(سرية القرطاء) (^٣)
حدثنا عاصم بن علي بن عاصم قال، حدثنا ليث بن سعد، عن سعيد - يعني المقبري، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول ﷺ بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة
_________________
(١) في الأصل «بنو عتبة» والصواب ما أثبت.
(٢) الإضافة عن أسد الغابة ٣٢٦:٥، وهو يدعى عبد الله بن خالد بن سنان. وقد جاء في الإصابة ٤٥٩:١ «فلما رأوا العير أرادوا نبشه، فقال ابنه عبد الله بن خالد ابن سنان: لا تنبشوه، ولا أدعى ابن المنبوش أبدا». وقد قال القاضي عياض في الشفاء في سياق من اختلف في نبوته خالد بن سنان المذكور، يقال إنه نبي أهل الرس.
(٣) إضافة على الأصل عن شرح المواهب للزرقاني ١٤٣:٢، والسيرة الحلبية ٢٩٧:٢). والقرطاء ينزلون خربة، وهي قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة وبينها وبين الموثمة سبع ليال، وكانت هذه السرية لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست للهجرة (شرح المواهب ١٤٣:٢). وبقية خبر سرية القرطاء في تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، لأبي الفرج ابن عبد الرحمن الجوزي ص ٢٨ ط. دلهي. «قال خرج محمد بن سلمة إلى القرطاء،
[ ٢ / ٤٣٣ ]
يقال له ثمامة بن أثال (^١) سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال:
«ما عندك يا ثمامة؟» قال عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا ذنب (^٢)، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد، ثم قال «ما عندك يا ثمامة؟» قال: ما قلت: إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل
_________________
(١) =لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة في ثلاثين راكبا، فاغار عليهم وقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم، وغنم واستاق نعما وشاء .. الحديث. وفي السيرة الحلبية ٢٩٧:٢ أن الرسول ﷺ بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء في ثلاثين راكبا - والقرطاء بالقاف المفتوحة وبالطاء المهملة وهم بنو بكر ابن كلاب - وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عابد بن بشير إليهم وخرج محمد بن مسلمة في أصحابه فشنّ الغارة عليهم، فقتل منهم، واستاقوا النعم والشاء، وأخذت تلك السرية ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة وهم لا يعرفونه، وجيء به إلى رسول الله ﷺ فربط بسارية من سواري المسجد .. الحديث.
(٢) ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل ابن حنيفة بن لجين. روى حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال محمد بن إسحاق: لما ارتدّ أهل اليمامة عن الإسلام لم يرتد ثمامة وثبت على إسلامه هو ومن اتبعه من قومه، وكان مقيما باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة الكذاب وتصديقه، ويقول: إياكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله ﷿ على من أخذ به منكم، شهد مع العلاء بن الحضرمي قتال الحطم وهزيمته، وقد كانت للحطم خميصة يباهي بها فنفلها العلاء لرجل من المسلمين، فاشتراها منه ثمامة. فلما رجع ثمامة رأى بنو قيس بن ثعلبة - قوم الحطم - خميصته على ثمامة، فقالوا أنت قتلت الحطم وقتلوه بها. (أسد الغابة ٢٤٦:١، الإصابة ٢٠٤:١، الاستيعاب ٢٠٦:١).
(٣) في شرح المواهب ١٤٥:٢، وأسد الغابة ٢٤٦:١ «إن تقتل تقتل ذا دم وإن تعف تعف عن شاكر».
[ ٢ / ٤٣٤ ]
ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه حتى كان بعد الغد، ثم قال «ما عندك يا ثمامة؟» قال: عندي ما قلت؛ إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ «أطلقوا ثمامة» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بدلك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فأمره أن يعتمر (^١)، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت (^٢) قال: لا، ولكني أسلمت مع محمد، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ.
حدثنا فليح بن محمد اليمامي قال، حدثنا سعيد بن سعيد ابن أبي سعيد المقبري قال، حدثني أخي، عن جدّه، عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت خيل لرسول الله ﷺ
_________________
(١) في شرح المواهب ١٤٥:١ «فبشره النبي ﷺ وأمره أن يعتمر» وفي أسد الغابة ٢٤٦:١ «وإني خرجت معتمرا وأنا على دين قومي فأسرني أصحابك في عمرتي، فسيّرني صلى الله عليك في عمرتي. فسيره رسول الله ﷺ في عمرته».
(٢) صبوت: خرجت من دين إلى دين.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
فأخذت رجلا من بني حنيفة (^١) لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله ﷺ، فقال: «أتدرون من أخذتم؟ قالوا:
لا والله يا رسول الله، قال «هذا ثمامة بن أثال، هذا سيد حنيفة وفارسها - وكان رجلا عليلا - أحسنوا إساره» ورجع إلى أهله، فقال: اجمعوا ما قدرتم عليه من طعامكم فابعثوا به إليه وأمر (^٢) بلقحة (^٣) له يغدى بها عليه ويراح، فلا يقع من ثمامة موقعا، (وإساره) (^٤) ويأتيه النبي ﷺ ببعض ذلك فيقول «ايها يا ثمامة» فيقول: ايها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل مالا ما شئت. فلبث ما شاء الله أن يلبث، وقال النبي ﷺ ذات يوم «أطلقوا ثمامة» فلما أطلقوه خرج حتى أتى الصورين فتطهّر بأحسن طهوره، ثم أقبل فبايع النبي ﷺ على الإسلام، فلما أمسى جاءوا بما كانوا يأتونه من طعام فلم ينل منه إلا قليلا، وجاءوا باللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فتعجب من ذلك المسلمون فقال رسول الله ﷺ حين بلغه «ما يعجبون من رجل أكل في أول النهار في معاء كافر وأكل من آخر النهار في معاء مسلم،
_________________
(١) في الأصل «حنيف» والتصويب عن الإصابة ٢٠٤:١، والسيرة الحلبية ٢٩٧:٢.
(٢) في الأصل «وأمروا بلقحة» والمثبت عن شرح المواهب للزرقاني ١٤٤:٢، وكذا السيرة الحلبية ٢٩٧:٢.
(٣) اللقحة: الناقة ذات اللبن، القريبة العهد بالولادة. (شرح المواهب ١٤٨:٢).
(٤) الإضافة عن شرح المواهب للزرقاني ١٤٥:٢، وفي السيرة الحلبية ٢٩٧:٢ «وكان ذلك لا يقع عند ثمامة موقعا من كفايته».
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معاء واحد» (^١).
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، أخبرنا عكرمة بن عمار قال، حدثني عبد الله بن عبيد بن عمير وأبو زميل (^٢):
أن أصحاب النبي ﷺ أخذوا ثمامة وهو طليق، وأخذوه وهو يريد أن يغزو بني قشير، فجاءوا به أسيرا إلى النبي ﷺ وهو موثق، فأمر به فسجن؛ فحبسه ثلاثة أيام في السجن ثم أخرجه فقال «يا ثمامة إني فاعل بك إحدى ثلاث، إني قاتلك، أو تفدي نفسك، أو نعتقك» قال إن تقتلني تقتل سيّد قومه، وإن تفادي فلك ما شئت، وإن تعتقني (تعتق) (^٣) شاكرا. قال «فإني قد أعتقتك» قال: فأنا على أيّ دين شئت؟ قال «نعم» قال: فأتيت المرأة التي كنت موثقا عندها فقلت:
كيف الإسلام؟ فأمرت لي بصحفه ماء فاغتسلت، ثم علمتني ما أقول، فأتيت النبي ﷺ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قدمت مكة فقلت: يا أهل مكة إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ولا تأتيكم من اليمامة تمرة ولا برّة أبدا أو تؤمنوا بالله ورسوله، فكتب المشركون
_________________
(١) انظر كتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد الجزء الخامس ص ٣١ ط. المقدسي «باب المؤمن يأكل في معاء واحد … الحديث وانظر الحديث بمعناه في السيرة الحلبية ٢٩٨:٢.
(٢) هو سماك بن الوليد الحنفي أبو زميل - بضم الزاي - اليماني نزيل الكوفة. عن ابن عباس، وعنه عكرمة بن عمار والأوزاعي. وثقه أحمد وابن معين (الخلاصة للخزرجي ص ١٣٢).
(٣) إضافة يقتضيها السياق.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
من مكة إلى النبي ﷺ يسألونه بالله وبالرّحم أن لا يحبس الطعام عن مكة حرم الله وأمنه، فقدمت على النبي ﷺ فقال «يا ثمامة لا يثأر المسلم بالكافر، ولكن ارجع إلى قومك فادعهم إلى الإسلام فمن أقر منهم بالإسلام واتّبعك فانطلق إلى بني قشير ولا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن بايعوك حرمت عليك دماؤهم، وإن لم يبايعوك فقاتلهم. فدعا قومه فأسلموا معه، ثم غزا بني قشير فثأر بابنه.
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن ابن غزيّة (^١) الأنصاري، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى ثمامة ابن أثال الحنفي يؤتى به، قال عبد العزيز: فأخبرني جعفر عن أبيه قال: الذي جاء به محمد بن مسلمة الأنصاري، أصابه بنخلة فأسره وجاء به، ثم رجع حديث ابن غزية قال: فربط إلى سارية في المسجد. وقال إبراهيم بن جعفر في حديثه: إلى السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة - قال أبو هريرة ﵁: فخرج رسول الله ﷺ فوجده فقال «يا ثمام، ما تظنّ أني فاعل بك؟» قال: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم (^٢)، وإن
_________________
(١) هو عمارة بن غزية بن الحارث بن عمرو الأنصاري المازني المدني - بفتح أوله وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة، وثقه أحمد وأبو زرعة. قال ابن سعد: مات سنة أربعين ومائة. (الخلاصة للخزرجي ٢٣٨).
(٢) في الأصل «ذنب» والمثبت عن شرح المواهب ١٤٥:٢، وأسد الغابة ١: ٢٤٧، والاستيعاب ٢٠٦:١. وفي السيرة الحلبية ٢٩٧:٢ «إن تقتل تقتل ذا كرم، وفي لفظ ذا دم».
[ ٢ / ٤٣٨ ]
تسل مالا تعطه - قال أبو هريرة ﵁: فقلت في نفسي اللهم ألق في نفسه أن يأخذ منه الفداء، فو الله لأكلة من لحم جزور أحب إليّ من دم ثمامة (^١) - ثم مرّ النبي ﷺ رائحا فأعاد عليه قوله الأول، فردّ عليه مثل ما قال له، ثم أعاد ذلك الثالثة فرد عليه جوابه الأول، فجاءه رسول الله ﷺ (فأطلقه) (^٢) فخرج ثمامة إلى المناصع فاغتسل ورحض (^٣) ثوبيه، ثم أقبل حتى وقف على النبي ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ثم كتب أبو ثمامة إلى أهل مكة - وهم يومئذ حرب للنبي ﷺ، وكان مادة أهل مكة من قبل اليمامة - أم والله الذي لا إله إلا هو لا يأتينكم طعام ولا حبّة من قبل اليمامة حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فأضر (^٤) ذلك بأهل مكة حتى كتبوا إلى رسول الله ﷺ وهم حرب - فشكوا ذلك إليه، فكتب إلى أبي ثمامة: أن لا تقطع عنهم موادّهم التي كانت تأتيهم. ففعل.
_________________
(١) في السيرة الحلبية ٢٩٧:٢ قال أبو هريرة ﵁: «فجعلنا أيها المساكين أي أصحاب الصفة نقول نبينا ﷺ ما يصنع بدم ثمامة؟ والله لأكلة جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة.
(٢) سقط في الأصل والإضافة عن الاستيعاب ٢٠٦:١. وفي السيرة الحلبية ٢٩٧:٢ «ثم أمر به فأطلق».
(٣) رحض ثوبيه: غسل ثوبيه (أقرب الموارد ٣٩٥:١).
(٤) في السيرة الحلبية ٢٩٨:٢ «حتى أضر بهم الجوع وأكلت قريش العلهز، وهو الدم يخلط بأوبار الإبل فيشوى على النار، فكتب قريش إلى الرسول … الحديث.»
[ ٢ / ٤٣٩ ]