حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا في منزل نزله رسول الله ﷺ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له جعال (^٢) - وهم زعموا - أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال له
_________________
(١) سورة النور آية ١٩.
(٢) جعال أو جعيل بن سراقة الضمري - أو الغفاري أو الثعلبي، وقد ذكر موسى ابن عقبة في المغازي في غزوة بني المصطلق - «وكان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له جعال … الخ. (الإصابة لابن حجر ص ٢٣٧). ذكر الواقدي رواية أخرى عن ابن رومان وعاصم وغيرهم أن الذي تنازع مع جهجاه هو جعيل بن سراقة. تصغير جعال - مغازي الواقدي ٤٣٥:٢ ط. أكسفورد.
[ ٣٤٩ ]
جهجاه (^١) فعلت أصواتهما واشتد (جهجاه) (^٢) على المنافقين وردّ عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر ﵁ يسقيه - وكان أجيرا لعمر ﵁ ومع جعال فرس لعبد الله بن أبيّ، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا، فقال عبد الله بن أبيّ:
هذا ما جاوزنا به؛ آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون.
وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية الأنصاريين فغضب وقال - وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله ﷺ للإسلام -:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
فخرج رجل من بني سليم مغضبا من قول حسان ﵁، فلما خرج ضربه حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن المعطّل؛ فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف، فلم يقطع رسول الله ﷺ يده - لضرب السلمي حسان - فقال: خذوه،
_________________
(١) في الإصابة ٢٥٤:١ - جهجاه بن سعيد، وقيل ابن قيس، وقيل ابن مسعود ابن سعد بن حرام بن غفار الغفاري، من أهل المدينة، شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وقد روى الشيخان من حديث جابر «كنا في غزاة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فقال رسول الله ﷺ: ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة» فذكر ابن عبد البر أن المهاجري هو جهجاه، وأن الأنصاري هو سنان بن يزيد، وقيل ابن وبرة وقيل ابن فروه الجهني، وقيل ابن تيم الجهني (أسد الغابة ٣٠٩:١، ٣٥٩:٢ وتفسير ابن كثير ٣٦٧:٨، معالم التنزيل للبغوي ٣٦٦:٨، والسيرة الحلبية ٧٦:٢، والإصابة ٨٣:٢، والبداية والنهاية ١٥٧:٤ ومغازي الواقدي ٤١٥:٢).
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن أسد الغابة ٣٠٩:١.
[ ٣٥٠ ]
فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه، فأسروه وأوثقوه، وبلغ ذلك سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل: فأبوا عليه، فقال عمر ﵁ أثمّ إلى قوم رسول الله تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟! فغضب سعد لرسول الله ﷺ ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل. وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلّة ثم أرسله (^١) فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله ﷺ فقال: «من كساك كساه الله من ثياب الجنة» قال: كساني سعد بن عبادة.
وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعزّ منها الأذل، فأحصى الله ﷿ عليه ما قال، وسمع زيد بن أرقم - رجل من بني الحارث بن الخزرج - قول عبد الله بن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب ﵁، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في ابن أبيّ فإنه يقول آنفا: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم وما اتبعه منهم رجل، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل. أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عبّاد بن بشر أخا بني عبد الأشهل أو معاذ
_________________
(١) في الأصل «ثم أرسلنا» والصواب ما أثبت.
[ ٣٥١ ]
ابن عمرو بن الجموح فليقته، فكره رسول الله ﷺ قوله، فلما رأى ذلك عمر ﵁ سكت، وتحدّث أهل عسكر رسول الله ﷺ بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقارّ في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل (^١)، فلما استقلّ الناس قالوا: ما شأن رسول الله ﷺ لم يتقارّ في منزله، لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟ فبعث النبي ﷺ إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا، فقال النبي ﷺ «إن كان سبق منك قول شيء فتب» فجحد وحلف، فوقع رجال بزيد بن أرقم وقالوا: أسأت بابن عمك وظلمته، ولم يصدّقك رسول الله ﷺ، فبينما هم يسيرون رأوا النبي ﷺ يوحى إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرّي عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم، فأخذ بأذنه فعصرها (^٢) حتى استشرف القوم بفعل رسول الله ﷺ ولا يدرون ما شأنه، فقال: «أبشر فقد صدّق الله حديثك» فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا» إلى قوله
_________________
(١) في معالم التنزيل ٣٦٧:٨ «أذّن للرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها فارتحل الناس.
(٢) في السيرة الحلبية ٨١:٢ «فلما سري عن رسول الله ﷺ أخذ بأذني وأنا على راحلتي يرفعها إلى السماء حتى ارتفعت عن مقعدي، وهو يقول: وعت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك، وكذب المنافقين، فكان يقال لزيد بن الأرقم ﵁ «ذو الأذن الواعية».
[ ٣٥٢ ]
«وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (^١) فلما نزل رسول الله ﷺ بقباء (^٢) من طريق عمق سرّح الناس ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟ فزعموا أنه قال «مات اليوم منافق عظيم النفاق (^٣) ولذلك عصفت، وليس عليكم منها بأس إن شاء الله» وكان موته غائظا للمنافقين - قال جابر بن عبد الله ﵄: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق مات يومئذ - وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله ﷺ من بين الإبل، فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله ﷺ، فقال المنافق: ألا يحدّثه الله بمكان راحلته؟ فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله؛ نافقت، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا ساعة. فمكث المنافق معهم شيئا، ثم قام وتركهم، فعمد لرسول الله ﷺ فسمع الحديث، فوجد الله قد
_________________
(١) سورة المنافقون الآيتان ٧، ٨.
(٢) وفي معالم التنزيل ٣٦٩:٦ «ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع - قالوا له بقعاء - فهاجت ريح شديدة ..».
(٣) المنافق الذي هاجت الريح بسببه هو: رفاعة بن زيد بن التابوت، مات ذلك اليوم، وكان من عظماء يهود بني قينقاع وكهفا للمنافقين، وكان ممن أسلم ظاهرا، وقد أشار إلى ذلك الإمام السبكي في تائيته بقوله: وقد عصفت ريح فأخبرت أنها … لموت عظيم في اليهود بطيبة (معالم التنزيل للبغوي ٣٧٠:٨، وتفسير ابن كثير ١٥٨:٤، والسيرة الحلبية ٧٩:٢).
[ ٣٥٣ ]
حدّثه حديثه، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله، وقال ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب المقابل لكم، قد تعلق زمامها بشجرة» فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعا حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم من مجلسه، فقال أنشدكم بالله هل أتى منكم أحد محمدا فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد، قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله، فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه، فاستغفر له رسول الله ﷺ. ويزعمون أنه ابن اللصيت (^١)، ولم يزل - زعموا - يفسل (^٢) حتى مات.
حدثنا إبراهيم، قال محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال: حدثنا عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ وقد سئل عن زيد بن أرقم - فقال: هو الذي يقول النبي صلى الله
_________________
(١) هو زيد بن اللصيت تصغير لصت، ويقال النصيب القينقاعي، من اليهود الذين دخلوا الإسلام نفاقا، وهو الذي قاتل عمر بن الخطاب بسوق بني قينقاع، وزعم بعضهم أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعضهم: لم يزل متهما بشر حتى هلك، وهو قول خارجة ابن زيد بن ثابت حيث أنه أنكر توبته وقال: لم يزل فسلا حتى مات. والفسل: الضعيف الذي لا مروءة له ولا جلد. أو المتهم كما في الرواية الأخرى. (نهاية الأرب ٣٥٨:١٦، ٣٥٩، شرح المواهب للزرقاني ٧٥:٣، السيرة الحلبية ٧٩:٢، أسد الغابة ٢٣٩:٢، مغازي الواقدي ١٠١٠:٣).
(٢) يفسل: كذا في الأصل وانظر التعليق السابق.
[ ٣٥٤ ]
عليه وسلم: هو الذي أوفى الله بأذنه؛ سمع رجلا من المنافقين يقول - والنبي ﷺ يخطب - لئن كان هذا صادقا لنحن شرّ من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فقد والله صدق، ولأنت شر من الحمير، ثم رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ (^١) وكان ما أنزل الله من هذه الآية تصديقا لزيد.
حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جلاّس بن سويد (^٢) قال: لئن كان ما يقول محمد حقّا لنحن شر من الحمير، فقال عمير بن سعد وكان ربيبه في حجره (^٣): والله إن الذي يقول حق، وإنك لشر من الحمار، ورفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فأتاه جلاّس فرد قوله وكذبه وقال: والله ما قلت ذاك ولقد كذب عليّ فأنزل الله «يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ» الآية. قال جلاس: صدق يا رسول الله، لقد قلت ذاك،
_________________
(١) سورة التوبة آية ٧٤.
(٢) في الأصل «جلاس بن عبيد» والتصويب من نهاية الأرب ٣٥٢:١٦، والمغازي للواقدي ١٠٠٣:٣، وأسد الغابة ٢٩١:١، وابن هشام ٢٦٢:٢ وهو جلاس بن سويد بن الصامت بن خالد بن عطية بن خوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، كان منافقا فتاب وحسنت توبته، وقصته مع عمير بن سعد هذا مشهورة في التفاسير.
(٣) في أسد الغابة ٢٩٢:١ «وكانت أم عمير بن سعد تحته، وكان عمير يتيما في حجره لا مال له، وكان يكفله ويحسن إليه، ولم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير، فكان ذلك مما عرفت به توبته».
[ ٣٥٥ ]
وقد عرض الله عليّ التوبة وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت:
وكان حمّل حمالة، أو عليه دين فأداه النبي ﷺ، فذلك قوله «وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» (^١) فقال النبي ﷺ لعمير (وفت أذنك وصدقك ربّك) وقال عمير لجلاس: أم والله لولا أني خشيت أن ينزل فيّ كتاب أو وحي بكتماني عليك لكتمت عليك.
حدثنا ميمون بن الأصبغ قال، حدثنا الحكم بن نافع قال، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد ﵁ أخبره: أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه إكاف (^٢) فوقه قطيفة فدكيّة وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعه بدر، فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبيّ - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشت المجلس عجاجة الدابة خمّر ابن أبي أنفة بردائه، ثم قال: لا تغيروا علينا، فسلم النبي ﷺ عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء إنه (لا أحسن من حديثك (^٣) هذا إن كان حقا) فلا تؤذنا في مجلسنا،
_________________
(١) سورة التوبة آية ٧٤.
(٢) في الأصل «على إكاف» والمثبت عن ابن هشام ٢٢٤:٢ تحقيق محيي الدين، ونهاية الأرب ٣٥٧:١٦.
(٣) في الأصل: «لأحسن مما تقول» والمثبت عن السيرة لابن هشام ٤٢٥:٢ تحقيق محيي الدين، ونهاية الأرب ٣٥٧:١٦.
[ ٣٥٦ ]
ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة:
بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفّضهم حتى سكتوا، ثم ركب دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال (يا سعد ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب) (^١) - يريد عبد الله بن أبيّ - قال كذا وكذا» فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فو الذي نزّل الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة (^٢) على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرفه فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي ﷺ.
وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا» (^٣) الآية، وقال الله «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا» (^٤) وكان النبي ﷺ يتأوّل في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي صلى الله
_________________
(١) في الأصل بلغت هذا لا تسمع إلى ما قال ابن حباب «والإثبات عن مغازي الواقدي ١٧٧:١ - ١٧٩.
(٢) البحرة: مستنقع الماء والبلدة، والعرب تقول لكل قرية: هذه بحرتنا أي بلدتنا (أقرب الموارد ص ٣١).
(٣) سورة آل عمران آية ١٨٦.
(٤) سورة البقرة آية ١٠٩.
[ ٣٥٧ ]
عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل (من) (^١) صناديد كفار قريش قال ابن أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان:
هذا أمر قد توجّه له، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام وأسلموا.
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن القرشي قال، حدثنا الوليد ابن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، وغيره من شيوخ أهل دمشق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: ركب النبي ﷺ يوما حمارا بإكاف عليه قطيفة فدكيّة (^٢) وردفه أسامة بن زيد يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج، فذكر مثله إلى قوله فردّ الله ذلك بالحق الذي أنزل عليك (^٣).
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر ابن عيّاش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في قوله: «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (^٤) قال: أقبل رسول الله ﷺ على حمار له يسير حتى وقف على عبد الله بن أبيّ بن سلول أخي بني الحبلى فراث الحمار فأمسك عبد الله على أنفه فقال: إليك حمارك عن وجه الريح
_________________
(١) الإضافة للسياق.
(٢) في الأصل كلمة لا تقرأ والإثبات عن السيرة لابن هشام ٢٢٤:٢، ونهاية الأرب ٣٥٧:١٦.
(٣) في الأصل: «أنزل عليه» والتصويب عن المرجع السابق.
(٤) سورة الحجرات آية ١
[ ٣٥٨ ]
هكذا، فو الله لقد أنتنتني. فقال عبد الله بن رواحة: ألحمار رسول الله ﷺ تقول هذا؟ فو الله لهو أطيب عرضا (^١) منك قال: ألي تقول هذا يا ابن رواحة؟ فقال: إي والله، ومن أبيك. فلم يزل الأمر بينهما حتى جاءت عشيرة هذا وعشيرة هذا، فكان بينهم وحي (^٢) باللطام والنعال فأراد رسول الله ﷺ أن يحجز بينهم حتى نزلت: «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا» إلى قوله «حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (^٣) فلما نزلت عرفوا أنها الهاجرة، فكفوا، وأقبل بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير - وكان من رهط ابن رواحة - متقلّد السيف، فلما انتهي إلى القوم وقد تحاجزوا قال: أين أبيّ يا ابن أبي سعد أعليّ تحمل السيف؟ فقال: والله لو أدركتكم قبل الصلح لضربتك به.
حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، أخبرني عروة ابن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: غزونا مع رسول الله ﷺ وناب (^٤) ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان رجل من المهاجرين لعّابا فكسع (^٥) أنصاريا، فغضب الأنصار غضبا شديدا حتى تداعوا، فقال الأنصاري: يا للأنصار
_________________
(١) العرض: النفس وقيل الجلد (أقرب الموارد).
(٢) الوحي: كل ما ألقيته إلى غيرك، وكذا الصوت يكون في الناس وغيرهم (تاج العروس ٣٨٥:١٠).
(٣) سورة الحجرات آية ٩.
(٤) ناب: يعني أقبل (لسان العرب «نوب»).
(٥) الكسع: أن تضرب بيدك أو برجلك على دبر إنسان أو شيء ما، وفي حديث زيد بن أرقم: أن رجلا كسع رجلا من الأنصار أي ضرب دبره بيده (لسان العرب ١٨٤:١٠).
[ ٣٥٩ ]
يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين يا للمهاجرين، فقال النبي ﷺ: «ما بال دعوة الجاهلية فقال: ما شأنهم» فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال «دعوها فإنها خبيثة (^١) فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: قد تداعوا، إن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فقال عمر: يا نبي الله ألا تقتل هذا الخبيث؟ فقال النبي ﷺ «لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه» (^٢).
وقد أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر ﵁ يذكر هذا، وزاد فيه «يا معشر المهاجرين قد ابتلي بكم الأنصار ففعلوا ما قد علمتم، فآووا ونصروا، وأنتم مبتلون بهم فانظروا كيف تفعلون».
حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال عبد الله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فحلف عبد الله بن أبيّ أنه لم يكن شيء من ذلك.
فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فقمت كئيبا أو حزينا، فأرسل إليّ نبي الله ﷺ أو فأتيت رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله ﷿ قد أنزل عذرك
_________________
(١) في أسد الغابة ٣٠٩:١ وكذا في تفسير ابن كثير ٣٦٨:٨ «قال: دعوها فإنها منتنة».
(٢) انظر الخبر في السيرة الحلبية ٧٧:٢ وتفسير ابن كثير ٣٦٨:٨، ومعالم التنزيل ٣٦٧:٨.
[ ٣٦٠ ]
وصدّقك» قال فنزلت هذه الآية «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا» إلى قوله «مِنْهَا الْأَذَلَّ» (^١).
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا شجاع بن الوليد، عن زهير، عن ابن إسحاق، عن زيد بن أرقم ﵁: أنه سمعه يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدّة، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: «لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ، لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل.
فقالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ، فوقع في نفسي ممّا قالوا شدة حتى أنزل الله ﵎ يصدقني في «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ» (^٢) قال: ووافاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. وقوله: «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» (^٣) قالوا: كانوا رجالا أجمل شيء.
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة في قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ» (^٤) قال: نزلت في عبد الله ابن أبيّ بن سلول؛ أن غلاما (^٥) من قرابته انطلق إلى نبيّ الله صلى الله
_________________
(١) سورة المنافقون الآيتان ٧، ٨.
(٢) سورة المنافقون آية ١.
(٣) سورة المنافقون آية ٤٠.
(٤) سورة المنافقون آية ٦.
(٥) في معالم التنزيل للبغوي ٣٦٧:٨ وتفسير ابن كثير ٣٦٨:٨: أن هذا
[ ٣٦١ ]
عليه وسلم بحديث وتكذيب عنه شديد، فدعاه نبيّ الله ﷺ فإذا هو يحلف ويبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على الغلام فلاموه وعزّروه (^١)، فقيل لعبد الله: لو أتيت رسول الله ﷺ استغفر لك، فجعل يلوي رأسه ويقول: لست فاعلا، وكذب عليّ. فأنزل الله ما تسمعون: «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا» إلى قوله «لا يَفْقَهُونَ» (^٢) قال:
هذا قوله لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يدعوه، فإنكم لولا أنتم تنفقون عليهم لتركوه ورحلوا عنه.
حدثنا عفان قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير قال: نزل رسول الله ﷺ منزلا على منقلة أو منقلتين فأقبل رجلان، رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، جهجاه (^٣) بن قيس الغفاري، وسنان بن وبرة الجهني حليف بني الخزرج، قال فظهر الله جهجاه (^٤) على الجهني، وكان لعمر بن
_________________
(١) =الغلام هو زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاري، وفي رواية أخرى عند ابن كثير ٣٧٠:٨ عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر موسى ابن عقبة في مغازيه: أن الذي بلغ رسول الله ﷺ كلام عبد الله بن أبي ابن سلول إنما هو أوس بن أقرم من بني الحارث بن الخزرج فلعله مبلغ آخر، أو تصحيف من جهة السمع. والله أعلم.
(٢) في تفسير ابن كثير ٣٦٦:٨ «وأقبلت الأنصار على الغلام فلاموه وعزلوه».
(٣) سورة المنافقون آية ٧.
(٤) في الأصل «جهجاه الجهني وسنان بن أبير» والمثبت عن أسد الغابة ٣٠٩:١، ٣٥٩:٢، والبداية والنهاية ١٥٧:٤، والإصابة لابن حجر ٢٥٤:١، ٨٣:٢ وسيصير تصويب أبير في المواطن مستقبلا دون الإشارة إلى ذلك.
(٥) وفي تفسير ابن كثير ٣٦٦:٨ في قصة غزوة بني المصطلق «فبينما رسول الله ﷺ مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري - وكان أجيرا
[ ٣٦٢ ]
الخطاب ﵁ عسيف (^١) إذا نزل القوم انطلق يخنّس (^٢) لفرسه فانطلق العسيف فوجدهما يقتتلان، قال وظهر عليه جهجاه، فاستصرخ ابن وبرة بقومه حتى نادوا: يا أبا الحباب - لعبد الله بن أبي -، فجاء عبد الله بن أبيّ وقد أخذ بيد الرجلين - فنظر في وجوه القوم فلم ير إلا قومه فقال: هنيئا لكم يا آل الأوس، ضممتم إليكم سرّاق الحجيج من مزينة وغفار، يأكلون ثماركم ويقهرونكم في دياركم، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، ولنمسكنّ بأيدينا عن أثمارنا حتى يجوعوا فينفضوا من حول صاحبهم، قال: فرجع عسيف عمر ولم يخنّس لفرسه، فقال له عمر ﵁: ما شأنك لم تخنّس لفرسي؟ قال: العجب، مررت بجهجاه وابن وبرة يقتتلان فظهر عليه جهجاه، فاستصرخ ابن وبرة بقومه، فجاء ابن أبيّ وقد أخذ بين الرجلين، فنظر في وجوه القوم فلم ير إلا قومه، فقال: هنيئا لكم يا آل الأوس، ضممتم إليكم سرّاق المخيّم من مزينة وغفار؛ يأكلون ثماركم ويقهرونكم في دياركم، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ولنمسكن
_________________
(١) =لعمر بن الخطاب - وسنان بن يزيد، وفي معالم التنزيل للبغوي ٣٦٦:٨ فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين … الحديث.
(٢) العسيف: الأجير، وقيل المملوك المستهان به، والجمع عسفاء (أقرب الموارد).
(٣) فرس خنوس: هو الذي يعدل في حضره ذات اليمين وذات الشمال، وفي اللسان يستقيم في حضره ثم يخنس كأنه يرجع القهقرى. وكأن المراد يعد له في مربطه وحضره. (تاج العروس ١٤٣:٤ واللسان).
[ ٣٦٣ ]
بأيدينا من ثمارها حتى يجوعوا فينفضّوا من حول صاحبهم، قال: قد سمعت. قال: فاندفع عمر ﵁ من مكانه إلى رسول الله ﷺ، وكان إذا نزل بهم منزلا صلّى بهم صلاة المغرب لم يرتحل منه حتى يصلي بهم صلاة العشاء الآخرة، قال: فاستأذن عمر ﵁ وكان ممن يتوسد رداءه مكانه أو ذراعه حتى يصلّي صلاة العشاء الآخرة، فاستأذن عمر ﵁ فقال رسول الله ﷺ «ادعه» وقال يا رسول الله، إن لي عسيفا أبعثه يخنّس لفرسي إذا نزل القوم، وإنه انطلق يخنّس فوجد جهجاه وابن وبرة يقتتلان، فقصّ عليه القصة وما قال ابن أبيّ: فقال رسول الله ﷺ: «أو قد قيلت» فأمر فنودي في الناس بالرّحيل، فارتحلوا حتى قدموا المدينة، وتحدث الناس: لم يرحّل رسول الله ﷺ عن مرتحله الذي كان يرتحل إلا شيء خافه أو شيء أتاه. فأراد أن ينتهزه. قال - حتى أصبح الناس وهم يتحدثون بحديثه، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك من قول الناس، فقام فخطب فقال: «إنما عاقنا عن مرتحلنا الذي كنا نرحل له قول رجل منكم - عبد الله بن أبيّ - قال كذا وكذا» قال فوثب ورقة فقال: يا رسول الله ما أظعنك عن مرتحلك الذي كنت ترتحل إلا قول رجل منا؟ فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك أوّله من رأسه أضعه بين يديك، قال: وقد كان ورقة ابن عمّ لعبد الله فقال: فأبى ذلك رسول الله ﷺ، وقال «لا أحلّ»، ولكن انطلقوا فأتوني به» قال: فاندفعوا حتى دخلوا على ابن أبيّ قالوا: يا ابن أبيّ، إن رسول الله ﷺ بلغه عنك قول
[ ٣٦٤ ]
فوجد عليك في نفسه، فإذا أنت أتيته فاعتذر إليه مما قلت، ومره فليستغفر لك، فإنك ستجده رحيما، قال: وما بي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم، وأنفق معكم إذا أنفقتم؟ فخرج معهم إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون له ذلك وهو يلوي رأسه إلى أصحابه جنبيه، ويقول: مالي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم وأنفق معكم إذا أنفقتم؟ حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو كذلك، فقال له رسول الله ﷺ: «يا ابن أبيّ، أنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، أفأنت أعزّ مني؟» قال: يا رسول الله، بل أنت أعز وأكرم، ما ركبنا حتى ركبت وما قاتلنا حتى كنت أوّل. قال «فأنت الذي تقول لنمسكنّ ما بأيدينا من ثمرنا حتى يجوعوا فينفضّوا عن صاحبهم؟ أي أنك تنفق علينا؟» قال: والذي تحلف به ما قلت. ونزلت:
«إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» إلى قوله: «وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (^١).
حدثنا حارثة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال: يا رسول الله أقتل أبي؟ فقال ﷺ: «لا تقتل أباك».
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة في قوله: «لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» (^٢)
_________________
(١) سورة المنافقون الآيات من ١ - ٨.
(٢) سورة المنافقون آية ٨.
[ ٣٦٥ ]
قال: قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا: أحدهما غفاريّ والآخر جهنيّ، فظهر الغفاريّ على الجهنيّ، وكان بين جهينة والأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين؛ وهو عبد الله بن أبيّ:
يا بني الأوس يا بني الخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم. ثم قال:
والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فسعى بها بعضهم إلى رسول الله ﷺ، فقال عمر ﵁:
يا نبيّ الله، مر معاذا يضرب عنق هذا المنافق، فقال «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».
حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا عقبة بن أبي الصهباء قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: كان النبي ﷺ، معتكرا (^١)، وكان بين رجل من الأنصار وبين رجل من قريش كلام حتى اشتد بينهما، واجتمع إلى كل واحد منهما ناس من أصحابه، فبلغ عبد الله بن أبيّ فنادى: غلبني على قومي من لا قوم له، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب ﵁ فأخذ سيفه ثم خرج يسعى، ثم ذكر هذه الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ» (^٢) ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: «ما لك يا عمر: كأنك مغضب؟» فقال: لا، إلا أن هذا المنافق ينادي: غلبني على قومي من لا قوم له، لئن رجعنا إلى المدينة
_________________
(١) معتكرا: أي منصرفا (اللسان، تاج العروس «عكر»).
(٢) سورة الحجرات آية ١.
[ ٣٦٦ ]
ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فقال له النبي ﷺ:
«فأردت ماذا يا عمر؟» قال: أردت أن أعلوه بسيفي حتى يسكت.
قال لا تفعل ولكن ناد في الناس بالرحيل». قال: ترحلوا وسيروا.
حتى إذا كان بينه وبين المدينة يوم تعجّل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، وجاء الناس يدخلون وتشعّبوا في الطريق حتى جاء عبد الله بن أبيّ فقال له ابنه: لا والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، وتعلم اليوم من الأعزّ من الأذلّ، فقال له: أنت من بين الناس؟ فقال: نعم أنا من بين الناس. فانصرف عبد الله حتى لقي رسول الله ﷺ فاشتكى إليه ما صنع به ابنه، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابنه أن خلّ عنه، فدخل فلبث ما شاء الله أن يلبث.
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني ثابت بن عمرو الأنصاري: أنه أسر رجل يوم بدر من قريش وهو كافر، فكان أسيرا عند عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان عبد الله كافرا ثم أسلم فنافق، فطفق ذلك الأسير يريد وليدة مسلمة تسمّى معاذة لعبد الله بن أبيّ فتمتنع الوليدة - من أجل إسلامها - من الأسير القرشي، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ضربها ليكرهها على البغاء رجاء أن تحمل من القرشيّ رغبة في فداء ولده، فأنزل الله ﷿: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (^١) الآية.
حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زكريا، عن عامر قال: التي
_________________
(١) سورة النور آية ٣٣.
[ ٣٦٧ ]
جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي قال الله:
«وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا» (^١) قال كانت أمة لعبد الله بن أبيّ المنافق، فكان يكرهها على البغاء، فكانت التوبة لها دونه.
حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن عامر في التي جادلت في زوجها: خولة بنت حكيم، وأمها معاذة؛ وكانت أمة لعبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان يكرهها على البغاء، وكانت التوبة لها دونه خاصة، يعني: «فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (^٢).
حدثنا أبيّ بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت مسلمة جارية (^٣) لعبد الله بن أبيّ، وكان يكرهها على البغاء، فقالت: إن كان خيرا فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فقد آن لي أن أدعه، فنزلت: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (^٤).
حدثنا حبّان قال، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمر بن ثابت قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبيّ، وكانت مسلمة، فكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (^٥) الآية.
حدثنا حبّان قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، سمعت الأعمش قال، حدثني أبو سفيان، عن جابر ﵁ في قوله:
_________________
(١) سورة النور آية ٣٣.
(٢) سورة النور آية ٣٣.
(٣) سورة النور آية ٣٣.
(٤) سورة النور آية ٣٣.
(٥) كذا في الأصل. وفي أسد الغابة ٥٤٦:٥، والإصابة ٣٩٤:٤ «مسيكة» وانظر قصتها وقصة معاذة بنفس المصادر والإضافة عنها
[ ٣٦٨ ]
«وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الزنا، فأنزل الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (^١)، هكذا يقرؤها.