بعد التقديم السابق نقول: إن أوّل مؤلف في تاريخ المدينة هو كتاب محمد بن الحسن بن زبالة، إلا أنه لم يعثر عليه بعد، ولولا تلك النقول التي أوردها السمهودي المتوفى سنة ٩١١ هـ في كتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى وغيره من المؤلفين، لظللنا نجهل ذلك الكتاب إلى وقتنا هذا، وقد أفرد هذه النقول المستشرق فستنفيلد منذ قرن من الزمان تقريبا في كتاب سماه تاريخ المدينة لابن زبالة.
[ ١٢ ]
- م -
ويليه كتاب أمر المدينة للمدائني علي بن محمد، ولكننا لم نعثر عليه بعد، ثم كتاب أخبار المدينة للزبير بن بكار المتوفى ٢٥٦ هـ، ولكننا أيضا لم نعثر عليه بعد، ثم كتاب تاريخ المدينة لابن شبة.
ولقد ظل هذا الكتاب مجهولا لا نعرف عنه إلا اسمه. ولم يذكر بروكلمان أن مكتبة ما في العالم تحوي نسخة منه، وكان جل اعتقادنا فيما ينسب إلى هذا الكتاب على نقول السمهودي، إلى أن أخرجه الله من ظلمات خزائن الكتب إلى نور الاطلاع والتداول منذ سنوات.
ومخطوطته في ٤٠٤ من الصفحات ورقمها في مكتبة مظهر الفاروقي ١٥٧ تاريخ، ومتوسط سطور الصفحة ٢٧ سطرا، ومتوسط كلمات السطر عشرون كلمة، وقد كتبت المخطوطة بخط دقيق غير منقوط إلا نادرا، ولا نستطيع أن نحكم عليه بأنه نسخي عادي، ولا أنه ينتسب للون بعينه من ألوان الخط العربي، فهو غير محرر الرسم للحروف والكلمات، ولا يستطيع قارئ مهما أوتي من الخبرة والدراية أن يقيم قراءة سطر من سطوره دفعة واحدة.
وليس في الكتاب ما يدل على أنه من خط عالم بعينه وإن جاء في هامش صفحة من صفحاته ما يشير إلى أنه بخط السخاوي، لكن هذا الخط يشبه إلى حد كبير خط الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ بحيث لا يمكن التمييز بينه وبين ما وجد بخطه من الكتب المحفوظة بدار الكتب المصرية. وأيا ما يكون الأمر فإنه لا يمكننا أن نغفل ما ذكره السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» في حديثه عن الكتب التي ألفت عن المدن الإسلامية:
«المدينة النبوية لعمر بن شبة» كما في ترجمته، وهو عند صاحبنا ابن فهد، نقله من نسخة بخط شيخنا - أي ابن حجر العسقلاني - كانت عند ابن السيّد عفيف الدّين» وهذه المقولة تؤكد وجود نسخة من الكتاب بخط الحافظ ابن حجر، وتجعلنا بالتالي نرجح أنها هي نسخة مكتبة مظهر الفاروقي.
المؤلف يورد الأخبار على طريقة المحدثين ومنهجهم، فيذكر سنده كاملا إلى أن يصل شاهد الحادثة أو سامعها أو ناقلها.
[ ١٣ ]
- ن -
والكتاب في صورته التي وصلنا بها يضم ثلاثة أقسام:
أولها عن حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة، وهو ناقص من أوله ومن آخره ومضطرب الترتيب إذا قورن بما على شاكلته من الكتب.
ويليه قسم آخر عن حياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في المدينة، وهو أيضا ناقص من أوله وناقص من آخره.
ويليه قسم ثالث عن حياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المدينة، وهو ناقص من أوله ومن آخره أيضا. ولا تخلو الأقسام الثلاثة من سقط وبياض وخرم يتراوح بين الكلمة والصفحة، ولكنه يكثر في القسم الثالث.
ويلاحظ أن الكتاب لا يضم تاريخا لخليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁. وهذا يدعو إلى افتراض أحد فرضين: إما أن المؤلف ضمن كتابه تاريخ أبي بكر، ولكنه فقد من الكتاب في محنته التي أشرنا اليها سابقا والتي عوقب فيها بتمزيق كتبه، وإما أنه أهمل تاريخ أبي بكر؛ لأن عصره كان قصيرا قضاه أبو بكر مشتغلا بحروب الردة مما صرفه عن الاهتمام بالحياة العمرانية للمدينة وغير العمرانية من أمور الدنيا، والله أعلم أي الفرضين هو الصواب.
والقسم الأول: يمكن أن يقال بشأنه إنه يؤرخ لحياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة منذ أن هاجر إليها إلى أن لحق بالرفيق الأعلى ويعالج من خلال ذلك الحياة العمرانية للمدينة من حيث إقامة المساجد وتخصيص الصدقات، وتخطيط الأحياء وإنزال القبائل في أحياء خاصة بهم وتخطيط الأسواق ومقابر المدينة وذكر الآبار والعيون وحدود المدينة وما حولها من جبال ووديان ومجتمع مياهها ومخايضها وما حماه النبي ﷺ لإبل الصدقة وغيرها.
وهو في ذلك يعد أقدم نص وصلنا عن تاريخ العمران في مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
[ ١٤ ]
- س -
والقسم الثاني: مؤرخ لحياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في المدينة منذ تولى الخلافة حتى لحق بالرفيق الأعلى شهيدا على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وقد عني فيه بالإصلاحات التي أدخلها عمر على مرافق المدينة، والتوسيعات التي أجراها في مسجد الرسول، كما عني بشرح سياسة الخليفة عمر في إرساء قواعد العدل، ومراقبته للولاة وأولي الأمر في إدارة شئون الرعية، ومعالجته الأزمات الاقتصادية وبخاصة في عام الرمادة، وتنمية بيت المال بحيث أصبح يضمن رزقا لكل مسلم حتى الطفل الرضيع. وحماية الأحماء لترعى فيها خيول الجهاد وإبل الصدقة ..
والحديث عن رحلاته إلى الشام، وتفقده لأحوال المسلمين، وإرسائه أسس العلاقة مع أهل الذمة في تلك البلاد.
وإذا كان هناك من كتب عن حياة عمر بن الخطاب ﵁ في كتب التاريخ العام كالطبري، أو في كتب التاريخ الخاص كأنساب الأشراف، وكتب الطبقات، أو في كتب المناقب كابن الجوزي في مناقب عمر، وابن عنان في الغوث الأكبر في مناقب الجد الأعظم عمر، أو غير ذلك؛ فإن ما كتبه ابن شبة عن عمر ﵁ يعتبر النصّ الرائد في هذا المجال؛ من حيث قرب العهد، وتوثيق الأخبار والنصوص، والصدق في العرض مع غزارة المادة.
والقسم الثالث: يؤرخ لحياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ويعني بخاصة بجمع الناس على نسخة واحدة من القرآن والأسباب التي دعت لذلك، وكيف كتب المصحف، كما يعنى بالحديث عن الفتوحات وسعة الأرزاق، والرفاهية التي عاشها أهل المدينة، وكيف دخل على المجتمع المدني بعض أنواع اللهو، ومحاربة أمير المؤمنين للعب النرد، ورمي الجلاهقات (قوس البندق) وتطيير الحمام.
ثم تناول بالتوسع الأحداث التي سبقت الفتنة الكبرى، وتطور تلك الأحداث، وما روي عن مواقف بعض الصحابة منها.
[ ١٥ ]
- ع -
والنهاية الأليمة التي لقيها أمير المؤمنين بين المدافع عنه والخاذل، والتي فتحت أبواب الشر على المجتمع الإسلامي.
ولعلنا لا نجد نصا قديما قد عالج حياة عثمان والمجتمع المدني وأحداث الفتنة بمثل الدقة والتوسع، والاستيثاق والحيدة في الأحكام يضارع أو يقرب مما كتبه ابن شبة في هذا الكتاب، مما يجعله أهم النصوص الأصيلة التي بين أيدينا.
وأخيرا، فإذا كان هذا الكتاب قد مني بحظ عاثر فتأخر اكتشافه، وتأخر تحقيقه، إلا أننا نستطيع أن نقول: إنه بفضل الله تعالى، وبفضل الغيورين على العلم والأوفياء لمدينة الرسول ممثلين في سماحة السيد حبيب محمود أحمد نضم إلى الأصول الرائدة في تاريخ السيرة النبوية، والحياة الإسلامية في مدينة الرسول في الحقبة التي تولى أمور المسلمين فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵄ كتابا آخر هو تاريخ المدينة لعمر بن شبة النميري البصري.
ونحمد الله تعالى على أنه سدد الخطى، وبارك في الجهد، وسهل الصعب حتى تم تحقيق الكتاب، وهو وحده نعم المولى ونعم النصير، ولعلي أكون عند حسن ظن بعض الأساتذة الأفاضل الذين أشفقوا عليّ حينما علموا بإقدامي على تحقيق هذا الكتاب.
وأخيرا فإني أشكر كل من تفضل بمعاونتي في صورة ما من صور المعاونة، وأدعو الله أن يجزيهم عني وعن العلم أحسن الجزاء ..
فهيم محمد شلتوت
مكة المكرمة
في ١٤ من رجب سنة ١٣٩٩
(٨ من يونية سنة ١٩٧٩ م)
[ ١٦ ]