حدثنا عثمان بن فارس قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان (النّصري) (^١): أن عمر بن الخطاب ﵁ دعاه يوما بعد ما ارتفع النهار، قال: فدخلت عليه وهو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبين الرمال فراش، على وسادة أدم، فقال: يا مالك، إنه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة، وقد أمرت لهم برضخ (^٢) فاقتسمه بينهم. فقلت:
يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقسمه أيها المرء. قال:
وبينهما نحن على ذلك، إذ دخل يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم،
_________________
(١) الإضافة عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٢١٢:٣ تحقيق أحمد شاكر. وفيه عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري مع تقديم وتأخير في متنه.
(٢) الرّضخ: العطاء ليس بالكثير.
[ ٢٠٢ ]
قال: فلبث قليلا ثم قال: هل لك في علي والعباس يستأذنان؟ قال، نعم فأذن لهما، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا - يعني عليّا - وهما يختصمان في الصوافي (^١) التي أفاء الله على رسوله من أموال (^٢) بني النضير، فاستبّ عليّ والعباس عند عمر، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر ﵁: أنشدكما الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يعني نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال:
أنشدكما الله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله اختص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، قال الله ﷿: «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٣) فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ، فما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله (نفقة) (^٤) سنتهم، ثم يأخذه
_________________
(١) في مسند الإمام ٢١٢:٣ «الصواف» وحذف الياء في مثل هذا جائز. والصوافي: قال ابن الأثير «هي الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، واحدتها صافية.
(٢) في الأصل «الموالي» والمثبت عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٢١٢:٣.
(٣) سورة الحشر آية رقم ٦
(٤) الإضافة عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٢١٢:٣ تحقيق شاكر.
[ ٢٠٣ ]
فيجعله مجعل مال الله، فعمل ذلك حياته. ثم توفّي، فقال أبو بكر ﵁: أنا وليّ رسول الله ﷺ، وقد عمل فيها بما عمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ، وأنتما حيّين - وأقبل على (عليّ) والعباس ﵄ تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفّى الله أبا بكر ﵁، فقلت: أنا أولى الناس برسول الله ﷺ وبأبي بكر ﵁، فقبضتها سنتين - أو سنين - من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ، وبمثل ما عمل فيها أبو بكر ﵁، وأقبل على عليّ والعباس ﵄، فتزعمان أني فيهما ظالم فاجر، والله يعلم أني لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني - يعني العباس - تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يعني عليّا - يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما أن أدفعه إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملانّ فيها على ما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وما علمت به وإلا فلا تكلمان، فقلتما:
ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟، والله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ، فأنا أكفيكماها.
[ ٢٠٤ ]
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، عبد الله بن المبارك قال، حدثني يونس، عن الزهري قال، حدثنا مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه، قال: فذكرته لعروة قال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة ﵂ تقول: أرسل أزواج النبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى أبي بكر ﵁ يسأل لهن ميراثهنّ مما أفاء الله على رسوله، حتي كنت أنا رددتهن عن ذلك، فقلت: ألا تتقين الله؟ ألم تعلمن أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا نورث، فما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»؟ فانتهى أزواج رسول الله ﷺ إلى ما أمرتهنّ.
حدثنا ابن أبي الوزير، قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بعث إلىّ عمر ﵁، فأتيته فوجدته جالسا على رمال، فقال: يا مالك، إنه قد دفّ على دواف (^١) من قومك، فخذ هذا المال فأقسمه بينهم، فقلت: لو أمرت بذلك غيري: فقال: خذه أيها الرجل، فقال: فبينما أنا عنده إذا يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد - قال سفيان:
خمسة أو أربعة - فقال: ائذن لهم. فلم يلبث أن أتاه فقال:
هل لك في علي وعباس؟ فقال: ائذن لهما، فدخلا، فقال القوم:
يا أمير المؤمنين افصل بينهما وارحمهما، فقال: إن أموال بني
_________________
(١) الدواف: جمع دافة للجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد سائرة سيرا لينا (المحيط).
[ ٢٠٥ ]
النضير كانت مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان ينفق على أهله منه نفقة سنته، وما بقي منه جعله عدة في سبيل الله، في السلاح والكراع (^١).
حدثنا ابن أبي شيبة، قال، حدثنا ابن عابد، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: جاء العباس وعليّ ﵄ إلى عمر ﵁ يختصمان، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا، لكذا وكذا، فقال الناس:
افصل بينهما، افصل بينهما، فقال: لا أفصل بينهما؛ قد علما أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» (^٢).
حدثنا سعيد، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري قال:
جاء العباس وعليّ ﵄ إلى عمر ﵁ وهما يختصمان فقال عمر ﵁ لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: أنشدكم الله، أسمعتم النبي ﷺ يقول: «كل مال (^٣) نبيّ فهو صدقة إلا ما أطعمه أهلنا، إنّا لا نورث»؟ قالوا: نعم. قال:
فكان رسول الله ﷺ يتصدق به ويضع فضله في أهله ما كان رسول الله ﷺ يضع، وأنتما تقولان: إنه كان بذلك خاطئا وكان بذلك ظالما! وكان بذلك مصيبا راشدا.
ثم توفّي أبو بكر ﵁ فقلت لكما: إن شئتما قبلتماه على
_________________
(١) ورد الحديث بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣١٢:٣ مع زيادة فيه، وورد أيضا في مسند الإمام الشافعي بهامش الجزء السادس من كتاب الأم ص ٢٤٩.
(٢) ورد بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣، ص ٤، ٧٥، ١٢٥.
(٣) تحريف في الأصل والتصويب عن تاريخ الخميس ١٧٤:٢.
[ ٢٠٦ ]
عمل رسول الله ﷺ وعهده الذي عهد فيه، فأبيتما، ثم جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي!! والله لا أقضي بينكما إلا بذاك.
حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، سمعت أبا الضرير قال: سمعت حديثا من رجل فأعجبني، فاشتهيت أن أكتبه فقلت: اكتبه لي، فأتى به مكتوبا مدثّرا فذكر نحو حديث يحيى بن جبير، قال: لما توفي أبو بكر ﵁:
أرسلت إليكما وأنتما لا تختصمان فقلت لكما.
حدثنا محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن أزواج النّبي ﷺ أرسلن عثمان ﵁ إلى أبي بكر ﵁، فذكر الحديث، قال عروة: وكانت فاطمة ﵂ سألت أبا بكر ﵁ ميراثها مما ترك النّبي ﷺ فقال لها: بأبي أنت وأمي، وبأبي أبوك وأمي ونفسي، إن كنت سمعت من رسول الله ﷺ شيئا أو أمرك بشيء لم أتبع غير ما تقولين وأعطيتك ما تبغين، وإلاّ فإني أتبع ما أمر به، قال:
فأما صدقة رسول الله ﷺ بالمدينة، فدفعها عمر بن الخطاب ﵁ إلى العباس وعليّ ﵄، فغلبه عليّ ﵁ عليها. وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ﵁، وهما صدقتا النبي ﷺ كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، فأمرهما إليّ وإليّ الأمر، وهما على ذلك.
[ ٢٠٧ ]
حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان يحبس قوت سنة، ثم يجعل ما فضل بعد ذلك في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله (^١).
حدثنا محمد بن يحيى قال (^٢)، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله الأنصاري، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: سمعت عمر ﵁ يقول للعباس وعليّ وعبد الرحمن بن عوف والزّبير وطلحة: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث معشر الأنبياء، ما تركنا صدقة»؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان يدّخر قيتة أهله لسنة من صدقاته، ثم يجعل ما بقي في بيت المال؟ قالوا: اللهمّ نعم. قال: فلمّا توفي رسول الله ﷺ قبضها أبو بكر ﵁، فجئت، يا عبّاس، تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجئت، يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها، فزعمتما أن أبا بكر ﵁ كان فيها خائنا فاجرا، والله يعلم
_________________
(١) ورد هذا الحديث بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٢٢٨:١ عن سفيان عن عمرو ومعمر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب، وورد أيضا بمعناه في ٣٠١:١ عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس مرسلا إلى عمر.
(٢) ورد بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ١٨٧:١ عن أبي عوانه عن عاصم ابن كليب وكذا في ص ٣٤٢ عن عبد الرزاق عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان.
[ ٢٠٨ ]
لقد كان برّا مطيعا تابعا للحق، ثم توفي أبو بكر ﵁ فقبضتها، فجئتماني، تطلب ميراثك، يا عباس، من ابن أخيك، وتطلب ميراث زوجتك، يا علي، من أبيها، وزعمتما أني فيها غادر، فاجر، والله يعلم أني فيها برّ مطيع تابع للحق، فأصلحا أمركما، وإلا لم يرجع والله إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة.
قال أبو غسان، فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر، عن ابن شهاب، عن مالك، بنحوه - قال في آخره: فغلبه عليّ ﵁ عليها، فكانت بيد عليّ ﵁، ثم كانت بيد الحسن، ثم الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم حسن بن حسن، ثم بيد زيد بن حسن، رضوان الله عليهم.
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا صدقة بن عمرو، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس بن مالك ﵁:
أن فاطمة ﵂ أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الذي طلقنا عنه من الصدقات أهل البيت، وما أفاء الله علينا من الغنائم، ثم في القرآن من حقّ ذي القربى - ثم قرأت عليه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ» (^١) إلى تمام الآية والآية التي بعدها:
«ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» إلى قوله: «وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» (^٢). فقال لها أبو بكر ﵁: بأبي أنت
_________________
(١) سورة الأنفال آية ٤١.
(٢) سورة الحشر الآيتان ٦، ٧.
[ ٢٠٩ ]
وأمّي ووالد ولدك، وعلى السّمع والبصر كتاب الله وحقّ رسول الله ﷺ وحقّ قرابته، وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرئين ولم يبلغ علمي فيه أن الذي قرأ رسول الله ﷺ هذا هذا السّهم كله من الخمس يجري بجماعته عليهم. قالت: أفلك هو ولأقربائك؟ قال: لا، وأنت عندي أمينة مصدّقة، فإن كان رسول الله ﷺ عهد إليك في ذلك عهدا، أو وعدك موعدا أوجب لك حقّا صدّقتك وسلّمته إليك. قالت: لم يعهد إليّ في ذلك بشيء إلا ما أنزل الله ﵎ فيه القرآن، أن رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ذلك فقال: «أبشروا آل محمد، فقد جاءكم الغنى» قال أبو بكر ﵁ صدقت فلكم الغنى، ولم يبلغ علمي فيه ولا هذه الآية إلى أن يسلّم هذا السهم كله كاملا، ولكن الغنى الذي يغنيكم ويفضل عنكم، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما فاسأليهم عن ذلك، فانظري هل هل يوافق على ذلك أحد منهم؟ فانصرفت إلى عمر ﵁، فذكرت له مثل الذي ذكرت لأبي بكر بقصته وحدوده، فقال لها مثل الذي كان (^١) راجعها به أبو بكر ﵁، فعجبت فاطمة، وظنّت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش - عن محمد بن السائب، عن أبي صالح مولى أمّ هانئ عن فاطمة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ بعد ما استخلف. فقلت: يا أبا بكر، أرأيت
_________________
(١) في الأصل «فقال لها مثل الذي قال «وما أثبت هو الصواب».
[ ٢١٠ ]
إن متّ اليوم من كان يرثك؟ قال: ولدي وأهلي. قلت: فلم ترث رسول الله ﷺ دون ولده وأهله؟ قال: ما فعلت، بنت رسول الله ﷺ. قلت: بلى، عمدت إلى فدك - وكانت صافية لرسول الله ﷺ فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل من السماء فرفعته هنا. قال: بنت رسول الله لم أفعل؛ حدثني رسول الله ﷺ: أن الله ﵎ يطعم النّبيّ الطّعمة ما كان حيّا، فإذا قبضه الله رفعت، قلت: أنت ورسول الله أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا (^١).
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثني الوليد قال، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر ﵄ على فدك وسهم ذي القربى فأبى عليها، وجعله في مال الله، وأعطى فاطمة ﵂ نخلا يقال له: الأعواف (^٢) مما كان لرسول الله ﷺ.
حدثنا أحمد بن إبراهيم قال، حدثنا عباد بن العوام قال، حدثنا هلال بن خبّاب،، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: مات - والله - رسول الله ﷺ ولم يترك دينارا
_________________
(١) ورد بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ١٦٠:١ عن عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة عن محمد بن الفضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل، وكذا بمعناه في ١٧٩:١ عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة.
(٢) الأعواف: في الأصل «العاف» والتصويب عن وفاء الوفا ١٥٣:٢ ط. الآداب، والأعواف كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة، وصارت إحدى صدقات النبي ﷺ وآباره (وفاء الوفا ١١٢٨:٤ محيي الدين).
[ ٢١١ ]
ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، ترك درعه التي كان يقاتل فيها رهنا (^١).
حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة (^٢) قال، حدثنا سلام أبو المنذر قال، حدثنا عبد الملك بن أيوب النميري، ودفع إلىّ صحيفة زعم أنها رسالة عمر بن عبد العزيز؛ كتب بها إلى رجل من قريش: «أمّا بعد، فإن الله ﵎ أنزل القرآن على محمد هدى وبصائر لقوم يؤمنون، فشرع الهدى ونهج السبيل، وصرّف القول، وبين ما يؤتى مما ينال به رضوانه وينتهى به عن معصيته، وأحلّ حلاله وحرم حرامه، فجعله ضيّقا مرغوبا عنه مسخوطا على أهله، وجعل ما أحلّ من الغنائم، وبسط لهم منها ولم يحظره عليهم كما ابتلى به أهل النبوّة والكتاب من قبلهم، فكان من ذلك ما نفّل نبي الله ﷺ خاصة مما غنمه من أموال قريظة والنّضير،
_________________
(١) روى هذا الحديث في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٢٥٥:٤ عن عفان عن ثابت عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس. وجاء فيه «أن النبي ﷺ التفت إلى أحد فقال: والذي نفس محمد بيده، ما يسرني أن أحدا يحول لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أعدهما لدين إن كان، فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا ليدة. وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير. وكذا في ٢٦٢:٤ من المسند عن عبد الصمد عن ثابت عن هلال عن عكرمة عن ابن عباس بنصه ومعناه. وانظر أيضا ٣٥٥:٣، ١٣٧:٥ حيث ورد فيهما بمعناه أيضا عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس.
(٢) هو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر التيمي أبو عبد الرحمن البصري، ابن عائشة، ويقال له العيشي أو العائشي نسبة إلى عائشة بنت طلحة، كان أحد الأجواد الأشراف. قال أبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: كان عالما بالعربية وأيام الناس، رأى جنازته أبو يحيى الساجي سنة ثمان وعشرين ومائتين (الخلاصة للخزرجي ٢١٤ ط. الخيرية).
[ ٢١٢ ]
إذ يقول حميد: هو: «وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» حتى بلغ:
«وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١) فكانت تلك الأموال خالصة لرسول الله ﷺ لم يجب لأحد فيها خمس ولا مغنم، إذ تولّى رسول الله أمرها على ما يلهمه الله من ذلك ويأذن له به، لم يضربها رسول الله ﷺ، ولم يحزها لنفسه ولا أقربائه، ولكنه آثر بأوسعها وأعمرها وأكثرها نزلا أهل العدم من المهاجرين «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ»، وقسم طوائف منها في أهل «الحاجة» (^٢) من الأنصار، واحتبس منها فريقا لنوائبه وحقه وما يعروه غير معتقد لشيء من ذلك ولا مستأثر به ولا بموته أن يؤثر به أحدا، ثم جعله صدقة لا تراث لأحد فيه، زهادة في الدنيا ومحقرة لها، وإيثارا لما عند الله، فهذا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وأما الآية التي في تفسيرها اختلاف في قول الفقهاء قول الله: «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى» إلى قوله: «وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» (^٣)، ثم أخبر بعد ذلك لهن ذلك، فوصفهم وسماهم ليكون ذلك فيهم وفيمن بعدهم، لا يكون ذلك إلا لهم وفيهم، فأما قوله: «فَلِلّهِ» (^٤) فإن الله ﵎ غني عن الدنيا وأهلها وما فيها
_________________
(١) سورة الحشر آية ٦.
(٢) في الأصل «أهل الجاهلية» والمثبت عن معالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير ابن كثير ٢٨٧:٨ وقد حصرهم المصنف في أبي دجانة، وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة.
(٣) سورة الحشر آية ٧.
(٤) إضافة يقتضيها السياق.
[ ٢١٣ ]
وله ذلك كلّه ولكنه يقول لله في سبله التي أمر بها. وأما قوله:
«وَلِلرَّسُولِ» فإن رسول الله ﷺ لم يأخذ من المغنم إلا كحظّ الرجل الواحد من المسلمين، ولكنه يقول: لرسول الله قسمه والعمل به والحكم فيه. وأما قوله: «وَلِذِي الْقُرْبى» فقد ظن ناس أن لذي القربى سهما مفروضا يبينه الله كما بيّن سهام المواريث من النصف والربع والثمن والسدس، ولما خص حظّهم من ذلك غنى ولا فقر ولا صلاح ولا جهل ولا قلة عدد ولا كثرة، ولكن رسول الله ﷺ قد بين لهم شيئا من ذلك مما أفاء الله عليهم من العطاء والسبي والعرض والصامت (^١)، ولكن لم يكن في ذلك سهم مفروض حتي قبض الله نبيّه، غير أنه قد قسم لهم ولنسائه يوم خيبر قسما لم يعمهم عامتهم، ولم يخص به قريبا دون من هو أحوج منه، ولقد كان يومئذ ممن أعطى من هو أبعد قرابة لمّا شكوا إليه من الحاجة، لمن كان منهم ومن قومهم في حياته، ولو كان ذلك مفروضا لم يقطعه عنهم أبو بكر ولا عمر ﵄، وبعد ما وسع ركنه - ولا أبو حسن - يعني عليّا - حين ملك ما ملك. ولم يكن عليه فيه قائل، فهلا أعلمتم من ذلك أمرا يعمل به فيهم ويعرف لهم بعد؟ ولو كان ذلك مفروضا لم يقل الله: «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» ولكنه يقول: لذي القربى بحقهم، وقرابتهم في الحاجة، والحق النازل اللازم، وكحق المسكين في مسكنه، فإذا استغنى فلا (^٢) حق له، وكحق ابن السبيل في سفره وضرورته،
_________________
(١) الصامت - من المال هو: الذهب والفضة (أقرب الموارد).
(٢) في الأصل «من لا حق له» والمثبت يستقيم به السياق.
[ ٢١٤ ]
فإذا أصاب غنى فلا حق له ويرد ذلك على (ذوي) (^١) الحاجة، لم يكن رسول الله وصالح الذين اتّبعوه ليقطعوا سهما فرضه الله وجنّبه رسول الله ﷺ لقربى نبيّه ﷺ، لا يؤتونهم إيّاه، ولا يقومون بحق الله لهم فيه، كما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحكام القرآن، فقد أمضوا عطايا في أفناء الناس وإن بعضهم على غير الإسلام.
وأما الخمس، فإنها بمنزلة المغنم إلاّ أن الله وسّع لنبيّه أن يوسّع على ذوي القرابة في مواضع قد سمّى له بغير سهم مفروض، فقد أفاء الله سبيا فأخدم فيه ناسا وترك ابنته، وكلها إلى ذكر الله والتسبيح، فلا أعظم منها حقا وقرابة، ولو قسم هذا الخمس والمغنم على قول من يقول هذا القول، لكان ذلك حيفا على المسلمين، واغترافا لما في أيديهم، ولا يقبل قسم ذلك فيمن يدّعي فيه الولاية والقرابة والنسب، ولا دخلت فيه سهمان العصبيّة والنساء وأمهات الأولاد، ولدى من تفقّه في الدين أن ذلك غير موافق لكتاب الله، قال الله لنبيه: «قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ» (^٢)، وقال:
«قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» (^٣)، ومع قول الأنبياء صلوات الله عليهم لأممهم قبل ذلك، وما كان رسول الله ﷺ ليدع سهما فرضه الله لنفسه ولأقربائه لآخر الناس، ولا لخلوف بعده، فقد سئل نساء بني سعد بن بكر (^٤)، فتحلّل
_________________
(١) في الأصل «على الحاجة» والإضافة يستقيم بها السياق.
(٢) سورة سبأ آية ٤٧.
(٣) سورة ص آية ٨٦.
(٤) في الأصل «فقد سأل نساء بني سعد بن بكير» والتصويب عن نهاية الأرب ٣٤١:١٧.
[ ٢١٥ ]
المسلمين من سباياهم، فقد كانوا فيئا، ففكّهم النّبي ﷺ وأطلقهم، لما ولوا من الرّضاعة، بغير سهم مفروض، وقال يومئذ، وهو يسأل من أنعامهم، وتعلق رداؤه بشجرة: ردّوا عليّ ردائي، فلو كان لكم مثل عدد سمرها (^١) نعما لقسمته بينكم، وما أنا بأحقّ بهذا الفيء منكم بهذه الوبرة آخذها من كاهل البعير»، ففي هذا بيان عن مواضع الفيء ووصيّة رسول الله.
فأما الصدقات فإنه جعلها زكاة وطهورا لعباده، ليعلم بذلك صبرهم وإيمانهم بما فرض عليهم، فنادي به إلى نبيه فقال: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها» (^٢)، ولم يقل: خذها لنفسك ولقرباك، مع أن الصدقة لا تحلّ لنبيّ ولا أهل بيته، ولا حق فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب. قال: فقال الله: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها» إلى قوله: «وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (^٣) فهذه مواضع الصدقات، حيوانها وثمارها وصامتها. ثم فرض الله وسنّ نبيّه ﷺ، وكتب فيها إلى الآفاق، وجمع بينها وبين الصلاة فقال أبو بكر بن أبي قحافة ﵁ وقد قال مرتد والعرب: نقيم الصّلاة ولا نؤتي الزكاة -: لا أفرق بين ما جمع الله بينه، ولأقاتلنّ من فرّق بينهما طيّبة بذلك نفسي. وما لأحد أن يتخيّر وأن يتحكّم فيما نطق به كتاب الله. مع أنه قد تألف النّبيّ ﷺ يوم حنين رؤساء من رؤساء العرب، فقال العباس بن مرداس في ذلك ما قال، فرأى رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) السمر - شجر من العضاه (اللسان).
(٢) سورة التوبة آية ١٠٣.
(٣) سورة التوبة آية ٦٠.
[ ٢١٦ ]
وسلم أنه قال: «الله يفرغ بعضه في حوض بعض، ويسد بعضه مكان بعض. وما سهمان الصدقة إلاّ في مواضع الحاجة فيمن سمّى الله ووصف، لو لم يكن أهل ذلك يستوجبونه إلا من صنف واحد، لم يكن على ولي الأمر أن يصرفه عنهم إلى غيرهم، ولا يحل له أن أن يعطي أحدا لشرفه ولا لغناء ولا لدلّة، وأولى الناس بها ممن قبضت عنه الصدقة، يعلمه من تفقّه في الدين وقرأ القرآن. والسلام عليك ورحمة الله.
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا عبد الرحمن بن حميد الرواسي قال، حدثنا سليمان - يعني الأعمش - عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس قال:
اختصم عليّ والعباس ﵄ في ميراث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر ﵁ فقال: ما كنت لأحوّله عن موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ.
حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضّحاك، عن الحسن ابن محمد بن علي: أن أبا بكر ﵁ جعل سهم ذي القربى في سبيل الله، في الكراع والسلاح.
حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: أرأيت حين ولّي عليّ العراقين وما ولي من أمر الناس، كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر ﵄.
قلت: وكيف؟ ولم؟ وأنتم تقولون؟. قال: أم والله ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه. قلت: فما منعه؟ قال: كان والله يكره أن يدّعى عليه خلاف أبي بكر وعمر ﵄.
[ ٢١٧ ]
قال أبو غسان: صدقات النّبي ﷺ اليوم في يد الخليفة يولّي عليها ويعزل عنها، ويقسم ثمرها وغلّتها في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هي في يده من الوكلاء فيها.
حدثنا هارون بن عمير قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: ألم تر حجرا المدري (^١) حدثني: أن في صدقة رسول الله ﷺ:
أن ينفق على نسائه بالمعروف غير المنكر.