حدثنا الحسين بن إبراهيم قال، حدثنا فليح بن سليمان الأسلمي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي عنها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها الله منه، قال الزهري: وكلّهم حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم أوعى له من بعض، وأثبت له اقتصاصا (^١) وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة ﵂، وبعض حديثهم يصدّق حديث بعض: ذكروا أن عائشة ﵂ قالت: كان النبي الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزوة (^٢) غزاها فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل (^٣) في هودج وأنزل فيه، فسرنا (^٤) حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل فلمست صدري، فإذا عقد من جزع قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلونني، فاحتملوا هودجي، فرحّلوه على بعيري الذي كنت
_________________
(١) في الأصل كلمة لا تقرأ والإثبات عن تفسير ابن كثير ٦٨:٦.
(٢) هي غزوة بني المصطلق.
(٣) في الأصل «أتحمل» والتصويب عن المصدر السابق.
(٤) في الأصل «فنزلنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ» والإثبات عن المصدر السابق.
[ ٣١١ ]
أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهنّ ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام (^١)، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة (^٢) الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم (^٣) وليس فيها أحد، فأقمت بمنزلي الذي كنت فيه، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان ابن المعطّل السّلمي ثم الذكواني (قد عرس) (^٤) من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (^٥) حين أناخ راحلته فوطئ (على) (^٦) يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة (^٧) حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا في نحر الظهيرة، فهلك فيّ من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا (والناس) (^٨) يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من
_________________
(١) العلقة: أي القليل - والمراد من هذا عذر من حملوا هودجها.
(٢) في الأصل «ثقل الهودج» والتصويب عن التاج ج ٤ ص ١٨٧، وكذا تفسير ابن كثير ٦٩:٦.
(٣) في الأصل «منزلهم» والتصويب عن المراجع السابقة.
(٤) الإضافة عن تفسير ابن كثير ٦٩:٦.
(٥) أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٦) الإضافة عن التاج ١٨٧:٤ وكذا تفسير ابن كثير ٦٩:٦.
(٧) في الأصل «فانطلقت تقودني» والمثبت عن المرجع السابق.
(٨) الإضافات عن التاج ١٨٧:٤، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٦٩:٦، ٧٠.
[ ٣١٢ ]
رسول الله ﷺ (اللّطف) (^١) الذي كنت أرى منه حين أمرض (^٢) إنما يدخل (علي (^٣) فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ (^٤) فذاك (الذي (^٥) يريبني، ولا أشعر حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها (^٦)، فقالت: تعس مسطح (^٧)، فقلت: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: يا هنتاه (^٨)، أو لم تسمعي ما قالوا؟ فقلت: وما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: ائذن لي آتي أبويّ. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر (من قبلهما (^٩) فأذن لي، فأتيت (^١٠) أبويّ فقلت لأمي: ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنيّة هوّني على نفسك الشأن، فو الله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها القول، فقلت: سبحان الله! ولقد
_________________
(١) الإضافات عن التاج ١٨٧:٤، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٦٩:٦، ٧٠
(٢) الإضافات عن التاج ١٨٧:٤، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٦٩:٦، ٧٠
(٣) الإضافات عن التاج ١٨٧:٤، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٦٩:٦، ٧٠
(٤) الإضافات عن التاج ١٨٧:٤، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٦٩:٦، ٧٠
(٥) في التاج وابن كثير حين اشتكى.
(٦) إشارة إلى الأنثى، أي كيف هذه المريضة، فكانت تجيبه أم عائشة التي كانت تمرضها في بيت النبي ﷺ وانظر التاج ١٨٨:٤.
(٧) عثرت في مرطها: أي في كسائها.
(٨) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي، يكني أبا عباد، وقيل أبو عبد الله، وأمه أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف - شهد مسطح بدرا، وجلده النبي ﷺ فيمن جلد عند خوضهم في هذا الحديث .. الخ. توفي سنة أربع وثلاثين وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل شهد صفين مع علي، ومات سنة سبع وثلاثين (أسد الغابة ٣٥٤:٤).
(٩) يا هنتاه: أي يا هذه أما سمعت ما قال.
(١٠) في التاج وابن كثير «فجئت» (التاج ١٨٨:٤ وابن كثير ٧٠:٦).
[ ٣١٣ ]
تحدث الناس بهذا؟، قالت: فبتّ تلك الليلة حتي أصبحت لا يرقأ (^١) لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبح (^٢)، ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث عليه الوحي حتى يستشيرهما (^٣) في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلمه من براءة أهله، وبالذي يعلمه في نفسه من الود لهنّ، فقال: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا، وأما علي ﵁ فقال: لم يضيّق (الله) (^٤) عليك يا رسول الله، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: «يا بريرة هل رأيت منها شيئا يريبك؟» قالت: لا والذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمرا أعمضه (^٥) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السّن تنام عن عجين (أهلها (^٦) فيأتي الداجن فيأكله (^٧)، قالت:
فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله ابن أبي بن سلول، فقال: «من يعذرني (^٨) من رجل (قد (^٩) بلغني أذاه في أهلي؟ فو الله ما علمت من أهلي إلا خيرا وقد ذكروا
_________________
(١) يرقأ - أي لا يجف لي دمع (أقرب الموارد).
(٢) يرقأ - أي لا يجف لي دمع (أقرب الموارد).
(٣) يرقأ - أي لا يجف لي دمع (أقرب الموارد).
(٤) في التاج ١٨٩:٤ «حتى أصبحت فدعا».
(٥) في المرجع السابق «حتى يستأمرهما» والأصل متفق مع ابن كثير في النص.
(٦) أغمضه عليها: أي أعيبه عليها.
(٧) في الأصل «تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكلها» والمثبت عن ابن كثير ٧٠:٦، والتاج ١٨٩:٤ أي أنها أنثى صغيرة تنام عن العجين فتأتي الداجن أي الشاة التي في البيت فتأكله، فهذا عيبها إن كان عيبا.
(٨) من يعذرني: أي يقيم عذري وينصرني من رجل - هو ابن سلول - بلغني أذاه أي طعنه في أهلي.
(٩) انظر الملاحظة رقم (١) في الصفحة السابقة.
[ ٣١٤ ]
رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» قالت فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا (من) (^١) الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة على أن قال: كذبت لعمر الله، ما تقتله ولا تقدر على قتله، فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ فإنك منافق تماري (^٢) عن المنافقين، قال فتشاور (^٣) الحيّان الأوس والخزرج حتى هموا (أن يقتتلوا) (^٤) ورسول الله ﷺ على المنبر - قال: فنزل فخفّضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلة ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، قالت: بينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس - ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني - قالت:
فتشهّد ثم قال: «أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسوف يبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته
_________________
(١) الإضافة عن التاج ١٩٠:٤.
(٢) الإضافة عن التاج ١٩٠:٤.
(٣) يماري: أي يجادل، كما في رواية التاج ١٩٠:٤، تفسير ابن كثير ٧١:٦.
(٤) في الأصل «فثار الحيان» والمثبت عن المراجع السابقة.
[ ٣١٥ ]
قلص دمعي (^١) حتى ما أحسّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عنّي فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، قالت: وأنا جارية حديثة السّن، وأني لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت إني والله لقد علمت أنكم قد سمعتم ما تحدث به ووقر في أنفسكم وصدّقتم به، وإن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني لبريئة - لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقني، والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (^٢) قالت: ثم تحولت (فاضطجعت) (^٣) على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله ببراءتي ولكني ما ظننت أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم القرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يري الله رسول الله ﷺ في المنام رؤيا تبرّئني، قالت: فو الله ما رام (^٤) مجلسه ولا خرج (أحد) (^٥) من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (^٦) حتى إنه ليتحدّر
_________________
(١) قلص دمعي: أي انقطع، لأن الحزن إذا اشتد فقد الدمع لشدة المصيبة (التاج: ١٩٠:٤).
(٢) سورة يوسف آية ١٨.
(٣) الإضافة عن مغازي الواقدي ٤٣٣:٢، والتاج ١٩١:٤، وابن كثير ٧٢:٦
(٤) ما رام مجلسه: أي ما فارق مجلسه.
(٥) سقط في الأصل: والإثبات عن التاج ١٩١:٤، وابن كثير ٧٢:٦.
(٦) فأخذه من البرجاء: أى شدة الوحي حتى إنه ليتساقط عرقه.
[ ٣١٦ ]
منه مثل الجمان من العرق في يوم شات، قالت: فلما سرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة احمدي الله فقد برّأك الله. قالت: فقالت:
لي أمّي: قومي إلى رسول الله ﷺ، فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، وأنزل الله: «إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ» (^١) إلى آخر الآيات كلها، فلما أنزل الله (هذا) (^٢) في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابة منه - والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله هذه الآية «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ» (^٣)» إلى آخرها، فقال أبو بكر ﵁:
بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، قالت: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: «يا زينب ما علمت وما رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما رأيت عليها إلا خيرا، قالت عائشة ﵂: وهي التي كانت تساميني (^٤) من أزواج النبي ﷺ، فعصمها الله بالورع.
وحدثنا فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وعبد الله ابن الزبير ﵃ بمثله.
_________________
(١) سورة النور آية ١١.
(٢) الإضافة عن التاج ١٩٢:٤، وتفسير ابن كثير ٧٢:٦.
(٣) سورة النور آية ٢٢.
(٤) تساميني: أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي ﷺ ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل ما كان لي عند النبي ﷺ.
[ ٣١٧ ]
حدثنا فليح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد بمثله.
قال فليح وسمعت ناسا من أهل العلم يقولون: إن أصحاب الإفك جلدوا الحدّ (^١)، ولا نعلم ذلك.
حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد بإسناده وألفاظه بمثله، إلاّ حروفا منها: من جزع أظفار، ومنها لم يثقلهن ولم يهبّلهنّ (^٢) اللحم، ومنها: وكان صفوان من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي، ومنها: فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي كلّيا، والله ما تكلم بكلمة وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه، ومنها: حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، ومنها: أم مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف.
حدثنا سويد بن سعيد (^٣) قال، حدثنا الوليد بن محمد الموقري، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت:
_________________
(١) ويوافق هذا ما جاء في التاج ١٩٢:٤ عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم. رواه الترمذي بسند صحيح. * والرجلان: هما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، والمرأة هي حمنة بنت جحش؛ حدوا حد القذف، ثم تابوا وصاروا من أحسن المسلمين ﵃.
(٢) لم يهبلهن: أي لم يكثر عليهن اللحم والشحم (اللسان ٢١٢:١٤).
(٣) هو سويد بن سعيد الهروي أبو محمد الأنباري، روى عن حفصة بن ميسرة وحماد بن زيد، قال أحمد: أرجو أن يكون صادقا، وقال أبو زرعة: كتبه صحاح، قد كان ذا رحلة ومعرفة، مات سنة أربعين ومائتين. (الخلاصة للخزرجي ص ١٣٥).
[ ٣١٨ ]
غزا رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، وسبا يومئذ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكان من شأن عائشة ﵂. بلغنا: أن النبي ﷺ ساهم بين نسائه في غزوة بني المصطلق أيتهن تخرج معه. فخرج سهم عائشة وأم سلمة ﵄. فخرج بهما معه، فلما قفلوا من غزاتهم، وكان بينهم وبين المدينة ليلتان، مال رحل أمّ سلمة فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها (^١)، ثم جعل الهودج فيوضع على البعير ثم يشد عليه، فلما غيّروا رحل أم سلمة نزلت عائشة لحاجة كانت لها، فسقطت قلادة كانت في عنقها من جزع أظفار يمانية، فرجعت تلتمسها فوجدت القوم قد ذهبوا، وظنوا أنها في الهودج، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لو اضطجعت في مكاني لعلّهم يفقدوني فيلتمسوني، فمرّ بها رجل من قريش يقال له صفوان بن المعطّل، وكان في ساقة القوم، فنادى بها: أيّها النائم - وهو يحسبني رجلا - فرفعت رأسي - وقد كان رآني قبل الحجاب - فاسترجع، ثم أناخ بعيره فعقل يديه جميعا، ثم قال يا أمّه إذا استويت عليه فآذنيني، فلما استويت عليه آذنته، فأخذ برأس الجمل، ولم يكلمني حتى جاء بي إلى رسول الله ﷺ بعد ما ارتفع النهار، فقال عبد الله ابن أبيّ بن سلول: ما تخلّفت إلا لكذا وكذا، وأعانه على قوله مسطح ابن أثاثة وحسّان بن ثابت وامرأة أخرى (^٢). قالت عائشة ﵂: وقدمنا المدينة فكثر القول في الناس في شأني، وكان رجلان
_________________
(١) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٢٣٧:٩.
(٢) هي حمنة بنت جحش (التاج ١٩٢:٤، ومجمع الزوائد ٢٣٧:٩، ومعالم التنزيل ٧٠:٦).
[ ٣١٩ ]
من أصحاب رسول الله ﷺ أحدهما زيد بن حارثة، والثاني (^١) أبو أيوب الأنصاري يقولان إذا سمعا شيئا من ذلك:
سبحانك هذا بهتان عظيم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، قالت عائشة ﵂: ورابني منه أني كنت أعرف من ودّه ما أعرف، ثم استكتم فما يريد إلا أن يقول كيف تيكم، فرابني ذلك منه، ولم أعلم شيئا مما قال النّاس، فقالت: فخرج رسول الله ﷺ فدعا رجلين من أصحابه كانا من أهله؛ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فقال: «ما تريان في عائشة؟» فقال عليّ ﵁: النساء كثير، وقد أحلّ الله لك وأطاب، طلّق وانكح غيرها، وإن تسأل عنها أم مسطح تصدقك. فقال أسامة بن زيد ﵄: يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيرا، إن الناس ليكثرون ويكذبون، وإن تسأل عنها أم مسطح تخبرك، فأرسل إلى أم مسطح فقال: «أيّ امرأة تقولين في عائشة؟ (^٢)» قالت: ما علمنا منها إلا خيرا، على أنها امرأة رقود، ترقد حتى تأتي الشاة فتأكل عجين أهلها، إنها لأطيب من طيّب الذهب، وإن كانت كما يقول الناس لتخبرنّك فعجب الناس لقولها، ثم جلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: «من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي؟ والله إنهم ليقولون في رجل ما دخل بيتي إلا معي، ولا أسافر سفرا إلا سافر معي، فلما أمسوا من ذلك اليوم - ولم أعلم ما كان في المسجد - خرجت إلى ما يخرج إليه النساء من الحاجة،
_________________
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) سقط في الأصل.
[ ٣٢٠ ]
ومعي أم مسطح معها سحبل (^١) ماء فعثرت فعقلها إزارها فقالت:
تعس مسطح، فقالت عائشة: سبحان الله سببت رجلا من المهاجرين شهد بدرا وهو ابنك!! قالت أو ما تدرين ما قال لك؟ قالت: وما قال لي؟ قالت: زال بك السيل وما تدرين؟ إنه قال كذا وكذا، قالت عائشة: فرجعت إلى بيتي قد تقلّص ذلك مني ما قدرت على قضاء حاجة، فبكيت من العشاء حتى أصبحت ما دخل في عيني نوم ولا جفّت لي عين، ثم بكيت من بكرة حتى الليل ما جفّت لي عين ولا دخل في عيني نوم، فلما أمسيت قلت: يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبويّ، قال «نعم إن شئت» قالت فجئت إلى أبوي فقلت لهما:
ألا خبّرتماني حتى أعتذر إلى رسول الله ﷺ؟ فقال لها أبو بكر ﵁: والله لوددت أني لم أرك قطّ، وددت أن لو كنت حيضة، والله ما قيل ذلك في الجاهلية فكيف في الإسلام، قالت: والله لا يخزيك الله أبدا، فقالت أمّها أم رومان: يا بنية اخفضي عليك شأنك، والله ما كانت امرأة قط يحبها زوجها ولها ضرائر إلا يبغينها شرا، قالت: فدخل النبي ﷺ فرأى في وجوههم من الحزن ما رأى، فقال: «يا عائشة إن كنت فعلت شيئا مما قالوا فأخبريني حتى أستغفر الله لك، فقالت لأبويها:
أجيبا رسول الله ﷺ عني، قال أبو بكر ﵁: والله ما أدري ما أجيب رسول الله ﷺ، وما أدري ماذا أقول، قالت عائشة: والله لا أستغفر الله من هذا الذّنب
_________________
(١) ما في الأصل «يقرأ سحبل أو سجل» والسحبل: الضخم من الأسقية، والسجل: الدلو الكبير (أقرب الموارد).
[ ٣٢١ ]
أبدا، وإن كنت فعلت فلا غفر الله لي، وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف حين قال «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» (^١)، وما (أذكر) (^٢) اسم يعقوب من الأسف، قالت: وبكيت، فأخذ رسول الله ﷺ كهيئة ما يعتريه، قال أبو بكر ﵁: ادني من رسول الله ﷺ، فقلت والله لا أمسّه، فسرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فقال لها أبشري (^٣) إن الله قد أنزل براءتك؟ قالت: «بحمد الله لا بحمدك وحمد صاحبيك فقال: أبو بكر ﵁: والله لا أنفع مسطحا أبدا، افترى على ابنتي فأنزل الله: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (^٤) فكفّر أبو بكر ﵁ عن يمينه، وأحسن إلى مسطح بعد وزاده على ما كان يصنع إليه، ونزل في عائشة ﵂ في سورة النور بعد الفتنة «إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ» إلى قوله «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» (^٥).
_________________
(١) سورة يوسف آية ١٨.
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن سيرة ابن هشام ٣٠٢:٢.
(٣) في الأصل «أشعرت» والتصويب عن معالم التنزيل ٧٥:٦، وابن هشام ٣٠٢:٢.
(٤) سورة النور آية ٢٢.
(٥) سورة النور الآيات من ١١ - ٢٦.
[ ٣٢٢ ]
حدثنا أبو عمران الرازي حفص بن عمر قال، حدثنا صالح ابن أبي الأخضر، عن الزهري قال، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعروة بن الزّبير (وعلقمة بن (^١) وقّاص) حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكلّهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أثبت لحديثها من بعض وأحسن له قصصا عن عائشة، فذكر نحو حديث فليح، ولم يقل: بني المصطلق، إلاّ أنه قال: وأنا جارية حديثة السّن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فذكر نحوه.
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتّاب بن بشير، عن خصيف، عن هشيم، عن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليّ أمّ مسطح فخرجت إلى حين لحاجة فوطئت أمّ مسطح على عظم - أو شوكة - فقالت: تعس مسطح، فقلت: بئس ما قلت، ابنك، ورجل من أصحاب النبي ﷺ!! فقالت: أشهد أنك من الغافلات المؤمنات، أتدرين ما قد طار عليك؟ قلت: لا والله، قالت: متى عهد رسول الله ﷺ بك؟ فقالت: رسول الله ﷺ (يصنع) (^٢) في أزواجه ما أحبّ؛ يدني من أحبّ منهن ويرجي من أحبّ (منهن) (^٣) قالت: فإنه قد طار عليك كذا وكذا، قالت: فخررت مغشية عليّ، فبلغ أمري أمي، فلما بلغها أن عائشة قد بلغها الأمر أتتني فحملتني فذهبت بي إلى بيتها، فبلغ رسول الله
_________________
(١) سقط في الأصل والإثبات عن السيرة لابن هشام ٢٩٧:٢، وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري. ٣٣٨:٦.
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٢٢٩:٩، والبداية والنهاية ٧٣:٦.
(٣) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٢٢٩:٩، والبداية والنهاية ٧٣:٦.
[ ٣٢٣ ]
ﷺ أن عائشة قد بلغها الأمر، فجاء إليها فدخل عليها وجلس عندها، وقال: «يا عائشة إنّ الله قد وسّع التوبة» قالت:
فازددت شرا إلى ما بي، فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو بكر فدخل (عليّ) (^١) فقال: يا رسول الله ما تنتظر بهذه التي قد خانتك وفضحتني؟ قالت: فازددت شرا إلى شرّ، قالت: فأرسل إلى عليّ ﵁ فقال «يا علي، ما ترى في عائشة؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال:
«لتخبرني ما ترى فيها» قال: قد وسّع الله في النساء، فأرسل إلى بريرة جاريتها فسلها فعسى أن تكون قد اطّلعت على شيء من أمرها، فأرسل إلى بريرة فجاءت، فقال لها: «أتشهدين أني رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «فإني سائلك عن شيء فلا تكتميني» قالت:
يا رسول الله ما شيء تسألني عنه إلا أخبرتك، ولا أكتمك إن شاء الله شيئا، قال: «هل رأيت منها شيئا تكرهينه؟» قالت: لا والذي بعثك بالنبوّة، ما رأيت منها (^٢) منذ كنت عندها إلا خلّة، قال:
«ما هي» قالت، عجنت عجينة لي فقلت يا عائشة احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارا فأختبز، فقامت تصلّي، فغفلت عن العجينة فجاءت الشاة فأكلتها. قالت: فأرسل إلى أسامة فقال «يا أسامة ما ترى في عائشة؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال «لتخبرني ما ترى فيها» قال: فإني أرى أن تسكت عنها حتى يحدث الله إليك فيها، قالت: فما كان إلا يسيرا حتى نزل الوحي، فلما نزل فرئي في وجه
_________________
(١) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٢٢٩:٩، والبداية والنهاية ٧٣:٦.
(٢) في الأصل: «عندها» والمثبت عن مجمع الزوائد ٢٢٩:٩، وفي إرشاد الساري ٣٤١:٦ ومعالم التنزيل ٧٢:٦ وتفسير ابن كثير ٧٠:٦ والتاج ١٨٩:٤ «ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها».
[ ٣٢٤ ]
رسول الله ﷺ السرور، وجاء عذرها من الله، فقال رسول الله ﷺ «أبشري يا عائشة - ثلاث مرار - فقد أتاك الله بعذرك» قالت فقلت: بغير حمدك وحمد صاحبك، قالت:
فعند ذلك تكلّمت، قالت: وكان إذا أتاها قال: كيف تيكم؟ حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عائشة ﵂ قالت:
لقد تحدث الناس بهذا الأمر، وشاع فيهم، فقام فيهم رسول الله ﷺ خطيبا، وما أشعر به، فدخل رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه على جارية لي نوبيّة فقال: «يا فلانة، ما تعلمين عن عائشة؟» فقالت: والله ما أعلم منها عيبا إلاّ أنها تنام فتدخل الشاة فتأكل خميرتها. فقال «ليس غير هذا، أسألك» فقالت: نعم فسلني، فلما فطنت لما يريد قالت: سبحان الله!! ولا علمت من عائشة إلا ما يعلم الصايغ من التّبر الأحمر. فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«أما بعد، فأشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم آبنوا (^١) أهلي وما علمت عليهم من سوء قط، آبنوهم بمن والله ما علمت (عليه) (^٢) من سوء قط، ما بقيت إلا وهو معي، ولا دخل بيتي إلا وأنا شاهد» فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله أرى أن تضرب أعناقهم، فقال رجل من الخزرج (^٣): كذبت والله، أم والله لو كان من رهطك ما أمرت
_________________
(١) آبنوا، آبنه: اتهمه وعابه، والنص موافق لما جاء في تفسير ابن كثير ٧٣:٦.
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن ابن كثير ٧٣:٦.
(٣) هو سعد بن عبادة. (التاج ١٩٠:٤، مجمع الزوائد ٢٣٣:٩).
[ ٣٢٥ ]
بقتلهم. حتى كاد أن يكون بين الخزرج والأوس كون (^١)، وكان ممن تولّى كبره حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في آخرين لا يسمّون، وكان يتحدث به عند عبد الله بن أبيّ ويذيعه.
قالت عائشة ﵂: فخرجت ذات ليلة معي أم مسطح لحاجتي، فبينا هي تمشي إذ عثرت فقالت: تعس مسطح. فقلت:
سبحان الله، علام تسبّين ابنك وهو من المهاجرين الأولين، وقد شهد بدرا؟! ثم مشت أيضا فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت علام تسبين ابنك وهو من المهاجرين الأولين وقد شهد بدرا؟! ثم مشت أيضا فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها مثل ذلك.
فقالت: والله ما أسبّه إلا فيك، فقلت: وما شأني؟ فأخبرتني، فذهبت حاجتي فما أجد منها شيئا، فرجعت فحممت فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال «ما شأنك يا عائشة؟» فقلت:
حممت يا رسول الله فأذن لي فلآتي أبويّ، فأذن لي، فذهبت فإذا أمي أسفل وإذا أبي فوق البيت يصلّي، فقالت أمي: ما جاء بك؟ فقلت:
أخبرتني أمّ مسطح بكذا وكذا، قالت: وما سمعته إلا الآن؟ قلت:
لا، قالت: فبكت وبكيت، وسمع أبي بكاءنا فنزل فقال: ما شأن ابنتي؟ فقالت: إنّها سمعت بذاك الخبر الآن، قال: أي بنيّة ارجعي إلى بيتك حتى نغدو عليك غدا، فلما كان الغد جاء وعند النبي ﷺ امرأة من الأنصار، فما منع النبي ﷺ مكانها أن يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال «أما بعد
_________________
(١) كذا في الأصل. والكون: الحدث (اللسان) وفي تفسير ابن كثير ٧٣:٦ «شر».
[ ٣٢٦ ]
يا عائشة فإن كنت أسأت وأخطأت فاستغفري ربك وتوبي إليه» فقلت لأبي: تكلّم، فقال لم أتكلم؟ فقلت لأمي تكلمي. فقالت لم أتكلم؟، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد فو الله لئن قلت لكم فعلت والله يعلم ما فعلت لتقولنّ قد أقرّت، ولئن قلت ما فعلت لتقولن كذبت، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال العبد الصالح «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» (^١) ونزل الوحي على رسول الله ﷺ فما سرّي عنه حتى رأيت السرور بين عينيه، ثم قال «يا عائشة أبشري فإن الله ﷿ قد أنزل عذرك» وقرأ عليها القرآن: «سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها» (^٢) حتى أتى على هذه الآيات، فقال أبواي: قومي فقبّلي رأس رسول الله ﷺ، فقلت أحمد الله لا إيّاكما.
وقال الرجل الذي قيل له ما قيل: سبحان الله، والله إن كشفت كنف أنثى (^٣) قط. فقتل شهيدا في سبيل الله، قالت: وكان مسطح قريبا لأبي بكر، وكان يتيما في حجره، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله ﷿ «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ» إلى قوله «أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ» (^٤) وكان حسّان بن ثابت ﵁ إذا سبّ عند عائشة ﵂ قالت: لا تسبّوه فإنه كان
_________________
(١) سورة يوسف آية ١٨.
(٢) سورة النور آية ١.
(٣) كذا في الأصل، وفي تفسير ابن كثير ٧٤:٦ «ما كشف كنف أنثى قط».
(٤) سورة النور آية ٢٢.
[ ٣٢٧ ]
ينافح (^١) عن رسول الله ﷺ، وقالت: أيّ عذاب أعظم من ذهاب عينيه.
حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الزهري عن علقمة بن وقّاص، وعن سعيد بن المسيّب، وعن عروة بن الزّبير، وعن عبيد الله بن عبد الله، فكلّ حدثني هذا الحديث، وبعض القوم أوعى له من بعض، وقد جمعت لك كل الذي حدثني القوم.
قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂. وعبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة ﵂ فكل قد اجتمع حديثه في قصة خبر عائشة ﵂ عن نفسها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه (فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه) (^٢) كما كان
_________________
(١) النفح: الذب عن الرجل، وفي الحديث «إن جبريل مع حسان ما نافح عني» أي دافع عني. (اللسان ٤٦٣:٣) وفي تفسير ابن كثير ٧٨:٦ «قال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قذعة حدثنا سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت: ما سمعت من شعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة، وذاك قوله لأبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب: هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء … فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن سيرة ابن هشام ٢٩٧:٢.
[ ٣٢٨ ]
يصنع، فخرج سهمي عليهن، فخرج بي معه قالت: قال وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق فلم يهجهن (^١) اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحّل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتيني القوم ويحملونني (^٢)، فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك وجه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل، ثم أذّن في الناس بالرحيل فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد فيه جزع ظفار (^٣) فلما فرغت انسلّ من عنقي ولا أدري، فلما رجعت إلى الرّحل ذهبت ألتمس ما في عنقي فلم أجده - وقد أخذ الناس في الرحيل - فرجعت إلى مكاني فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي - الذين كانوا يرحّلون بي البعير وقد فرغوا من رحلته - فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فساروا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، فانطلق الناس. قالت: فتلفّفت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أني لو افتقدت قد يرجع
_________________
(١) يهجهن اللحم: أي يكثر عليهن ويكون كالورم في الجسم (السيرة لابن هشام ٢٩٧:٢).
(٢) في الأصل «يحملوني» والتصويب عن سيرة ابن هشام ٢٩٧:٢.
(٣) في الأصل «جزع أظفار» بالهمز وهي رواية لأبي ذرّ عن المستملي، والمثبت عن ابن هشام ٢٩٨:٢، وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري ٣٣٨:٦ حيث ورد فيه «وقد صوّب الخطابي أظفار بحذف الهمزة وكسر الراء مبنيا كحضار مدينة باليمن» والجزع خرز يمني، وظفار مدينة باليمن قرب صنعاء، وفي رواية عروة عنها في الصحيح: أنها استعارتها من أسماء أختها (شرح المواهب للزرقاني ١٠١:٢).
[ ٣٢٩ ]
إليّ، فو الله إني لمضطجعة إذ مرّ بي صفوان بن المعطّل السلمي - وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس - فرأى سوادي فأقبل حتى وقف عليّ - وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب - فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ ظعينة (^١) رسول الله ﷺ وأنا متلففة في ثيابي - فقال: ما خلّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلّمته، قالت: ثم قرّب البعير فقال:
اركبي، واستأخر عني، فركبت، فأخذ برأس البعير وانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت (^٢) حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتجف (^٣) العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة فلم أمكث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبويّ، ولا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا، إلاّ أني قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بي، كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك (بي) (^٤) في شكواي تلك، فقد أنكرت ذلك منه، كان إذا دخل وعندي أمّي تمرّضني قال «كيف تيكم؟» لا يزيد على ذلك، حتى وجدت في نفسي، فقلت يا رسول الله - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرّضتني؟
_________________
(١) الظعينة: تطلق الظعينة على الزوجة، تقول «هي ظعينة فلان أي امرأته؛ لأن الرجل يظعن بها أي يرتحل.
(٢) في الأصل «وفقدت» والمثبت عن السيرة لابن هشام ٢٩٨:٢.
(٣) كذا في الأصل وفي ابن هشام ٢٩٨:٢، فارتج العسكر، أي تحرك واضطرب،
(٤) الإضافة عن ابن هشام ٢٩٨:٢.
[ ٣٣٠ ]
فقال «لا عليك» قالت: فانتقلت إلى أمي، ولا أعلم بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنّا قوما لا نتخذ الكنف (^١) في بيوتنا التي يتخذها الأعاجم؛ نعافها ونكرهها. إنا كنا نذهب في فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت أبي رهم ابن عبد المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها بنت صخر (^٢) بن عامر ابن كعب بن سعد بن تيم، خالة أبي بكر الصديق ﵁، قالت: فو الله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها (^٣) فقالت: تعس مسطح. قالت فقلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا. قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت (قلت) (^٤) وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك، قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم، والله لقد كان. قالت: فو الله ما قدرت (على) (^٥) أن أقضي حاجة، ورجعت، فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمي: يغفر الله لك؛ تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي شيئا من ذلك، قالت: أي بنيّة خفّضي عليك (الشأن) (^٦) فو الله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن وأكثر الناس عليها (^٧). قالت: وقد
_________________
(١) جمع كنيف: وهو السترة أو الساتر، ويطلق على المرحاض فإنه يستر قاضي الحاجة (أقرب الموارد).
(٢) في الأصل «أم صخر بنت صخر بن عامر» والمثبت عن أسد الغابة ٦١٨:٥، وابن هشام ٢٩٩:٢، وهي سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
(٣) المرط: الكساء (السيرة لابن هشام ٢٩٩:٢).
(٤) الإضافات عن السيرة النبوية لابن هشام ٢٩٩:٢، ٣٠٠.
(٥) الإضافات عن السيرة النبوية لابن هشام ٢٩٩:٢، ٣٠٠.
(٦) الإضافات عن السيرة النبوية لابن هشام ٢٩٩:٢، ٣٠٠.
(٧) في السيرة النبوية لابن هشام ٣٠٠:٢ «إلا كثرن وكثر الناس».
[ ٣٣١ ]
قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبا ولا أعلم بذلك (فحمد الله وأثنى عليه) (^١) ثم قال: «يا أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق؟ فو الله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، ولا دخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي» قالت: وكان كبر (^٢) ذلك عند عبد الله بن أبيّ بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أنّ أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ، ولم تكن من نسائه امرأة كانت تناصيني (^٣) في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلاّ خيرا، وأما أختها حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادّني لأختها فشقيت بذلك، فلما أن قال رسول الله ﷺ تلك المقالة قال أسيد بن حضير أحد بني عبد الأشهل: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم، (قالت) (^٤) فتكلم سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا - فقال:
كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم؛ أم والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك تعرف أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادل عن
_________________
(١) الهامش رقم ٤ بالصفحة السابقة.
(٢) الكبر: بالضم والكسر: الإثم ومعظم الشيء (السيرة لابن هشام ٣٠٠:٢).
(٣) وتناصيني: من المناصاة وهي المساواة (السيرة لابن هشام ٣٠٠:٢ حاشية رقم ٢).
(٤) الإضافة عن السيرة لابن هشام ٣٠٠:٢، ٣٠١.
[ ٣٣٢ ]
المنافقين (قالت) (^١) وتساور (^٢) الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شرّ، ونزل رسول الله ﷺ فدخل عليّ (^٣)، فدعا عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما عليّ فإنه قال: يا رسول الله إن النساء كثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، فقام إليها عليّ فضربها ضربا شديدا وقال اصدقي رسول الله ﷺ، فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله، قالت: ثم دخل (عليّ) (^٤) رسول الله ﷺ وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي معي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتّقي الله، فإن كنت قارفت سوءا (^٥) مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده» قالت: (فو الله) (^٦) إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص (^٧) دمعي حتى ما أحسّ منه شيئا.
وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله ﷺ فلم
_________________
(١) الإضافات عن السيرة لابن هشام ٣٠٠:٢، ٣٠١.
(٢) الإضافات عن السيرة لابن هشام ٣٠٠:٢، ٣٠١.
(٣) الإضافات عن السيرة لابن هشام ٣٠٠:٢، ٣٠١.
(٤) وتساور الناس: قام بعضهم إلى بعض. وفي بعض النسخ من سيرة ابن هشام «تثاوروا» وانظر ابن هشام ٣٠٠:٢ حاشية رقم ٣.
(٥) كذا في الأصل، ولعل العبارة زائدة.
(٦) قارفت سوءا: أي دخلت فيه (السيرة لابن هشام ٣٠١:٢ حاشية ٢).
(٧) قلص دمعي: ارتفع دمعي (عن المصدر السابق حاشية ٣).
[ ٣٣٣ ]
يتكلما، قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي (وأصغر شأنا) (^١) من أن ينزل الله فيّ قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في نومه شيئا يكذّب الله به عني، لما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا، فأمّا قرآن ينزل فيّ فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك، قالت: فلما لم أر أبويّ يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﷺ؟ فقالا:
والله ما ندري بماذا نجيبه، قالت وأيم الله لا أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام (قالت) (^٢): فلما استعجما عليّ استعبرت (فبكيت) (^٣) ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله يعلم أني منه بريئة - لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني، قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، قلت ولكني سأقول كما قال أبو يوسف «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» (^٤) قالت: فو الله ما برح رسول الله ﷺ من مجلسه ذلك حتى تغشّاه من الله ما كان يتغشّاه فسجّي (^٥) بثوبه، و(وضعت له) (^٦) وسادة (من) (^٧) أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ما فزعت كثيرا ولا باليت؛ قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول الله ﷺ حتى ظننت أن أنفسهما ستخرج فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس، قالت: ثم سرّي عن رسول الله ﷺ
_________________
(١) سقط في الأصل. والإثبات عن السيرة لابن هشام ٣٠١:٢، ٣٠٢.
(٢) سقط في الأصل. والإثبات عن السيرة لابن هشام ٣٠١:٢، ٣٠٢.
(٣) سقط في الأصل. والإثبات عن السيرة لابن هشام ٣٠١:٢، ٣٠٢.
(٤) سقط في الأصل. والإثبات عن السيرة لابن هشام ٣٠١:٢، ٣٠٢.
(٥) سقط في الأصل. والإثبات عن السيرة لابن هشام ٣٠١:٢، ٣٠٢.
(٦) سورة يوسف الآية رقم ٣.
(٧) في الأصل «فتسجى» والمثبت عن ابن هشام ٣٠٢:٢.
[ ٣٣٤ ]
فجلس وإنه ليتحدر منه (مثل) الجمان (^١) في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» قالت: فقلت بحمد الله دونكم، ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله في القرآن فيّ، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا حدّهم.
قال محمد بن إسحاق، حدثني ابن إسحاق بن يسار، عن بعض رجال بني النجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله ما كنت أفعله، قال: فعائشة خير منك، قالت: فلما أنزل الله القرآن ذكر الله من قال من (أهل) الفاحشة ما قال ومن أهل الإفك، فقال:
«إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢)»، وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا» (^٣) أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته، ثم قال: «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ﴾
_________________
(١) وفي السيرة الحلبية ٨٥:٢ «فلما سري عن رسول الله ﷺ سرى عنه وهو يضحك، وإنه لينحدر منه العرق كالجمان» والجمان: حبوب مدحرجة تجعل من الفضة أمثال اللؤلؤ.
(٢) سورة النور آية رقم ١١.
(٣) سورة النور آية رقم ١٢.
[ ٣٣٥ ]
﴿عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ» (^١) فلما نزل هذا في عائشة ﵂، وفي من قال لها ما قال، قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنافعة أبدا بعد إذ قال لعائشة وأدخل عليها ما أدخل. فأنزل الله في ذلك: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ» (^٢) قال أبو بكر: بلى والله والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجّع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها أبدا.
حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان في قوله: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ» (^٣) قال كانت أمّ مسطح عند عائشة ﵂ فقالت أم مسطح: تعس مسطح. فقالت عائشة: لم تقولين هذا لرجل من المهاجرين؟ قالت: أو ما تعلمين ما قد قيل؟ وكان مسطح فيمن قال لعائشة، وكان يتيما في حجر أبي بكر، فقال أبو بكر: لا أنفعه بقليل أو لا كثير، قال أبو بكر ﵁:
فأنزل الله: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^٤) إلا أنه قال ﵁:
لأكونن لليتيم خير ما كنت.
حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا مالك بن معول، عن أبي حصين عن مجاهد قال: لمّا نزل عذر عائشة ﵂ قام إليها
_________________
(١) سورة النور آية رقم ١٥.
(٢) سورة النور آية رقم ٢٢.
(٣) سورة النور آية رقم ٢٢.
(٤) سورة النور آية رقم ٢٢.
[ ٣٣٦ ]
أبو بكر ﵁ فقبّل رأسها، فقالت بحمد الله لا بحمدك.
فهلا عذرتني يا أبه؟ قال: وكيف أعذرك يا بنية بما لا أعلم؟ وأي أرض تقلني وأي سماء تظلني يوم أقول بما لا أعلم؟ حدثنا هارون بن عبد الله قال، حدثنا عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال:
فقال: «الذي تولّى كبره» عليّ بن أبي طالب، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، أخبرني سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وعلقمة بن وقّاص، عن عائشة ﵂ قالت: «الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ. قال: فما كان جرمه؟ قلت: أخبرني رجال من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عائشة ﵂ قالت:
كان مسيئا في أمري.
حدثنا ابن أبي عديّ، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة يضربوا حدّهم.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن الكلبي، عن ابن عباس ﵁ قال: جلد رسول الله ﷺ الذين قالوا لعائشة ﵂ ما قالوا: ثمانين ثمانين: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش.
حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن أشعث بن إسحاق القمني، قال: الذين قذفوا عائشة ﵂ حسان بن ثابت،
[ ٣٣٧ ]
وعبد الله بن أبيّ، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة فجلدهم النبيّ ﷺ.
حدثنا أبو عاصم النبيل (^١) قال، حدثنا الحسن بن زيد العلوي، عن عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ ضرب حسّانا ومسطحا - قال أبو عاصم: فقلت له: والمرأة؟ فقال: والمرأة الحدّ.
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتّاب بن بشير، عن حصيف، عن سعيد «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ» (^٢)، قال: (نزلت (^٣) في عائشة ﵂ خاصة.
حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن حصيف قال:
قلت لسعيد بن جبير «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ» فيمن نزلت؟ قال؟ في عائشة ﵂ خاصة.
حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: نزلت في أزواج النبي ﷺ خاصة.
حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا هشيم، عن العوام، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس ﵄: أنه فسّر سورة
_________________
(١) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري الحافظ، روى عن بهز بن حكيم والأوزاعي وابن عجلان وخلق، وعنه ابن المديني وإسحاق ابن راهويه، قال ابن شيبة: «والله ما رأيت مثله» قال أبو عاصم: من طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس. ولد أبو عاصم سنة اثنتين وعشرين ومائة، قال خليفة: مات سنة اثنتي عشرة، وقال ابن سعد: سنة أربع عشرة ومائتين (الخلاصة للخزرجي ص ١٥٩).
(٢) سورة النور آية رقم ٢٣.
(٣) الإضافة عن تفسير ابن كثير ٨٥:٦.
[ ٣٣٨ ]
النور، فلما انتهى إلى هذه الآية «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (^١). قال: هذا في عائشة وأزواج النّبي ﷺ وهي منهن، وليس لهم توبة «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا» (^٢) قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أزواج النبي ﷺ توبة، قال فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبّل رأسه من حسن ما فسّر هذه السورة.
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا علي بن مجاهد، عن الشعبي عن أبي معشر، عن أفلح بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة بن وقاص، وسعيد بن المسيّب، وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة ﵂ قالت: كان زيد بن حارثة وأبو أيوب إذا سمعا من ذلك شيئا قالا: سبحانك هذا بهتان عظيم.
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ خطب فقال: «كيف ترون في رجل يخاذل بين أصحاب رسول الله ﷺ، ويسيء القول لأهل رسول الله ﷺ وقد برّأهم الله، ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة، قال سعد بن معاذ: إن كان منّا قتلناه، وإن كان من غيرنا جاهدناه، قال سعد بن عبادة: أما والله ما تقدر على ذلك ولا
_________________
(١) سورة النور آية ٢٣.
(٢) سورة النور الآيتان ٤، ٥.
[ ٣٣٩ ]
تستطيعه، وقال محمد بن سلمة: «أتتكلم دون منافق عدوّ الله؟ فقال أسيد بن حضير: فيم تكثرون؟ دعونا من هذا، بيننا وبينه أن يأمر رسول الله ﷺ ثم لننظر هل يمنعه. فلم تبرح القالة حتى تداعوا بالأوس والخزرج، فنزل القرآن في ذلك:
«فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ» (^١) فلم يكن بعد الآية تبصرة ولا يتكلم فيه أحد. لقد كان رجل من بني ثعلبة يأتيه وهو جالس في المسجد فيأخذ بلحيته فيقول: اخرج منا فقد أختيتنا (^٢). فيقول: ما أحد ينصرني من أسود بني ثعلبة هذا؟ فما يتكلم فيه أحد.
حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد ابن زيد بن أسلم، عن ابن سعد بن رفعة: وأن هذه الآية نزلت «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» (^٣) قال: خطب النبي ﷺ الناس فقال «من لي ممن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منا يا رسول الله قتلته، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة فقال:
فإنك طاعة رسول الله ﷺ يا بن معاذ ولقد عرفت ما هو منك، فقال أسيد بن حضير: انك يا بن عبادة منافق تحب المنافقين. فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا أيها الناس فإن فينا رسول الله ﷺ، وهو يأمرنا فيعقد أمره، فأنزل الله «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ» (^٤).
_________________
(١) سورة النساء آية رقم ٨٨.
(٢) سورة النساء آية رقم ٨٨.
(٣) سورة النساء آية رقم ٨٨.
(٤) أختيتنا: أي أنقصتنا (أقرب الموارد ٢٥٦:١).
[ ٣٤٠ ]
حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال: ثم إن صفوان بن المعطّل اعترض حسان بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه - وقد كان حسان قال شعرا في ذلك يعرّض بابن المعطّل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر فقال:
أمسى الجلابيب (^١) قد عزّوا وقد كثروا وابن الفريعة (^٢) أمسى بيضة البلد (^٣)
ما البحر حين تهبّ الرّيح شامية … فيغطئلّ ويرمي العبر بالزّبد (^٤)
يوما بأغلب منّي حين تبصرني … أفري من الغيظ فري العارض البرد (^٥)
_________________
(١) في ديوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي ص ١٦٠ «أمسى الخلاييس» والجلابيب هم الغرباء، والخلابيس: الذين يأتون من هاهنا ومن هاهنا.
(٢) الفريعة: فريعة بنت عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبد ودّ، وهي أم حسان ابن ثابت الأنصاري الشاعر - (أسد الغابة ٥٢٩:٥).
(٣) بيضة البلد: أي منفردا لا يدانيه أحد، قال أبو ذر: «وهو في هذا الموضع مدح، وقد يكون ذما وذلك إذا أريد أنه ذليل ليس معه غيره، وفي المثل؛ هو أذل من بيضة البلد، أي من بيضة النعامة حين تتركها بالفلاة ولا تحتضنها (السيرة لابن هشام ٣٠٤:٢، ولسان العرب ٣٩٤:٨، وديوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي).
(٤) يغضئل: يجول ويتحرك، والعبر: جانب النهر أو البحر، وفي ديوان حسان ابن ثابت تحقيق د. سيد حنفي. ما البحر حين تهب الريح شاملة … فيغطثل ويرمي العبر بالزبد
(٥) في الأصل. والديوان تحقيق د. سيد حنفي. ملغيظ أفري كفري العارض البرد وفي الأغاني ١٥٧:٤. كالسيف أفرى كفري العارض البرد والمثبت عن السيرة لابن هشام ٣٠٥:٢. ويقال فلان يفري الفري إذا كان يأتي بالعجب من كلام أو عمل، والسماء تفري إذا جاءت بمطر كثير يتعجب منه.
[ ٣٤١ ]
أمّا قريش فإني لن أسالمهم … حتّى ينيبوا من الغيّات للرّشد (^١)
ويتركوا اللاّت والعزّى بمعزلة … ويسجدوا كلّهم للواحد الصّمد (^٢)
ويشهدوا أنّ ما قال الرّسول لهم … حقّ ويوفوا بعهد الله والوكد (^٣)
أبلغ عبيدا بأني قد تركت له … من خير ما يترك الآباء للولد (^٤)
الدّار واسطة والنّخل شارعة … والبيض ترفل في الثّنّي كالبرد (^٥)
قال فاعترضه صفوان بن المعطّل فضربه بالسيف، ثم قال:
- كما حدثني يعقوب بن عتبة: -
تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنني … غلام إذا هوجيت لست بشاعر (^٦)
قال أبو زيد بن شبة: وفيها مما ليس في رواية إسماعيل:
_________________
(١) في الأصل: «ان أسالمها» وما أثبت عن ابن هشام ٣٠٥:٢ وينيب: يرجع، الغيات: جمع غية من الغي وهو خلاف الرشد. وفي ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي. أما قريش فإني غير تاركهم: وفي الأغاني ١٥٩:٤: أما قريش فإني لست تاركهم.
(٢) في ديوان حسان ص ١٦١ ط الهيئة ..: ويسجدوا كلهم للخالق الصّمد.
(٣) في الأصل: حق ويوفوا بعهد الله والوعد - وما أثبتناه عن ابن هشام ٣٠٥:٢ وفي ديوان حسان ط. الهيئة .. حق ويوفوا بعهد الواحد الأحد. وفي الأغاني ١٤٩:٤ حق ويوفوا بعهد الله في سدد. والوكد: العهود المؤكدة.
(٤) يريد بعبيد ابنه عبد الرحمن.
(٥) كذا بالأصل والثني: معطف الثوب، ومنه حديث أبي هريرة «كان يثنيه عليه أثناء من سعته (تاج العروس ٦٣:١٠). وفي ديوان حسان ص ١٦١ … والبيض يرفلن في القسى كالبرد … وذكر أن القسّي: ثياب بيض يخالطها حرير يؤتى به من مصر.
(٦) أضاف أسد الغابة ٢٦:٣ إلى هذا البيت بيتا آخر هو: ولكنني أحمي حماي وأشتفي … من الباهت الرامي البداء الطواهر
[ ٣٤٢ ]
جاءت مزينة من عمق لتخرجني … أخسا مزين ففي أعناقكم قدر (^١)
ما للقتيل الذي أعدوا فآخذه … من ديّة فيه يعطاها ولا قدد (^٢)
وقال:
جاءت مزينة من عمق لتنصرهم … أخسا مزين وفي أستاهك الفتل (^٣)
فكل شيء سوى أن يدركوا أمرا … أو تدركوا شرفا من شأنكم جلل (^٤)
قوم مدانيس لا يمشي بعقوتهم … جار وليس لهم في موطن بطل (^٥)
_________________
(١) في الأصل «اخسأ مزين ففي أستاهكم قذر» وهو يختلف مع تاليه في القافية، والمثبت من ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي ١٦٠. والقدد: جمع قد وهو سير يقد من جلد غير مدبوغ، شببههم بالكلاب وفي أعناقهم تلك السيور.
(٢) أي يقول في كل هذا: ليس للقتيل الذي أقتله دية يعطاها ولا قود. وفي ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي ص ٢٩٦: جاءت مزينة من عمق لتنصرهم … أنجى مزينة في أستاهك الفتل
(٣) وروى للبكري في الديوان ص ٢٩٥: جاءت مزينة من عمق لتفرعنا … فرى مزين وفي أستاهك الفتل بهذا البيت يهجو حسان مزينة: وكانت مزينة أعانت الأحزاب، ومزينة أمهم وهي بنت وبرة أخت كعب بن وبرة من قضاعة. وعمق اسم مكان، والفتل: ما بين المرفقين عن جنبي البعير - انظر الديوان ص ٢٩٥، ٢٩٦ واللسان ٢٩:١٤.
(٤) في الديوان ص ٢٩٦. فكل شيء سوى أن تذكروا حسنا … أو تبلغوا حسبا في شأنكم جلل
(٥) مدانيس: جمع دنس، والدنس المتسخ، يقال «فلان دنس الثياب، وهو دنس المروءة، ودنس عرضه: فعل ما يشينه (أقرب الموارد ٣٥٢:١). والعقوة: ما حول الدار والساحة والمحلّة ويقال «ما يطور بعقوته أحد» وفي حديث ابن عمر ﵁ «المؤمن الذي يؤمن من أمسى بعقوته» أي حول داره وقريبا منها» (أقرب الموارد، لسان العرب) وفي الأصل: وليس لهم في معرك بطل. والمثبت من الديوان.
[ ٣٤٣ ]
حدثنا أحمد بن عيسى قال، وحدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيّب، أن صفوان ابن المعطّل ضرب حسان بن الفريعة بالسيف في عهد النبي ﷺ في هجاء هجاه حسان، فلم يقطع النبي ﷺ يده. قال حسان حين برئ: القود. فأبى النبي ﷺ أن يقيده وقال «إنك قلت قولا شينا» وعقل رسول الله ﷺ جرحه ذلك.
حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ:
أن ثابت بن قيس بن شمّاس أخا بني الحارث بن الخزرج وثب على صفوان حين ضرب حسان، فجمع يده إلى عنقه بحبل، ثم انطلق إلى دار الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال:
ما هذا؟ قال: ما أعجبك ضرب حسان بالسيف، فو الله ما أراه إلا قد قتله، فقال له عبد الله: هل علم رسول الله ﷺ شيئا مما صنعت؟ قال: لا، قال: والله لقد اجترأت، ثم قال:
أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فدعا حسان وابن المعطّل، فقال ابن المعطّل: يا رسول الله، آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ لحسان: «يا حسان أتشوّهت (^١) على قومي أن هداهم الله للإسلام؟» ثم قال «أحسن يا حسان في الذي أصابك» قال:
هي لك يا رسول الله. فأعطاه رسول الله ﷺ عوضا منها
_________________
(١) أتشوهت على قومي: أي أقبحت ذلك من فعلهم حتى سميتهم بالجلابيب من أجل هجرتهم إلى الله ورسوله - السيرة لابن هشام ٣٠٥:٢.
[ ٣٤٤ ]
ببرحاء (^١) وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة، كانت مالا لأبي طلحة ابن سهل تصدّق بها إلى رسول الله ﷺ، فأعطاها حسان في ضربته، وأعطاه سيرين: أمة قبطيّة، فولدت له عبد الرحمن ابن حسّان.
وكانت عائشة ﵂ تقول: لقد سئل عن ابن المعطّل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا.
وقال: حسان بن ثابت ﵁ يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة ﵂:
حصان رزان ما تزنّ بربية … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (^٢)
_________________
(١) في السيرة لابن هشام ٣٠٦:٢ «ببرحاء» بكسر الباء بإضافة البئر إلى حاء اسم رجل، وفي وفاء الوفا ١٣٣:٢ ما نصه: «روي في البخاري عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريي المدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه ببرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء طيب. قال أنس فلما نزلت آية («لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ» قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﷿ يقول «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ» وإن أحب أموالي إليّ «بيرحاء» وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ «بخ ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه - وفي رواية - فجعلها لأبيّ وحسان وكانا أقرب إليه (وفاء الوفا ١٣٣:٢ ط. الآداب).
(٢) بعد هذا البيت جاءت الأبيات التالية في السيرة لابن هشام ٣٠٦:٢، والتاريخ الكبير للذهبي ٢٤٨:١ ط. الهيئة العامة للكتاب، والاستيعاب ٧٦٦:٢: عقيلة حي من لؤيّ بن غالب … كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها … وطهّرها من كلّ سوء وباطل وروي هذا البيت في الاستيعاب: مهذبة قد طهّر الله خيمها … وطهرها من كل بغي وباطل
[ ٣٤٥ ]
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم … فلا رفعت سوطي إليّ أناملي (^١)
فكيف وودّي ما حييت ونصرتي … لآل رسول الله زين المحافل (^٢)
فإن الذي قد قيل ليس بلائط … ولكنه قول امرئ بي ما حل (^٣)
_________________
(١) =حصان: عفيفة، رزان: ذات وقار وثبات الملازمة موضعها. ما تزن: ما تتهم. غرثى: جائعة. الغوافل: جمع غافلة ويعني بها الغافلة القلب عن الشر كما قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ» ٢٣:٢٤. جعلهن غافلات لأن الذين يرمون به من الشر لم يهممن به قط، وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف ويريد بقوله «وتصبح غرثى من لحوم الغوافل» خميصة البطن من لحوم الناس، أي أنها لا ترتع في أعراض الناس ولا تغتابهم.
(٢) روي هذا البيت في ديوان حسان بن ثابت. ط. الهيئة. فإن كنت أهجوكم كما قد زعمتم … فلا رفعت صوتي إليّ أناملي وما ورد في ابن هشام ٣٠٦:٢ والأغاني ١٦٢:٤ موافق للأصل. وأما الاستيعاب ١٣٠:١، ٧٦٦:٢: فإن كان ما قد قيل عني قلته .. وفي التاريخ الكبير للذهبي ٢٤٨:١ ط. مركز تحقيق التراث بالهيئة: فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم … فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
(٣) روي هذا البيت في ديوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي: وكيف وودّي ما حييت ونصرتي … لآل نبي الله زين المحافل وما في ابن هشام والاستيعاب موافق للأصل، أما الأغاني ١٦٢:٤: وكيف وودي من قديم ونصرتي ..
(٤) روي هذا البيت في ديوان حسان: فإن الذي قد قيل ليس بلائط … بك الدهر بل سعي امرئ بك ما حل وفي التاريخ الكبير للذهبي ٢٤٨:١. وإن الذي قد قيل ليس بلائط … بك الدهر بل قيل امرئ متحايل وفي الاستيعاب ٧٧٦:٢. وإن الذي قد قيل ليس بلائط … بها الدهر بل قول امرئ متماحل وديوان حسان ص ٢٥٨ ط. السعادة. فإن الذي قد قيل ليس بلائط … بها الدهر بل قول امرئ لي ما حل لائط: لاصق، والماحل: الماشي بالنميمة.
[ ٣٤٦ ]
قال: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه من فريتهم عليها:
لقد ذاق حسّان الذي كان أهله … وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح (^١)
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم … وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا (^٢)
وآذوا رسول الله فيها فجلّلوا … مخازي تبقى عمّموها وفضّحوا
وصبّت عليهم محصدات كأنّها … شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح (^٣)
وقال أبو بكر الصديق ﵁ لمسطح وكان اسمه «عوف» ومسطح: لقب:
يا عوف ويحك هلاّ قلت عارفة … من الكلام ولم تتبع بها طمعا
وأدركتك حميّا معشر أنف … ولم يكن قاطعا يا عوف من قطعا
أما حديث من الأقوام إذ حشدوا … فلا تقول ولو عاينته قذعا
لما رأيت حصانا غير مقرفة … أمينة الجيب لم يعلم لها خمعا (^٤)
في من رماها وكنتم معشرا أفكا … في سيّء القول من لفظ الخنى شرعا
فأنزل الله عذرا في براءتها … وبين عوف وبين الله ما صنعا
فإن أعش أجز عوفا عن مقالته … شرّ الجزاء بما ألفيته صنعا
_________________
(١) الهجير: الهجر وقول الفاحش القبيح.
(٢) الرجم: الظن، وأترحوا: أحزنوا وهو من الترح وهو الحزن. ويروى «فابرحوا» بالباء وهو من البرح، أي المشقة والشدة.
(٣) محصدات: يعني سياطا محكمة الفتل شديدات، والشآبيب: جمع شؤبوب وهو الدفعة من المطر، والذرا: الأغاني، والمزن: السحاب، وتسفح: تسيل (السيرة لابن هشام ٣٠٧:٢).
(٤) الخمع بالكسر: اللمس، أي أمينة الجيب ليس لها لصوصية، كناية من طهارتها.
[ ٣٤٧ ]
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، وعلي بن مجاهد وإبراهيم بن المختار (^١)، عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، وخرجت مع النبيّ ﷺ في سفرة أخرى سقط أيضا عني عقدي، فحبس على التماسه وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: في كل سفرة تكونين بلاء وعناء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله ﷿ الرّخصة بالتّيمّم، فقال أبو بكر ﵁:
أم والله يا بنية إنك لما علمت لمباركة.
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه، أن عمار بن ياسر كان يحدث:
أن الرخصة التي أنزل الله في الصعيد إنما نزلت في ليلة حبست عائشة الناس - هي مع رسول الله ﷺ عن الرحيل من أجل عقد لها من جزع أظفار حبسته في ابتغائه حتى ذهب من الليل ما شاء الله، وليس مع الناس ما يتوضأون (به) (^٢) للصلاة، فأتى أبو بكر عائشة ﵂ فتغيّظ عليها، وقال: حبست الناس وليس معهم ما يتوضأون للصلاة، فأنزل الله ﷿ الرخصة في التيمم بالمسح بالصعيد الطيّب، فقال حين أنزلت: يا بنية إنك ما علمت لمباركة.
_________________
(١) إبراهيم بن المختار التميمي، أبو إسماعيل الرازي حبويه - بفتح المهملة وضم الموحدة - قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال البخاري: فيه نظر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص ١٨).
(٢) إضافة يقتضيها السياق.
[ ٣٤٨ ]
حدثنا أبو عمران الداري قال، حدثنا معتمر بن، ميسرة ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر حسان عند عائشة ﵂ فتناولوه، فقالت: لا تسبوا حسانا، فقالوا: يا أم المؤمنين أو ليس من الذين قال الله ﵎: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١)، قالت:
أو ليس من العذاب الأليم ذهاب بصره.