١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (^١): أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ
_________________
(١) فِي الأَصْلِ "أَخْبَرَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ"، وَالتَّصْوِيبُ مِنَ "الجَامِعِ الصَّحِيحِ" للمُصَنِّفِ، حَيْثُ رَوَاهُ بِالإِسْنَادِ وَالمَتْنِ سَوَاء. وهو أَنسُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ الأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ. يُكَنَّى أَبَا حَمْزَةَ. رَاوِيَةُ الإِسْلَامِ، وُلِدَ أَنس ﵁ قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِعَشْرِ سِنَيْنَ. خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ وَصَاحَبَهُ أَتَمَّ الصُحْبَة، وَلَازَمَهُ أَكْمَلَ المُلَازَمَةِ مُنْذُ هَاجَرَ، وَإِلى أَنْ مَاتَ. وَغَزَا مَعَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. رَوَى عَنِ: النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا جَمًّا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَأُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وَخَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ، وَزَوْجِهَا عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِدَّةٍ. فَكَانَ مِن المُكْثِيرِينَ فِي الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعُمِّرَ وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ كَثِيرُونَ، يُقَالُ: ثَمانُونَ، ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ ذَكَرًا وَابْنَتَانِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيْلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيْلَ: كَانَتْ سِنُّهُ يَوْمَ مَاتَ: مِائَةً وَسَبْعَ سِنِينَ. وَكَانَ آخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتًا. تَرْجَمَتُهُ فِي: طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ "٧/ ١٧ "، وَسِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ "٣/ ٣٩٥"، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " ٩/ ٨٨ "، والإصابة (١/ ٧١).
[ ١٢٩ ]
أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ (^١)، وَيُنْسَأَ [لَهُ] فِي أَثَرِهِ (^٢)، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (^٣).
_________________
(١) وَفِي رِوَايَة: "مَنْ سَرَّهُ"، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا سَرَّهُ تَحْصِيْلُهُ. وَبَسْطُ الرِّزْقِ أَيْ تَوسِيْعُهُ وَكَثْرَتُهُ بِالبَركَةِ وَالنُّمُوِّ وَالزِّيَادَةِ. فَيَشْمَلُ مَا انْتَفَعَ بِهِ المَرْءُ حَلَالًا مِنْ مَلبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ إِلَى آخِرِ الأُمُورِ المَعْروفَة.
(٢) "يُنْسَأَ" بِضَمِّ اليَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ - أَيْ: يُؤَخَرُ - وَالمُرَادُ مِنَ الأَثَرِ الأَجَلُ وَسُمِّيَ الأَجَلُ أَثرًا لأَنَّهُ يَتْبَعُ العُمر، وَأَصْلهُ مِنْ أَثَرِ مِشْيَتهِ عَلَى الأَرْضِ، فَإِنَّ مِنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ حَرَكةٌ، فَلَا يَبْقَى لِقَدَمِهِ فِي الأَرْضِ أَثرٌ. "تَفْسِيُر غَرِيبِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ" (٢٣٩) بِتَصَرُّفٍ.
(٣) رَوَاهُ المُصَنِّفُ فِي "الجَامِعِ الصَّحِيحِ" (بِرَقَمْ ٥٩٨٦) بِالإِسْنَادِ وَالمَتْنِ سَوَاء. وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي "السُّنَنِ الكَبِيرِ" (٧/ ٢٦)، وَ"القَضَاءِ وَالقَدَرِ" (بِرَقَمْ ١٩٣)، وَ"شُعَبِ الإِيمَانِ" (بِرَقَمْ ٧٥٧٢) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي "مُسْنَدِهِ" (بِرَقَمْ ٣٦٠٩) وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" (بِرَقَمْ ٤٣٨ الإِحْسَانِ)، وَالشَّجَرِيُّ فِي "الأَمَالِي" (بِرَقَمْ ٢٠٢١). وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بْنُ شَاهِيْن فِي "التَّرْغِيبِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ" (بِرَقَمْ ٥٦٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابُورَ البَغَوِيِّ. كِلَاهُمَا عَنْ كَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. =
[ ١٣٠ ]
١٦ - حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الخُزَاعِيُّ (^٢)، حَدَّثَنَا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ القُطَعِيُّ (^٣)، سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ سِيَاهٍ، سَمِعْتُ أَنَسًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ" (^٤).
_________________
(١) = وَرَوَاهُ المُصَنِّفُ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ "بَرَقَمْ ٥٦" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ. وَسَيَأْتِي تَخْرِيجُهُ بِتَمَامِهِ "بِرَقَمْ ٣١".
(٢) جَاءَ فِي الأَصْلِ قَبْلَ هَذَا الحَدِيثِ. قَالَ البُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، [حَدَّثَنَا سُفْيَانَ]، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: "مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا".
(٣) بِضَمِّ الخَاءِ المُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ، نِسْبَةً إِلَى بِلَادِ خُزَاعَةِ بِالحِجَازِ. "الأَنْسَابُ": ٥/ ١١٦، وَ"مُعْجَمُ البُّلْدَانِ" (٤/ ٢٠٨).
(٤) بِضَمِّ القَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ العَيْنِ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي قُطَيْعِةَ. نُسِبَ إِلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْ المُحَدِّثِينَ. "الأَنْسَابُ، لِلسَّمْعَانِيِّ (١٠/ ٤٥٧).
(٥) إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، فِيْهِ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ القَارِيءُ، أَبُو بَحْرٍ. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَدُوقٌ عَابِدٌ يُخْطِيءُ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا لَهُ فِي البُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ مُتَابَعَةً. وَقَالَ =
[ ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: "ثِقَةٌ". وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: "لَيْسَ بِذَاكَ". وَضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالعُقَيْلِيُّ. قُلْتُ: أَعْدَلُ الأَقْوَالِ فِيْهِ أَنَّهُ مَقْبُولٌ حَسَنُ الحَدِيثِ. كَمَا حَرَرَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ النُّقَادِ. رَاجِعْ أَقْوَالَ العُلَمَاءِ فِي: "الضُّعَفَاءِ" لِلعُقَيْلِيِّ (٤/ ١٨٩)، وَ"الكَامِلِ" لِابْنِ عَدِيٍّ (٨/ ١٥٩)، وَ"مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ" (٤/ ٣٣٢)، وَ"هُدَي السَّارِي" ص ٤٤٧، وَ"تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ" (ص ٥٥٦). وَالحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو القَاسِمِ الأَصْبَهَانِيُّ، المُلَقَّبُ بِقِوَامِ السُّنَّةِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (بِرَقَمْ ٤٣٠) مِنْ طَرِيقِ الجُزْءِ بِالإِسْنَادِ وَالمَتْنِ سَوَاء. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (بِرَقَمْ ١٣٤٠١) مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ. وَالمَرْوَزِيُّ فِي البرِّ وَالصِّلَةِ بِرَقَمْ ١٨٦ مِنْ طَرِيقِ الفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ بِرَقَمْ ٢٤٤، والبَزَّارُ بِرَقَمْ ٦٤٦٤ البَحْرُ الزَّخَّارُ"، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ بِرَقَمْ ٧٤٧١ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ المِقْدَامِ العِجْلِيُّ. وَالنَّسَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ بِرَقَمْ ٣٩ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ وَابْنُ شَاهِينَ فِي التَّرْغِيبِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَثَوَابِ ذَلِكَ بِرَقَمْ (٢٩٣) مِنْ طَرِيقِ الحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى القَطَّانِ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ الحَسَنِ النَّسَائِيُّ. وَبِرَقَمْ (٥٧٠) مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ "٣/ ١٠٧) مِنْ طَرِيقِ مُسَدَّدٍ.
[ ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جَمِيعًا عَنْ حَزْمِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ القُطَعِيِّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: "فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". "فَلْيَتَّقِ اللهَ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". وَعِندَ البَزَّارِ، بِلَفْظِ: مَنْ أَحَبَّ النَّسَاءَ فِي أَجَلِهِ وَالزِّيَادَةَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". قَولُهُ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ": هَذَا الحَدِيثُ يَتَعَارَض ظَاهِرهُ مَعَ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأَعْرَاف ٣٤]. وَقَدْ أَجَابَ العُلَماءُ: بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمٍ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالعُمُرِ، وَأَمَّا الأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللهِ تَعَالَى، كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ، فَالَّذِي فِي عِلْمِ الله لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٩]. فَالمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ المَلَكِ وَمَا فِي أُمِّ الكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّه تَعَالَى فَلَا مَحْوَ فِيهِ البَتَّةَ وَيُقَالُ لَهُ القَضَاءُ المُبْرَمُ وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ القَضَاءُ المُعَلَّق. وَهَذَا القول هُوَ الأَحْرَى بِالقَبُولِ إِذْ الأَصْلُ حَمْلِ الأَدِلَة عَلَى الحَقِيقَة، وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو لِصَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَاجِعْ فَتْح البَارِي، لِلحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ " ١٠/ ٤١٦ ".
[ ١٣٣ ]