حدثنا يوسف بن عطية الصفار قال، حدثنا ثابت، عن
_________________
(١) سورة آل عمران آية رقم ١٠٣.
(٢) سورة آل عمران آية رقم ١٠٥.
(٣) هو عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري أبو المثنى البصري، عن عمّي أبيه موسى والنضر، وعنه ابنه محمد وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال أبو حاتم شيخ صالح - وقال النسائي ليس بالقوي. (الخلاصة للخزرجي ٢١٢، ٣٦٨ ط. بولاق).
(٤) هو ثمامة بن عبد الله بن أنس الأنصاري قاضي البصرة، يروي عن جده أنس ابن مالك والبراء بن عازب، وعنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى - وابن عون وأبو عوانة. وثقه أحمد والنسائي. توفي بعد العشر ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص ٤٩، وميزان الاعتدال ١٧٣:١).
(٥) هو خالد بن سنان بن غيث بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس العبسي - كان نبيا في الفترة - ومن معجزاته إطفاء نار الحدثان. أخرجه أبو موسى ولم ينسبه، وإنما قال: قال عبدان، ليس له صحبة ولا أدرك رسول الله ﷺ. ذكره النبي ﷺ وقال: نبي ضيعه قومه. (الإصابة ٤٥٨:١، أسد الغابة ٩٢:٢، الكامل لابن الأثير ٣٧٦:١). وله أخبار أخرى في مروج الذهب للمسعودي.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يبايع النساء فجاءته مرأة تبايعه فسألها: «بنت من أنت؟» فقالت:
أنا بنت خالد بن سنان، فقال رسول الله ﷺ «هذه بنت نبيّ ضيعه قومه، أمرهم إذا هم دفنوه أن ينبشوا عنه فإنه سيخرج حيّا، فلم يفعلوا، فهذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه».
حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: جاءت بنت خالد بن سنان العبسي (إلى النبي ﷺ (^١) فقال «مرحبا يا ابنة أخي وابنة نبيّ ضيّعه قومه».
حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري (^٢) قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي يونس (^٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أن رجلا من بني عبس يقال له: خالد بن سنان قال لقومه:
أنا أطفئ عنكم نار الحدثان، فقال له عمارة بن زياد - رجل من قومه -: والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حقّا، فما شأنك وشأن نار الحدثان تزعم أنك تطفئها؟. قال: فانطلق وانطلق معه عمارة ابن زياد مع ناس من قومه حتى أتوها وهي تخرج من شق جبل
_________________
(١) سقط في الأصل والإضافة لابن حجر ٤٥٩:١.
(٢) في الأصل «صاحب الكرى» والتصويب عن غاية النهاية في طبقات القراء ٣١٢:١، وهو سليمان بن أيوب بن الحكم أبو أيوب الخياط.
(٣) أبو يونس: هو حاتم بن أبي صغيرة - بمهملة ومعجمة مكسورة - القشيري أو الباهلي مولاهم أبو يونس البصري، وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي. (الإصابة لابن حجر ٤٦٠:١، والخلاصة للخزرجي ص ٥٦، ٤٠٦).
[ ٢ / ٤٢١ ]
من حرّة يقال لها حرّة (^١) أشجع، قال: فخط لهم خطة فأجلسهم فيها وقال لهم: إن أبطأت عنكم فلا تدعوني باسمي. قال، فخرجت كأنها خيل (^٢) شقر يتبع بعضها بعضا، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه ويقول بدّا بدّا، كل هدى مؤدى (^٣)، زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها وثيابي تندى، حتى دخل معها الشعب قال - فأبطأ عليهم، فقال عمارة بن زياد: والله لو كان صاحبكم حيّا لخرج إليكم (بعد) (^٤) فقالوا له: إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه، قال: ادعوه باسمه، فو الله لو كان (صاحبكم) (^٥) حيا لقد خرج إليكم بعد، قال: فدعوه باسمه، قال: فخرج وهو آخذ برأسه، فقال: ألم أنهكم أن تدعوني باسمي؟ قد والله قتلتموني، احملوني وادفنوني، فإن مرّت بكم الحمر (^٦) فيها حمار أبتر فانبشوني، فإنكم ستجدوني حيّا (فأخبركم بما يكون) (^٧)، قال فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر، فقالوا: ننبشه
_________________
(١) حرة أشجع: وهي بفدك وتسمى حرة النار، وفدك على يومين من المدينة وقيل ثلاثة. (وفاء الوفا ١١٨٧:٤، ١٢٨٠ محيي الدين).
(٢) «خيل شقر» هكذا رويت بالأصل وتاريخ الخميس ١٩٩:١ ومجمع الزوائد ٢١٣:٨. أما في الإصابة لابن حجر فقال: فخرجت كأنها جبل سعر يتبع بعضها بعضا.
(٣) كذا في الأصل وفي مجمع الزوائد ٢١٣:٨ «بدا بدا كل بها مردا» وفي تاريخ الخميس ١٩٩:١ «هديا هديا كل بهن مؤدى» وفي الإصابة ٤٥٩:١ «بدا بدا بدا كل هدى يردا».
(٤) كذا في الأصل وفي مجمع الزوائد ٢١٣:٨ «بدا بدا كل بها مردا» وفي تاريخ الخميس ١٩٩:١ «هديا هديا كل بهن مؤدى» وفي الإصابة ٤٥٩:١ «بدا بدا بدا كل هدى يردا».
(٥) الإضافة عن مجمع الزوائد ٢١٣:٨.
(٦) في الأصل وتاريخ الخميس ٢٠٠:١ «معها» والمثبت عن مجمع الزوائد ٨: ٢١٣، والإصابة ٤٥٩:١.
(٧) الإضافة عن الإصابة ٤٥٩:١؛ وفي تاريخ الخميس ٢٠٠:١ «فأخبركم بجميع ما هو كائن».
[ ٢ / ٤٢٢ ]
فإنه قد أمرنا أن ننبشه، فقال عمارة: لا تحدّث (^١) مضر: أنّا ننبش موتانا، والله لا تنبشونه أبدا، قال: وقد كان خالد أخبرهم أن في عكم (^٢) امرأته لوحين فإذا أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم سترون ما تسألون عنه، قال: ولا تمسّهما (^٣) حائض. فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم، قال أبو يونس: فقال سماك بن حرب:
سئل عنه رسول الله ﷺ فقال «نبيّ أضاعه قومه» قال: وقال سماك بن حرب: إن ابن خالد بن سنان، أو بنت خالد أتى، أو أتيت النبي ﷺ فقال: مرحبا بابن أخي أو ابنة أخي».
حدثنا علي بن الصباح، قال هشام بن محمد، عن أبيه، عن ابن صالح، عن ابن عباس ﵄: قال قدمت المحياة (^٤) بنت خالد بن سنان على النبي ﷺ فقال «مرحبا بابنة أخي؛ نبيّ ضيّعه قومه».
_________________
(١) في الأصل (تحدث مضر بنبش) والمثبت عن مجمع الزوائد ٢١٣:٨.
(٢) عكم امرأته: أي متاع امرأته (أقرب الموارد ٨١٧:٢) وفي الإصابة ٤٥٩:١ «عكن امرأته» - والعكنة بالضم: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا، والجمع عكن، وجارية عكناء أي ذات عكن (تاج العروس ٣٨٠:٩). وفي مجمع الزوائد ٢١٣:٨ «أن في علم امرأته» والعلم يطلق على الراية ورسم الثوب (أقرب الموارد).
(٣) في الأصل «تمسها» والمثبت عن مجمع الزوائد ٢١٣:٨.
(٤) هي محياة بنت خالد بن سنان العبسي - قال ابن الأثير في أسد الغابة ٥٤٤:٥ «لما بعث الله محمدا ﷺ أتته محياة بنت خالد فانتسبت له، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وقال: «ابنة أخي، نبي ضيعه قومه» - وانظر أيضا ترجمتها في الإصابة ٣٩٢:٤.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا ابن أبي الرجال، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه يقول «نبيّ فرّط فيه قومه».
(سالت عليهم نار من حرّة النار في ناحية خيبر والناس في وسطها) (^١)، وهي تأتي من ناحيتين جميعا، فخافها الناس خوفا شديدا، فقال لهم العبسي: ابعثوا معي إنسانا حتى أطفئها من أصلها. قال:
فخرج معه راعي غنم؛ هو ابن راعية، حتى جاء غارا تخرج منه النار، ثم قال العبسي للراعي: أمسك ثوبي، ثم دخل في الغار فقال: هديا هديا، كل يهن مؤدى (^٢)، زعم ابن راعية الغنم أني سأخرج وثيابي لا تندى، قال وهو يمسح العرق عن جبينه.
عودي بدا كل شيء مودى … لأخرجن منها وجسدي يندى (^٣)
حتى إذا حضرته الوفاة قال لقومه الأدنين منه: إذا دفنتموني فمرت ثلاثة أيام فإنكم ستنظرون إلى حمار يأتي قبري فيبحث بحافره وجحفلته (^٤) عني، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني فإني سأخبركم بما هو هو كائن إلى يوم القيامة، قال: سمعته يقول: اسمه خالد ابن سنان.
_________________
(١) في الأصل «سالت عليهم من حرة النار يقال لها في ناحية خيبر والناس وسطها» والمثبت عن تاريخ الخميس ١٩٩:١.
(٢) في الأصل «كل يهب مؤدى» والمثبت عن تاريخ الخميس ١٩٩:١، وفي الإصابة ٤٥٩:١ «بدا بدا كل هدى مؤدى».
(٣) ما بين المعكوفتين عن الإصابة ٤٥٩:١ حيث ورد فيها «خرج يرشح جبينه عرقا وهو يقول: عودي بدا كل شيء مؤدى … لأخرجن منها وجسدي يندى
(٤) الجحفلة لذي الحافر كالشفة للإنسان (أقرب الموارد).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
حدثنا أحمد بن معاوية قال. حدثنا إسماعيل (^١) بن مجالد قال، حدثنا مجالد، عن الشعبي: أن رجلا من عبس في الجاهلية يقال له خالد بن سنان دعا قومه إلى الإسلام، وأن يقرّوا له بالنبوة فأبوا، وكانت نار تستوقد في أرض قريب من أرض بني عبس.
فقال لهم: إن أطفأت لكم هذه النار أتشهدون أني نبيّ؟ قالوا:
نعم، قال: فأخذ عسيبا من نخل رطب فدخل النار وهو يضربها بالقضيب (^٢) وهو يقول: باسم رب الأعلى، كل هدى مودّى، زعم ابن راعية المعزى، أن لا أخرج منها وثيابي تندّى (^٣). فما من شيء كان أصابه ذلك العسيب إلا انطفأ، فأطفأها، ودعاهم فأبوا، فكذبوه ثانية، فقال لهم: إني لبثت أي كذا وكذا يوما، فإذا دفنتموني وأتى عليّ ثلاثة أيام فأتوا قبري، فإذا عرضت لكم عانة من حمر وحش وبين يديها عير (^٤) تتبعه فانبشوني فإني أقوم فأخبركم ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأتوا القبر بعد ثلاث، وسنحت لهم الحمر وبين يديها عير تتبعه، فقام قومه من أهل
_________________
(١) هو إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني - أبو عمر الكوفي، روى عن أبيه مجالد وعبد الملك بن عمير والسماك، وعنه ابن معين وشريح بن يونس، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد: ما أراه إلا صدوقا، وقال أبو زرعة: ليس ممن يكذب (الخلاصة للخزرجي ص ٣٠).
(٢) القضيب: الغصن المقطوع (أقرب الموارد).
(٣) في تاريخ الخميس ١٩٩:١ «ففرقها وهو يقول: بدا بدا كل هدى مؤدى، إلى الله الأعلى، لأدخلنها وهي تلظى، ولأخرجن منها وثيابي تندى» ثم إنها أطفئت وهو في وسطها.
(٤) العير - مصدر - الحمار أيا كان وحشيا أو أهليا، وقد غلب إطلاقه على الوحشي (أقرب الموارد ٨٢٥:٢).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
بيته وبني عمه فقالوا: لا ندعكم تنبشون صاحبنا فنعيّر، فقال الشعبي: إن رجلا من ولده سأل النبي ﷺ فقال:
«نبيّ ضيعه قومه».
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن هلال، والحارث، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال:
قدمت بنت خالد بن سنان بن جابر بن مريطة بن قطيعة بن عبس، فسمعت رسول الله ﷺ يقرأ (قل هو الله أحد) فقالت: يا رسول الله، إني لأسمع كلاما كنت أسمعه من أبي، قال: «إن أباك كان نبيّا أضاعه قومه، فما أوصاكم به عند موته؟» قالت قال لنا: إنكم إذا دفنتموني أقبل عير أشهب يقود عانة (^١) من الحمر حتى يتمعك (^٢) عند قبري، فإذا رأيتم ذلك انحتوني (^٣) أخبركم بما مضى من أمر الدنيا وما بقي إلى يوم القيامة، فلما دفناه جاء ذلك العير في تلك الحمير فتمعّك عند قبره، فهمّ بعضنا بنحته، فقال قيس بن زهير: إذا تكون سبّة علينا فاتركوه، فتركناه.
قال عبد العزيز، عن عبد الرزاق بن الفرات بن سالم قال، حدثني ابن القعقاع بن خليد العبسي، عن أبيه، عن جده قال: بعث الله خالد بن سنان نبيّا إلى بني عبس، فدعاهم فكذبوه، فقال له قيس بن زهير: إن دعوت فأسلت هذه الحرة علينا نارا
_________________
(١) العانة: الأتان، والقطيع من حمر الوحش (أقرب الموارد).
(٢) يتمعك: يتمرغ (اللسان).
(٣) نحت: حفر، (أقرب الموارد) وباقي المصادر «فانبشوني».
[ ٢ / ٤٢٦ ]
- فإنك إنما تخوفنا بالنار - اتبعناك، وإن لم تسل نارا كذّبناك، قال: فذلك بيني وبينكم، قالوا نعم، قال: فتوضأ ثم قال:
اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا بأن تسيل عليهم هذه الحرّة نارا فأسلها عليهم نارا، قال فطلع مثل رأس الحريش (^١) ثم عظمت حتى عرصت أكثر من ميل فسالت عليهم. فقالوا:
يا خالد ارددها فإنا مؤمنون بك، فتناول عصا ثم استقبلها بعد ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا ويقول: هدّا هدّا كل خرج مؤدى، زعم ابن راعية المعزى أن لا أخرج منها وجبيني يندى.
فلم يزل يضربها حتى رجعت. قال فرأيتنا نعشى (^٢) الإبل على ضوء نارها ضلعا الرّبذة (^٣)، وبين ذلك ثلاث ليال.
حدثني أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز، عن طلحة ابن منظور بن قتادة بن منظور بن زبان بن سيار الفزاري قال، أخبرني مشيخة من قومي فيهم أبي قالوا، قال خالد بن سنان:
يا بني عبس، إن كنتم تحبون أن تغلبوا العرب ولا تغلبنكم فخذوا
_________________
(١) رأس الحريش: دويبة قدر الأصبع ذات أرجل كثيرة، وقيل صنف من الحيات أقرط (أقرب الموارد).
(٢) عشى الإبل: رعاها ليلا (أقرب الموارد).
(٣) الربذة: بفتح أوله وثانيه ودال معجمة مفتوحة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال منها، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، بها قبر أبي ذر الغفاري، خربت في سنة تسع عشرة وثلاثمائة بالقرامطة (مراصد الاطلاع ٦٠١:٢). وفي وفاء الوفا ١١٨٧:٤ «وفي رواية أنهم طلبوا منه إسالة الحرة نارا ليؤمنوا به، فدعا الله فسالت عليهم - قال الراوي. فرأيتنا نعشى الإبل على ضوء نارها ضلعا الربذة وبين ذلك ثلاث ليال» وهو يوافق ما هنا.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
هذه الصخرة فاحملوها، فإذا لقيتم عدوّا فاطرحوها بينكم، فإنكم لا تزالون غالبين ما كانت الصخرة معكم، واسم الصخرة «رماس» فحملتها بنو عبس يتعاقبونها، فإذا كانت الحرب سعى بها الغلام الشاب، فإذا لم يكن حرب كان جهدها أن يقلها أربعون رجلا، قال: فدار حملها يوما على بني بجاد من بني عبس، فقال لهم قيس بن زهير: يا بني عبس أما تعرفنا (^١) العرب إلا بصخرة ورّثناها خالد بن سنان؟ ألقوها فلا تحملوها، فحفروا لها حفيرا من الأرض فدفنوها، فلقيتهم بنو فزارة فقتلوهم، فكروا يطلعون الصخرة فلما حفروا عنها صارت عليهم نارا فتركوها فلم يقدروا عليها، فقال الحطيئة يهجوهم:
لعن الإله بني بجاد إنّهم … لا يصلحون وما استطاعوا أفسدوا
برد الحميّة واحد مولاهم … جمد على من ليس فيه مجمد (^٢)
قال أبو غسان، وحدثني عبد العزيز قال، حدثني سليمان ابن أسيد عن معمر (^٣)، عن ابن شهاب، وعن شعيب (^٤) الجبائي
_________________
(١) في الأصل «تعرف لنا العرب»
(٢) وفي ديوان الحطيئة بشرح السكري وابن السكيت ص ٢٩٩ ط. الحلبي وردت الأبيات كالآتي: قبح الإله بني بجاد إنهم … لا يصلحون وما استطاعوا أفسدوا بلد الحفيظة واحد مولاهم … جمد على من ليس عنه مجمد
(٣) معمر بن راشد، أبو عروة، أحد الأعلام الثقات، قال أبو حاتم: صادق الحديث وقال يحيى بن معين: هو من أثبتهم في الزهري، سمح عن ابن شهاب، ومات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
(٤) شعيب الجبائي قال عنه الذهبي في كتاب ميزان الاعتدال ٤٤٨:١ «هو اخباري متروك - قاله الأزدي - تحدث عنه سلمة بن وهران. وينسب إلى جبا، جبل من أعمال الجند باليمن، فكأنه شعيب بن الأسود صاحب الملاحم.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
قال: قدم على رسول الله ﷺ وافد من عبس - قال عبد العزيز: وأخبرني منظور بن طلحة: أنه الحارث بن جزى العبسي - ثم رفع الحديث قال: حدثنا مسلم: فقال له النبي ﷺ «كيف لي بقومك» قال: أنا لك بهم، وهذه فرسي رهن حتى آتي بهم، قال: فخرج حتى نزل على قومه:
فنزل بضليع فدعاهم فأبوا عليه، فناشدهم فأبوا. فقال:
خذوا ما قال صاحبكم فإني … لما فعلت بنو عبس بصير
فهم دفنوا الرّماس فأعقبتهم … مخازي ما تعبّ ولا تطير
فلمّا غاب غيّهم تناهوا … وقد بانت لمبصرها الأمور
فكرّوا نادمين ينحتوها (^١) … ففاجأهم لها لهب سعير
حدثني زريق بن حسين بن مخارق رئيس بني عبس سنة عشر ومائتين قال، سمعت (أن) (^٢) أصحابنا من بني عبس انتجعوا عينا حتى نظروا إلى مواقف وضعوها في جدرها وقالوا:
امضوا فتمكنوا في الرتع (^٣)، قال: ثم رجعوا فلم يجدوها، فأتاهم رجل من بني عبس يقال له نيار بن ربيعة بن مخزوم فأذاع أنه تنبأ كذلك وقال: أنا أخرجها لكم، وقال: هي رماس. وأن
_________________
(١) ينحتوها: يحفروها (أقرب الموارد «نحت»).
(٢) إضافة يقتضيها السياق.
(٣) الرتع: التنعم، ومنه الحديث في شبع وري ورتع. ويقال: رتعت الماشية في المكان رتعا ورتوعا أي أكلت وشربت ما شاءت في خصب وسعة، ورتع القوم أكلوا ما شاءوا في رغد. (أقرب الموارد «رتع).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
لا يزاغ (^١) إلا بأطراف القياس، فلم يظفروا بها. فأخبر النبي ﷺ، وسئل عنها. فقال: «أما خالد بن سنان فنبيّ ضيّعه قومه، وأما نيار فكاذب لعنه الله» فقال في ذلك منجاب أحد بني ربيعة بن مخزوم في الإسلام، وكان يلقب منقارا:
أما نيار فإن الله يلعنه … وكلّ من يلعن الرحمن في النار
قال زريق بن حسين: وسمعت أصحابنا منهم أبي يحدثني عن أبيه: أن نار الحدثان خرجت بالحرّة التي يقال لها حرّة النار، حتى كانت الإبل تغشاه (^٢)، بعدها بقدر مسيرة إحدى عشرة ليلة، وأن خالد بن سنان خرج إليها يضربها بسوطه حتى رجعت من الشّق الذي خرجت منه، وثيابه تندى، لم يصبه ولا ثيابه منها شيء، وهو يقول لرجل زجره عنها: كذبت ابن راعية المعزى، لأخرجن منها وثيابي تندى.
حدثني من أصدّق، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبيّ بن عمارة بن مالك بن جزء بن شيطان بن حديم بن جزيمة ابن رواحل (بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس العبسي) (^٣) قال: كانت بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحدثان
_________________
(١) أزاغه عن الطريق: أماله (أقرب الموارد «زاغ»).
(٢) تغشاه: تغطيه نارها، أو دخانها، وهي على هذا البعد. (أقرب الموارد ٢: ٩٧٤). وفي الأخبار السابقة «تعش».
(٣) في الأصل «أبيّ بن عمارة بن مالك بن حرى بن سبطان بن جديم بن جذية بن رواحة، والتصويب والإضافة عن الإصابة ١٠٩:١. قال هشام بن الكلبي في الجمهرة أدرك النّبي ﷺ وعاش حتى أدركه أبيّ، وتبعه ابن حزم في الجمهرة. وحكى ابن الكلبي عنه عن أبيه عمارة أنه أدرك خالد ابن سنان العبسي.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
حرّة بأرض بني عبس - تعشى الإبل بضوئها من مسيرة ثمان ليال، وربما خرج منها العنق (^١) فذهب في الأرض فلا يبقي شيئا إلا أكله، ثم يرجع حتى يعود إلى مكانه، وأن الله أرسل إليها خالد بن سنان ابن غيث بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس (^٢)، فقال لقومه يا قوم إن الله أمرني أن أطفئ هذه النار التي قد أضرت بكم، فليقم معي من كلّ بطن رجل، قال أبيّ:
فكان ابن عمارة الذي قام معه من جزيمة قال: فخرج بنا حتى انتهى إلى النار فخطّ خطّا على من معه ثم قال: إياكم أن يخرج (أحد) (^٣) منكم من هذا الخط فيحترق، ولا ينوّهن باسمي فأهلك قال:
فخرج عنق من النار فأحدق بنا حتى جعلنا في مثل كفة الميزان، وجعل يدنو منا حتى كاد يأخذ بأفواهنا، فقلت: يا خالد أهلكتنا آخر الدهر. فقال: كلا، وجعل يضربها ويقول: بدّا بدّا (^٤)، كل هدى لله مؤدّى، حتى عادت من حيث جاءت، وخرج يتبعها حتى ألجأها في بئر في وسط الحرّة منها تخرج النار، فانحدر فيها خالد وفي يده درّة فإذا هو بكلاب تحتها فرضّهنّ (^٥) بالحجارة، وضرب النار حتى أطفأها الله على يده. ومعهم ابن عم له يقال له
_________________
(١) العنق: جمع العناق للأنثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة.
(٢) في الأصل «خالد بن سنان بن عتبة بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيف بن قيس» والتصويب عن الإصابة ٤٥٨:١، وأسد الغابة ٩٢:١، والكامل لابن الأثير ٣٧٦:١.
(٣) الإضافة عن تاريخ الخميس ١٩٩:١.
(٤) بدا بدأ: مصدر يراد به الأمر، والمعنى تبددي وتفرقي.
(٥) في الأصل كلمة لا تقرأ، والمثبت عن وفاء الوفا ١٠٧:١ ط. الآداب. (١٥٣:١ محيي الدين) وتاريخ الخميس ١٩٩:١، والرّض: الدّق.
[ ٢ / ٤٣١ ]
عروة بن سنان بن غيث وأمه رقاش بنت صباح من بني ضبّة، فجعل يقول: هلك خالد، فخرج وعليه بردان ينطفان (^١) ماء من العرق، وهو يقول بدّا بدّا كل هدى لله مؤدى أنا عبد الله أنا خالد بن سنان: كذب ابن راعية المعزى لأخرجنّ منها وجلدي (^٢) يندى. فسمّي بنو عروة ببني راعية المعزى، فهو اسمهم إلى اليوم، ثم إن خالدا جمع عبسا فقال: يا عشيرتاه احفروا بهذا القاع فحفروا فاستخرجوا حجرا فيه خط دقيق (قل هو الله أحد الله الصمد ..) السورة كلها، فقال: احفظوا هذا الحجر فإن أصابتكم سنة أو قحطتم فأخمروه بثوب ثم أخرجوه فإنكم تسقون ما دام مخمّرا. فكانوا إذا قحطوا أخرجوه فخمّروه بثوب، فلم يزالوا يمطرون ما دام مخمّرا، فإذا كشفوه أقلعت السماء، ثم قال: إن صاحبتي هذه حبلى في كذا وكذا، تلد في كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، وقد سميت من نعم المولود فاستوصوا به خيرا، فإنه سيشهد مشاهد أولدت مجاهدا، وهو أحيمر كالدرة، نفع مولاه من المضرة، نعم فارس الكرّة، ولا تصيبنكم جائحة من عدوّ ولا سنة ما كان بين أظهركم. فلما حضره الموت قال: احفروا لي على هذه الأكمة، ثم ادفنوني ثم ارقبوني ثلاثا، فإذا مرّت بكم عانة فيها حمار أبتر فاستاف القبر فأطاف به فانبشوني تجدوني حيّا، أخبركم بما يكون إلى آخر الدهر، فمات فدفنوه حيث قال لهم، ثم مكثوا أياما ثلاثة فإذا
_________________
(١) ينطفان من العرق: أي ابتلت من الماء فقطرت (أقرب الموارد «نطف»)
(٢) في رواية السمهودي عن ابن شبة (وفاء الوفا ١٥٣:١ محيي الدين) «وثيابي تندى».
[ ٢ / ٤٣٢ ]
الحمار كما وصف، فارادوا نبشه فقال بنو عبس (^١): والله لا ننبش موتانا فتسبنا به العرب، فلما أسرع بعضهم إلى بعض قام رجل منهم يقال له سليط بن مالك بن زهير بن جزيمة فقال: دعوا نبش هذا الرجل يصلح لكم حالكم وتسلم لكم دماؤكم فأجابوه.
وقدم (ابنه) (^٢) مرة على رسول الله ﷺ فأقعده معه وقال «إليّ يا ابن أخي؛ ابن نبي أضاعه قومه - ويقال: إن ابنته محياة هي التي أتته، فبسط لها رداءه وقال «إليّ يا ابنة أخي، ابنة نبي أضاعه قومه».