٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ، يَقُولُ:
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ ﵂ (^١)، تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ (^٢)، فَدَخَلَ وَقَالَ: "زَمِّلُونِي
_________________
(١) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِيْنَ فِي زَمَانِهَا. أُمُّ القَاسِمِ، خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ القُرَشِيَّةُ، الأَسَدِيَّةُ. أُمُّ أَوْلَادِ رَسُوْلِ الله ﷺ وَأَوَّلُ مَنْ آمَنَ بهِ، وَصَدَّقَهُ قَبْلَ كُلِّ أَحَدٍ، وَمَنَاقِبُهَا جَمَّةٌ. قَالَ الوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَتْ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَاتَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِيْنَ. وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ. تَرْجَمَتُهَا فِي: طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ "١/ ١٣١ - ١٣٣، ٨/ ٥٢ "، وَسِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ "٢/ ١٠٩".
(٢) مَعْنَى تَرْجُفُ: أَيْ: تَرْعُدُ وَتَضْطَرِبُ، وَأَصْلُهُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ. وَالبَّوَادِرُ: جَمْعُ بَادِرَةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ المَنْكِبِ وَالعُنُقِ تَضْطَرِبُ عِنْدَ فَزَعِ الإِنْسَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (يَرْجُفُ فُؤَادُهُ)، وَهُوَ القَلْبُ عَلَى المَشْهُورِ. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَكَأَنَّ الرَّجَفَانَ فِي البَوَادِرِ وَالفُؤَادِ وَلَعَلَّ رَجَفَانَ الفُؤَادِ مُلَازِمٌ لِرَجَفَانِ البَوَادِرِ، وَعِلْمُ خَدِيجَةَ ﵂ بِرَجَفَانِ فُؤَادِهِ، الظَّاهِرُ أَنَّهَا رَأَتْهُ حَقِيقَةٌ، وَيَجُوزُ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ وَعَلِمَتْهُ بِقَرَائِنِ وَصُورَةِ الحَالِ. "طَرْحُ التَّثْرِيبِ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ" (٤/ ١٩٠) بِتَصَرُّفٍ.
[ ٢٦٢ ]
زَمِّلُونِي (^١) "، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ ﷺ لِخَدِيجَةَ: أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ خَدِيجَةُ ﵂: أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ (^٢) اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ (^٣)، وَتَقْرِي الضَّيْفَ (^٤)، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (^٥)، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَكَانَ تَنَصَّرَ،
_________________
(١) مَعْنَاهُ غَطَّوْنِي بِالثِّيَابِ وَلُفُّونِي بِهَا. وَكُلُّ مَلْفُوفٍ فِي ثِيَابٍ فَهُوَ مُزَّمَّلٌ. وَقَالَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَهُ مِنْ هَوْلِ الأَمْرِ. وَجَرَتِ العَادَةُ بِسُكُونِ الرِّعْدَةِ بِالتَّلْفِيفِ. "غَرِيبُ الحَدِيثِ" لِلقَاسِمِ بْنِ سَلَّامِ: ٢/ ٧١" بِتَصَرُّفٍ.
(٢) فِي الأَصْلِ، "لَا يُخْزكَ"، وَالمُثبَتُ مِنْ مَصَادِرِ الحَدِيثِ.
(٣) "وَتَحْمِلُ الكَلَّ": بِفَتْحِ الكَافِ، أَصْلُهُ الثِّقَلُ، وَيَدْخُلُ فِي حَمْلِ الكَلِّ الإِنْفَاقُ عَلَى الضَّعِيفِ وَاليَتِيمِ وَالعِيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنَ الكَلَالِ، وَهُوَ الإِعْيَاءُ. فَالكَلُّ هُوَ: مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَمْرِهِ. وَلَا يَقْدِرُ عَلَى العَمَلِ وَالكَسْبِ. "تَفْسِيرُ غَرِيبِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ" (ص ٥٠٩)، بِتَصَرُّفٍ.
(٤) "وَتَقْرِي الضَّيْفَ" بِفَتْحِ التَّاءِ. أَيْ: تُكْرِمَهُ. يُقَالُ: قَرَيْتُ الضَّيْفَ أَقْرِيهِ قِرًى وَيُقَالُ: لِلطَّعَامِ الَّذِي يُضَيَّفُ بِهِ قِرًى. وَيُقَالُ لِفَاعِلِهِ قَارٍ، وقِرَى الضَّيفِ مِنْ شِيَمِ الكِرَامِ. "النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ" (١/ ٤١٤).
(٥) النَّوَائِبُ جَمْعُ نَائِبَةٍ وَهِيَ الحَادِثَةُ وَإِنَّمَا قَالَتْ نَوَائِبُ الحَقِّ؛ لِأَنَّ النَّائِبَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الخَيْرِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الشَّرِّ. "المُعْجَمُ الوَسِيطِ" (٢/ ٩٦١).
[ ٢٦٣ ]
شَيْخٌ أَعْمَى، يَقْرَأُ الإِنْجِيلَ بِالعَرَبِيَّةِ، [فَـ] قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ (^١) الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (^٢)، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ [بِـ] مَا جِئْتَ بِهِ قَطُّ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) (^٣).
_________________
(١) النَّامُوسُ: المُرَادُ بِهِ هُنَا جِبْرِيلُ ﵇ كَمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. قَالَ الهَرَوِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ بِالغَيْبِ وَالوَحْيِ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالغَرِيبِ: النَّامُوسُ فِي اللُّغَةِ صَاحِبُ سِرِّ الخَيْرِ وَالجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ. وَيُقَالُ نَمَسَتْ السِّرَّ أَنَمِسُهُ نَمْسًا أَيْ كَتَمْته. "طَرْحُ التَّثْرِيبِ" (٤/ ١٩٤) بِتَصَرُّفٍ.
(٢) فِي الأَصْلِ، "جَذَعَه"، وَالمُثبَتُ مِنَ "الجَامِعِ الصَّحِيحِ"، للمُصَنِّفِ.
(٣) رَوَاهُ المُصَنِّفُ فِي "الجَامِعِ الصَّحِيحِ" (بِرَقَمْ ٣٣٩٢ - ٤٩٥٧) بِالإِسْنَادِ وَالمَتْنِ مُخْتَصَرًا. وَرَوَاهُ (بِرَقَمْ ٣ - ٤٩٥٣ - ٦٩٨٢) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ. مُطَوَّلًا. وَ(بِرَقَمْ ٤٩٥٣) مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، عَنْ أَبي صَالِحٍ سَلْمَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ. =
[ ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَمُسْلِمٌ (بِرَقَمْ ٢٥٢/ ١٦٠) مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ. كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. مُطَوَّلًا. وَرَوَاهُ المُصَنِّفُ فِي "الجَامِعِ الصَّحِيحِ" (بِرَقَمْ ٤٩٥٦ - ٦٩٨٢) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ. مُطَوَّلًا، وَمُخْتَصَرًا. وَيُشِيرُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ إِلَى أَنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ وَصِلَةَ الأَرْحَامِ تُبَلِّغَ العَبْدَ مَنْزِلَةَ السَّلَامَةِ مِنَ السُّوءِ وَالبَلَايَا، وَبَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، مِنْ حُسْنِ البِرِّ وَالصِّلَةِ، وَأَنَّهُ يَجْبُ عَلَى المَرْءِ التَّخَلُّقُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لأَنَّ فِيْهِ أُسْوَةً حَسَنَةً لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ.
[ ٢٦٥ ]