاوَلَ رَجُلًا مِرَارًا صُرَّةً فِيْهَا ثَلَاثُ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ
_________________
(١) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ٣٣١).
(٢) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
[ ٢٤ ]
أَخْبَرَنِي بِعَدَدِ مَا كَانَ فِيْهَا مِنْ بَعْدُ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ارْفُقْ، وَاشْتَغِلْ بِحَدِيثٍ آخَرَ كَيْلَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ» (^١).
وَمِنْ وَفَائهِ وَرِقَّةِ عَاطِفَتِهِ وَصِدْقِ أُخُوَّتِهِ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ: قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيِّ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ فِيْهِ نَعْيُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَ، وَاسْتَرْجَعَ، وَجَعَلَ تَسِيْلُ دُمُوْعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُوْلُ:
إِنْ تَبْقَ تُفْجَعْ بِالأَحِبَّةِ كُلِّهِم … وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لَا أَبَا لَكَ أَفْجَعُ
ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: مَا سَمِعنَاهُ يُنْشِدُ إِلَّا يَجِيْءُ فِي الحَدِيثِ» (^٢).