﷽
مقدمة
إنَّ الحَمْدَ للَّهِ تَعَالَى، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ تَعَالَى اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَإنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ يُجْلِسُ صَاحِبَهُ عَلَى أَرِيكَةِ العِزِّ، وَيُرَقِّى صَاحِبَهُ فِي مَرَاتِبِ الشُّرَفَاءِ، وَيُبَوِّئ صَاحِبَهُ عَرْشَ المَجِدِ.
وَلَيْسَ البِرُّ مَقْصُورًا وَلَا مَحْصُورًا فِي أَفْرَادٍ مِنَ النَّاسِ، بَلْ إِنَّ اللهَ ﷿ جَعَلَهُ سَهْمًا شَائِعًا، وَغَرَضًا مَنْصُوبًا لِكُلِّ طَالِبٍ، إِلَّا مَنْ قَدَّرَ اللهُ ﷿ عَلَيهِ غَيْرَ ذَلِكَ، فَالبِرُّ عَطِيِّةٌ يَضَعُهَا اللهُ تَعَالَى حَيْثُ شَاءَ.
وَإِنَّ الَّذِي يَسْلُكُ سَبِيلَ البِرِّ، ويَطَأُ فَرْشَهُ الطَّيْبَ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَيُدْرِكُ أَمَلَهُ وَيَنَالُ غَرَضَهُ، فَإِنَّ الفَضَائِلَ قَطُّ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ حِجَّابٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَى مَرَّ الدُّهُورِ أَبَوَابٌ، وَأَسْعَدُ النَّاسِ الَّذِي
[ ٥ ]
يَجْعَلُ اللهَ تَعَالَى غَايَتَهُ، وَالمَجْدَ وَالسُّؤْدَدَ مَطِيَّتَهُ، وَالشَّرَفَ وَالعِزَّ غَرَضَهُ وَحِيلَتَهُ.
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَحَلَّى بِالبِرِّ، وَأَنْ يَمْتَطِيَهُ لِكَيْ تُثْنِىَ عَلَيْهِ أَفْوَاهُ الأَنَامِ وَمِدَادُ الأَقْلَامِ (^١)، إِذَا أَرَدَ الرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا وَالفِرْدَوْسَ فِي الآخِرةِ،
_________________
(١) مِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فِي «جَامِعِهِ» (بِرَقَمْ ٢٠١١٩)، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوْيَهْ فِي «مُسْنَدِهِ» (بِرَقَمْ ١٠٠٥)، وَأَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (بِرَقَمْ ٢٥١٨٢) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَذَلِكَ البِرُّ، قَالَ: وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ». وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» (بِرَقَمْ ٢٢٥/ ٢٥٤٢) عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ اليَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»).
[ ٦ ]
فَلْيَحْرِصْ السَّعِيدُ عَلَى تَحْصِيلِ البِرِّ مَا أَمْكَنَ لَهُ ذَلِكَ، فَبِرُّ الوَالِدَيْنِ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدَّارَيْنِ ويُجْلِسَهُ عَلَى مِنَصَّةِ المَحَامِدِ.
وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ قَلَائِدُ، مَنْ تَجَمَّلَ بِهَا تَبْقَى مَحَبَّتَهُ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ، وَتَقَرُّ لِرُؤْيَتِهِ العُيُونُ، كَيْفَ لَا؟ وَقَدْ حَصَّلَ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُوطِّدَ أَوَاصِرَهُ، وَيُرَسِّخَ قَوَاعِدَهُ، ذَلِكَ الأَصْلُ الطَّيْبُ الَّذِي سُقِيَ بِالوَابِلِ الصَّيِّبِ.
وَالَّذِي يَجْبُ عَلَى المُؤْمِنِ: أَنْ يُصَوِّبَ سِهَامَهُ نَحْوَ البِرِّ، حَتَّى يُصِيبَ غَرَضَهُ المَنْشُودَ، فَهُوَ الَّذِي يُعْلِي مَنَارَ صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ الأوْجِ، فَمَنْ حَسُنَ بِرَّهُ طَابَ عَيْشُهُ، وَتَأَكَّدَتْ فِي النُّفُوسِ مَحَبَّتَهُ.
وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ يُؤدِّي إِلَى السَّلَامَةِ، وَيُؤَمِّنُ مِنَ النَّدَامَةِ، وَتَسْهُلُ عَلَيْهِ كُلُّ الأُمُورِ الصِّعَابِ، وَتَلِينُ لَهُ القُلُوبُ الغِضَابُ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: (البِرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ، وَجْهٌ طَلِيقٌ، وَكَلَامٌ لَيِّنٌ) (^١).
_________________
(١) رَوَاهُ الخَرَائِطِيُّ فِي «مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ» (بِرَقَمْ ١٤٨)، وَالبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإِيمَانِ» (بِرَقَمْ ٧٧٠٢) مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
[ ٧ ]
وَ«جُزْءُ بِرِّ الوَالِدَيْنِ» لِلإِمَامِ البُخَارِيِّ ﵀ هُوَ مِنْ أَوَائِلِ مَا صُنِّفَ فِي هَذَا المِضْمَارِ، مِنْ أَجِلِ ذَلِكَ شَمَّرْتُ عَنْ سَاعِدِ الجِدِ، وَخُضْتُ تِلَكَ الغِمَارَ، مُسْتَعِينًا بِاللهِ ﷿ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ تَوَاصُلِ النِّعَمِ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ الضَّعِيِّفِ، أَنْ وَفَّقَهُ لِخِدْمَةِ هَذَا الجُزْءِ النَّفِيْسِ، وَتَجْلِيَّةِ مَا فِيِهِ مِنْ مَنَاقِبَ، وَالتَّعْلِيقِ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ أَحَادِيثَ وَآثارٍ، وَعَرْضِهِ بِالصُّورَةِ اللَّائِقَةِ بِهِ (^١).
فَـ للهِ وَحْدَّهُ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ عَلَى العَوْنِ وَالتَّوْفِيقِ.
وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدي عَمَلِي هَذَا، مُقْدِّمَةً مُفِيدَةً لِمُطَالِعِهِ.
وَذَلِكَ فِي عِدَّةِ فُصُولٍ:
الأَوَّلُ: لَمْحَةٌ مُوْجَزَةٌ عَنِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ ﵀.
الثَّانِي: تَعْرِيفُ الأَجْزَاءِ الحَدِيثِيَّةِ.
الثَّالِثُ: ذِكْرُ أَشْهَرِ المُؤَلَّفَاتِ فِي البِرِّ وَالصِّلَةِ.
الرَّابِعُ: كِتَابُ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، لِلإِمَامِ البُخَارِيِّ.
الخَامِسُ: التَّعْرِيفُ بِأَصْلِ الكِتَابِ.
[ ٨ ]
هَذَا وَقَدْ أَلحَقْتُ فِي نِهَايَةِ الجُزْءِ الأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ خَارِج جُزْئِهِ ، إِتْمَامًا لِلفَائِدَةِ.
وَأَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَ بِهَذَا الكِتَابِ مُطَالِعَهُ، وَأَنْ يَغْفِرَ اللهُ تَعَالَى لَنَا الزَّلَّاتِ وَالأَخْطَاءَ، وَأَنْ يَجْعَلَ هَذَا العَمَلَ مَبْرُورًا، وَيَتَقْبَلَهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَأَنْ يَعُمَّنَا بِثَوَابِهِ وَمَغْفِرَتهِ مَعَ المُؤَلِّفِ ﵀، وَكَذَا مَنْ قَرَأَهُ وَاسْتَفَادَ مِنْهُ.
وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي المَعَادِ مِنْ خَيْرِ العَوَائِدِ،
فَهُوَ حَسْبُنَا فِيمَا أَمَلْنَاهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَالحَمْدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا
عبد العزيز بن حلمي مكي
حَامِدًا شَاكِرًا الله تَعَالَى،
وَمُصَلِيًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
_________________
(١) تعليق الشاملة: ولم نورد الملحق في هذه النسخة الإلكترونية؛ اقتصرنا على «جزء بر الوالدين».
[ ٩ ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ