حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير: أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا
_________________
(١) إضافة على الأصل، ومسجد الضرار: جاء في تفسير الطبري ١٥:١١ عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر
[ ٥٢ ]
وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ فدعوه ليصلي فيه، ففعل، فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عوف - يشك - فقالوا: ألا نبني نحن مسجدا وندعو النبي ﷺ فيصلي فيه كما صلّى في مسجد إخوتنا، ولعل أبا عامر (^١) يصلي فيه - وكان بالشام - فابتنوا مسجدا وأرسلوا إلى النبي ﷺ ليصلّي فقام ليأتيهم، وأنزل القرآن: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾
_________________
(١) وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله ﷺ يعني من تبوك حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله ﷺ ولو قد قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم ابن عدي - أخا بني العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه. فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا» إلى آخر القصة «الآيات ١٠٧ - ١١٠ من سورة التوبة» وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا. (تفسير الطبري ١٦:١١). وانظر أيضا الخبر بطوله في تفسير ابن كثير ٢٣٩:٤ وكذا معالم التنزيل للبغوي ٢٣٨:٤.
(٢) هو أبو عامر الراهب، كان بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ وقد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية وعلم أهل الكتاب، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم الرسول ﷺ مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز للعداوة وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله ﷺ، وقدموا عام أحد، وكان هذا
[ ٥٣ ]
﴿وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ - قال، قال عكرمة: ﴿إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^١).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها ليّة (^٢)، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن
_________________
(١) الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهما رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعيته وشجّ رأسه، ولما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من أهله من الأنصار من أهل النفاق والرياء يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به الرسول ويغلبه ويرده، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده، ويكون مرصدا له، فشرعوا في بناء مسجد مجاورا لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وسألوا الرسول أن يأتي إليهم ويصلي فيه ليحتجوا بصلاته على تقريره وإثباته، وذكروا إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية … القصة. (معالم التنزيل للبغوي ٢٣٩:٤). وفي تفسير الطبري ١٧:١١ عن عروة عن عائشة قالت: «وإرصادا لمن حارب الله ورسوله» أبو عامر الراهب، انطلق إلى الشام فقال الذين بنوا مسجد الضرار إنما بنيناه ليصلي فيه أبو عامر.
(٢) الآيات ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا …﴾. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ سورة التوبة من ١٠٧ إلى ١١٠.
(٣) ذكر السمهودي في وفاء الوفا ٢٨:٢ هذا الخبر قال. قال ابن شبة عن هشام ابن عروة عن أبيه كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية .. الخبر.
[ ٥٤ ]
خيثمة مسجدا، فقال أهل مسجد الضّرار: نحن نصلّي في مربط حمار ليّة!! لا، لعمر الله، لكنّا نبني مسجدا فنصلي فيه حتى يجيء أبو عامر فيؤمنا فيه. وكان أبو عامر فرّ من الله ورسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصّر، فمات بها، فأنزل الله: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا» الآيات.
حدثنا موسى قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا جابر ابن عمرو (^١) أبو الوازع، عن أبي أمين، عن أبي هريرة ﵁ قال: انطلقت أنا وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب نطلب رسول الله ﷺ، فقيل لنا: توجّه نحو مسجد التّقوى.
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي في قوله: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» (^٢).
قال، قال ابن عباس ﵄: هو بلعم بن باعور، رجل من بني إسرائيل. وقال نفر من ثقيف: هو أميّة بن أبي الصّلت. وقالت الأنصار: هو الراهب الذي بنى مسجد الشّقاق (^٣).
_________________
(١) في الأصول «جابر بن أبي الوازع» والتصويب عن الخلاصة للخزرجي ص ٥٠ وهو جابر بن عمرو الراسبي أبو الوازع البصري.
(٢) سورة الأعراف آية ١٧٥.
(٣) ذكر في تفسير الطبري ٨٦:٩ عن ابن مسعود وعن ابن عباس أنه «بلعم بن أبر» وفيه أيضا عن ابن عباس «أنه بلعم بن باعرا» وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هو «بلعام بن باعرا من بني إسرائيل» وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ص ٧٧ بنفس المرجع «أنه أمية بن أبي الصلت» وعن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال، سمعت عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية «الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» هو صاحبكم يعني أمية بن أبي الصلت، وعن عنبسة عن عبد الملك بن عمير قال: تذاكروا في جامع دمشق هذه الآية فقال بعضهم نزلت في بلعم - بضم الباء - بن باعوراء، وقال
[ ٥٥ ]
قال أبو غسان: وأخبرني من أثق به من الأنصار، من أهل قباء: أنّ موضع قبلة مسجد قباء قبل صرف القبلة أنّ القائم كان يقوم في القبلة الشّامية، فيكون موضع الاسطوانة الشارعة في رحبة مسجد قباء التي في صف الأسطوانة المخلّقة المقدّمة التي يقال لها، إنّ مصلّى رسول الله ﷺ إلى حرفها - قال: وأخبرني أيضا: أنّ مصلّى رسول الله ﷺ في مسجد قباء بعد صرف القبلة (^١)، كان إلى حرف الأسطوانة المخلّق كثير منها المقدمة إلى حرفها الشرقي (^٢)، وهي دون محراب مسجد قباء على يمين المصلّي فيه.
قال، وأخبرني الحارث بن إسحاق قال: كان إسحاق بن أبي بكر بن أبي إسحاق يحدّث: أن مبدأ رسول الله ﷺ في
_________________
(١) =بعضهم نزلت في الراهب، فخرج عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص فقالوا فيمن نزلت هذه قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وقيل إن بلعم كان يعلم اسم الله الأعظم، وقيل كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، وقال آخرون، بل كان أوتي النبوة. وعن مجاهد قال: هو نبيّ في بني إسرائيل - يعني بعلم - أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل، وتركهم على ما هم عليه. وفي تفسير ابن كثير ٥٩٠:٣ عن سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور بن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء، وعن قتادة عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب، قال قتادة وقال كعب: كان رجلا من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيما ببيت المقدس مع الجبارين. وبالمصدر ص ٩٥١ عن نافع بن عاصم عن عبد الله بن عمرو أنه أمية بن أبي الصلت. وفي معالم التنزيل ٥٩٠:٣ اختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال مجاهد: بلعام بن باعور. وانظر الخبر بطوله في معالم التنزيل عن ابن إسحاق والسدي وابن عباس.
(٢) كذا بالأصل، بوفاء الوفا ٢٢:٢ من رواية السمهودي عن ابن شبة.
(٣) كذا بالأصل، بوفاء الوفا ٢٢:٢ من رواية السمهودي عن ابن شبة.
[ ٥٦ ]
مركبه إلى قباء أن يمرّ على المصلّى، ثم يسلك في موضع الزقاق بين دار كثير بن الصّلت ودار معاوية بالمصلّى، ثم يرجع راجعا على طريق دار صفوان بن سلمة التي عند سقيفة محرق، ثم يمرّ على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط. قال: فذكر إسحاق أنّه رأى الوليد بن عبد الملك سلك هذه الطريق على هذه في مبدئه ورجعته من قباء (^١).
قال أبو غسان: طول مسجد قباء وعرضه سواء، وهو ستّ وستّون ذراعا، وطول ذرعه في السماء تسع عشرة ذراعا، وطول رحبته التي في جوفه خمسون ذراعا، وعرضها ست وعشرون ذراعا، وطول منارته خمسون ذراعا، وعرضها تسع أذرع وشبر في تسع أذرع، وفيه ثلاثة أبواب، وثلاث وثلاثون أسطوانة، ومواضع قناديله لأربعة عشر قنديلا (^٢).