حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب (^٢)، عن أبي قلابة (^٣)، عن أبي المهلب (^٤)، عن عمران بن حصين قال:
كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج فأسر الرجل وأخذت العضباء منه فمرّ به رسول الله ﷺ وهو في وثاق - ورسول الله ﷺ على حمار عليه قطيفة - فقال: «يا محمد، علام تأخدونني وتأخذون سابقة الحاجّ؟ فقال رسول الله ﷺ «نأخذك بجريرة قومك وحلفائك ثقيف» - قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ، وقال فيما قال: إني مسلم، فقال رسول الله ﷺ «ولو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كلّ الفلاح» قال: ومضى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إني
_________________
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لابن هشام ٢١٤:٢، وشرح المواهب للزرقاني ١٤٨:٢، والسيرة الحلبية ١٢٦:٢.
(٢) هو أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني - بفتح المهملة أو كسرها بعدها معجمة ساكنة ثم مثناة فوقية - العنزي - أبو بكر البصري - الفقيه - أحد الأئمة الأعلام. روى عن عمرو بن سلمة وأبي قلابة وأبي رجاء العطاردي وأبي عثمان النهدي، وعنه ابن سيرين وشعبة والسفيانان والحمادان، وعبد الوارث وابن عليا وخلق وستين، وقال ابن المديني: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة (الخلاصة للخزرجي ص ٣٦).
(٣) أبو قلابة هو عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي البصري، أحد الأئمة، نزل الشام سنة أربع ومائة، وقيل سنة ست، وقيل سنة سبع ومائة. (الخلاصة للخزرجي ص ١٦٨).
(٤) هو: مطرّح. بضم أوله وكسر الراء بعد الطاء الثقيلة - بن يزيد الأزدي أبو المهلب الكوفي (ميزان الاعتدال ١٧٤:٣، الخلاصة للخزرجي ص ٣٤٠).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
جائع فأطعمني، وإني ظمآن فاسقني، فقال رسول الله ﷺ «هذه حاجتك» ففدي بالرجلين، وحبس رسول الله ﷺ العضباء (لرحله، قال ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به، وكانت العضباء فيه) (^١) وأسروا امرأة (^٢) من المسلمين، فكانوا إذا نزلوا أراحو إبلهم بأفنيتهم، فقامت المرأة ليلا بعد ما نوّموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجربة فركبتها، ثم وجّهتها قبل المدينة، ونذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها» (^٣)، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة وقيل: ناقة رسول الله ﷺ، وأخبر النبي ﷺ بنذرها، وأتته فأخبرته، فقال «بئس ما جزتها - أو بئس ما جزيتيها - نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، ثم قال «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» قال عفان: وقال لي: وهيب: كانت ثقيف حلفاء بني عقيل، وقال عفان وزاد حماد بن سلمة قال: وكانت العضباء إذا جاءت لا تمنع من حوض ولا نبت.
حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عمران بن حصين: بنحوه، وزاد: ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين.
_________________
(١) سقط في الأصل والإضافة عن البداية والنهاية لابن كثير ١٥٤:٤.
(٢) قيل: هي زوج أبي ذر الغفاري ﵁، وانظر السيرة الحلبية ٢: ١٢٦، ص ١٣١.
(٣) في الأصل «لتنحرها» والتصويب عن البداية والنهاية ١٥٤:١.
[ ٢ / ٤٤١ ]
حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: فأمر له رسول الله ﷺ بطعام، ثم فداه بالرجلين.
حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران ابن حصين ﵁ قال: فأمر له رسول الله ﷺ بطعام - قال أبو زيد: كان مروان بن قيس الدوسي خرج يريد الهجرة إلى رسول الله ﷺ فمرّ بإبل لثقيف فاطردها، فأغارت ثقيف فأخذت ابنه وامرأتين له وإبلا، فلما طفر (^١) رسول الله ﷺ عن حنين يريد الطائف شكا إليه مروان ما فعلت به ثقيف، فقال له رسول الله ﷺ إن كان (^٢) قاله - خذ أول غلامين تلقاهما من هوازن، فأخذ أبيّ بن مالك (^٣)، ويقال ابن سلمة بن معاوية بن قشير والآخر
_________________
(١) طفر - وثب (أقرب الموارد «طفر»).
(٢) كذا في الأصل، وهو موافق لما في الإصابة ٣٨٤:٣، والعبارة تدل على شك الراوي.
(٣) أبيّ بن مالك الحرشي، ويقال العامري. قاله أبو عمرو، وقال ابن منده وأبو نعيم: القشيري العامري، واتفقوا على أنه من عامر بن صعصعة، واختلفوا فيما سواه، فالحريشي وقشير أخوان. وهما أبناء كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. قال يحيى بن معين: ليس في أصحاب النبي ﷺ أبيّ بن مالك، وإنما هو عمرو بن مالك .. وذكر البخاري أبيّ بن مالك هذا في كتابه الكبير في باب أبيّ - والله أعلم. (أسد الغابة ٥٩:١). وفي الإصابة ٣٢:١ أبي بن مالك القشيري، ويقال القرشي، من بني عامر بن
[ ٢ / ٤٤٢ ]
حيدة (^١) أحد بني الجريش، فأتى بها رسول الله ﷺ فنسبهما، فقال لأبي: «إما هذا فإن أخاه يزعم ويزعم له أنه فتى أهل المشرق. كيف قال القائل يا أبا بكر (^٢)؟ قال فقال:
إن نهيكا (^٣) أبى إلا خليقته … حتى تزول جبال الحرّة السود
قال أبو زيد بن شبة: والشعر لنهيك، وقيل هذا البيت منه:
يا خال دعني ومالي ما فعلت به … وخذ نصيبك منّي إنّني مودي
وأما هذا - لابن حيدة - فإنه من قوم صليب نسبهم (^٤)، شديد بأسهم، أشدد يديك بهما حتى تؤدّي إليك ثقيف أهلك
_________________
(١) =صعصعة، عداده في أهل البصرة، قال ابن حبان: يقال إن له صحبة، ونسبه فقال: أبي بن مالك بن عمرو بن ربيعة بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري - وقد روى عنه البصريون - كما في الإصابة ٣٨٤:٣ «فأغار مروان فأخذ فتيين من بني عامر، أحدهما أبي بن مالك بن معاوية بن سلمة بن قشير القشيري، والآخر حيدة الجرشي.
(٢) في الأصل «وابن حميدة» والمثبت عن الإصابة ٣٨٤:٣.
(٣) في الإصابة ٣٨٤:٣: «فقال النبي ﷺ: أما هذا فإن أخاه يزعم أنه فتى أهل المشرق، كيف قال يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله قال: ما إن يعود امرؤ عن خليقته … حتى تعود جبال الحرة السود
(٤) هو نهيك بن مالك. ذكره المرزباني في معجم الشعراء فقال: إنه جاهلي، وكان يلقب «منهب الرزق» قال وكان قد قدم مكة بطعام ومتاع للتجارة فرآهم مجهودين فأنهب العير بما عليها. وعاتبه خاله في إنهاب ماله بعكاظ فقال: يا خال ذرني ومالي ما فعلت به … وما يصيبك منه أنني مودي إن نهيكا أبى إلا خلائقه … حتى تبيد جبال الحرة السود فلن أطيعك إلا أن تخلدني … فانظر بكيدك هل تسطيع تخليدي الحمد لا يشترى إلا له ثمن … ولن أعيش بمال غير محمود (الإصابة: ٣٨٤:٣، ٣٨٥).
(٥) في الإصابة ٣٨٤:٣ «صليب عودهم».
[ ٢ / ٤٤٣ ]
ومالك، قال أبي: يا محمد، ألست تزعم أنك خرجت تضرب رقاب الناس على الحقّ؟ قال: «بلى». قال: فأنت والله أولى بثقيف منّي، شاركتهم في الدار المسكونة، والأموال المعمورة، والمرأة المنكوحة، قال: بل أنت أولى بهم مني، أنت أخوهم في العصب، وحليفهم بالله ما دام الصالف (^١) مكانه، ولن يزول ما دامت السماوات والأرض، وقال لمروان «اجلس إليهما»، فكأنه لم يفعل، فأجاز بهما رسول الله ﷺ، فشكوا ذلك إليه، فأمر بلالا بألا يغلق عليهما. فجاءه الضحاك بن سفيان الكلابي أحد بني بكر ابن كلاب (^٢) فاستأذنه في الدخول على ثقيف، فأذن له، فكلّمهم في أهل مروان وماله، فوهبوه له، فدفعه إلى مروان فأطلق الغلامين، فعتب الضحاك بعد ذلك على أبيّ بن مالك في بعض الأمر، فقال يذكر بلاءه عنده:
أتنسى بلائي يا أبيّ بن مالك … غداة الرسول معرض عنك أشوس
يقودك مروان بن قيس بحبله … ذليلا كما قيد الذلول المخيّس (^٣)
فعادت عليك (من) (^٤) ثقيف عصابة … متى يأتهم مستقبس الشر يقبسوا
_________________
(١) الصالف: جبل كانوا في الجاهلية يتحالفون عنده، وهو بين مكة والمدينة (مراصد الاطلاع ٨٣٠:٢، وأقرب الموارد ٦٥٨:١). وفي الإصابة ٣٨٤:٣ ترجمة مروان بن قيس الدوسي «ما دام الطائف مكانه».
(٢) في الأصل كلمة لا تقرأ، والإثبات عن الإصابة ٣٨٤:٣.
(٣) في الأصل: ذليلا كما قيد الوقاع المخيس. وفي الإصابة ٣٨٤:٣ ذليلا كما قيد الرفيع المحبس. والمثبت عن السيرة لابن هشام ٤٥٦:٢ ط. الحلبي، والذلول: المرتاض والمخيس: المذلل.
(٤) الإضافة عن السيرة لابن هشام ٤٥٦:٢.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ويقال: إن نهيكا ركب إلى ثقيف فكلّمهم، وإنه قال هذه الأبيات لأخيه أبيّ بن مالك ومن معهما.
وكانوا (^١) هم المولى فنادوا بحلمهم … عليك وقد كادت بك النفس تيأس
لعمرو أبيك يا أبيّ بن مالك … لغير الذي تأتي من الأمر أكيس