«تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» هي التسمية التي أطلقها المصنف على كتابه في أصله الأول، ثم بدا للمصنف أن يختصره، فاختصره بنحو النصف فيما قال صاحب «لحظ الألحاظ» (١/ ١٥٠)، وقد أطلق عليه التسمية نفسها، وأصبح المختصر يُعرف ب «الأحكام الصغرى»، والأولُ عُرف ب «الأحكام الكبرى»، هكذا فرق بينهما المصنف في شرحه «طرح التثريب»، وكذلك ولده أبو زرعة كما أكمله.
ثمَّ إِنَّ المصنف شرح على الأحكام الصغرى لا «الكبرى»، وأورد في شرحه في ثناياه ما جاء من زيادات الكبرى، وهذه الزيادات هي مزيد تخريج أو إشارة إلى اختلاف ألفاظ في «الصحيحين» وغيرهما.
وأما موضوع الكتاب: فهو أحاديث الأحكام، مع جملة من أحاديث في أبواب الأدب والاستئذان والاعتقاد، جعلها في آخره، كعادة العلماء الذين يصنفون في أحاديث الأحكام، يُلحقون في آخره جملة من الأحاديث من أبواب متفرقة غير فقهية.
وكان هدف الحافظ العراقي في تصنيفه هذا هو:
١ - جمع مختصر في الحديث.
٢ - متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام.
٣ - وأسانيده متصفة بما قيل: إنه أصح الأسانيد مطلقًا أو مقيدًا.
[ ٢٥ ]
ودواعي هذا الجمع عند المصنف تنحصر في:
١ - أنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار متصلة إلى الأئمة.
٢ - وأنه لا يتخلّص من الحرج بنقل ما ليست له به رواية إلا بحفظ الحديث بأسانيده، وبين المصنف في «طرح التثريب» (١/ ١٧) أن ذلك غير سائغ بإجماع أهل الدراية، وحكى في ذلك الإجماع، ينقله عن أبي بكر محمد بن خير الأموي الإشبيلي، قال: لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًا ولو على أقل وجوه الروايات، لقول رسول الله ﷺ: «مَنْ كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» اهـ.
وهذا هو مذهب الحافظ العراقي في هذه المسألة.
٣ - وأن حفظ الأسانيد في هذه الأعصار فيه صعوبة لطولها ولقصر أسانيد المتقدمين.
* وقد وضع الحافظ لتحقيق الجمع المختصر خطةٌ مُبتكرة في جمعه واختصاره وترتيبه هي:
١ جمع الأحاديث في تراجم محصورة فيما عُدَّ من أصح الأسانيد.
٢ - مصدر هذه الأحاديث «موطأ مالك» برواية أبي مصعب الزهري، و«مسند أحمد بن حنبل».
٣ - وعدد التراجم بأسانيدها ستة عشرة ترجمةً، أربعة من «الموطأ» واثنا عشر من «المسند»، فالتي في «موطأ مالك»:
[ ٢٦ ]
١ - عن نافع عن ابن عُمر.
٢ - عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
٣ عن الزُّهْري، عن أنس.
٤ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.
* والتي في «مسند أحمد» عن:
٥ - عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عُمر.
٦ - سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه.
٧ - يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن عُبَيْدة، عن علي ابن أبي طالب.
٨ - أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله بن مسعود.
٩ - عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة.
١٠ - سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
١١ حسن بن موسى، عن شَيْبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة.
١٢ - سفيان، عن عمرو، عن جابر.
١٣ - زيد بن الحُباب، عن حسين بن واقد، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن بُرَيْدة.
١٤ - حَجَّاج بن محمد، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقْبَة بن عامر.
[ ٢٧ ]
١٥ - عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة.
١٦ - يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة.
١ - وجعل المصنف هذه الأسانيد بهذه التراجم متصلة الإسناد، حيث ذكر إسناده المتصل إلى «الموطأ» و«مسند أحمد».
٢ - ورتب هذه التراجم على أبواب الفقه كما هي كتب أحاديث الأحكام، لسهولة ذلك.
* وهاهنا يظهر لنا سبب تسمية هذا الكتاب «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد»، قال المصنف في «طرح التثريب» (١/ ٢٢): المناسبة بين الكتاب وهذه التسمية، أنَّ الأسانيد الطوالَ قَرُبَتْ بكونها جمعت في تراجم محصورة، فصارت قريبة التناول، وأن الأحاديث المرتبة على التراجم جرت العادة بأن تُوضع على الحروف في تراجم الرجال فرتبت هذه على أبواب الفقه مع كونها على التراجم.
* كما أنه يظهر لنا وجه الاختصار في هذا الكتاب، حيث لم يُدخل الأسانيد مع كل حديث، بل أورد الشيوخ والرجال في المقدمة، قال المصنف في «طرح التثريب» (١/ ١٦): ولم أر إدخاله - يعني ابنه - في رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ، فرأيتُ أن أذكره هنا - يعني في المقدمة - وأبين وقوع أحاديث الكتاب له عالية، لاحتمال أن يطول عمره فيحدث به.
* وبذلك يتحقق ما أراده المصنف بقوله في هذا المختصر أنه يُغني عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار.
[ ٢٨ ]
* وأما خطة المصنف في تخريج هذه الأحاديث:
فله في ذلك طريقان:
١ - تخريج الأحاديث بالرواية بإسناده في التراجم الستة عشرة من كتابي «الموطأ» و«المسند».
٢ - تخريج الأحاديث بالعزو إلى المصادر الحديثية، وطريقتها فيها كما بين في مقدمته:
أ - إن كان الحديث في «الصحيحين» لم يعزه لأحد، فالسكوت عنه يدلُّ على ذلك.
ب - وإن كان في أحد «الصحيحين» اقتصر في العزو إليه.
ج - وإن لم يكن في أحدهما، عزاه إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة كابن حبان والحاكم، أو غيرها وهي كثيرة.
د - وإن كان في هذه المصادر المعزو إليها زيادةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا إِنْ دلَّت على حكم.
هـ - ويشير إلى زيادات من مصادر أخرى:
فإن كانت الزيادة من حديث ذلك الصحابي لم يذكر اسم الصحابي، بل يقول مثلًا: ولأبي داود كذا، وإن كانت الزيادة من حديث غير الصحابي المذكور أولًا، قال: ولفلان من حديث فلان كذا.
* ومن طريقته في إيراد الأحاديث:
١ - إذا اجتمع حديثان فأكثر تحت ترجمة واحدة، مثل: «عن نافع عن ابن عمر»، ألا يكرر هذه الترجمة في الحديث الثاني، بل يكتفي بقوله: (وعنه). ما لم يحصل اشتباه فيكرر تلك الترجمة.
[ ٢٩ ]
٢ - وعند عزو الحديث لمن خَرَّجه، إنَّما يريد (أصل الحديث)، لا لفظه بعينه، وإنَّما يجري على قاعدة المستخرجات، حيث يُلاحظ صاحب الاستخراج أصل الحديث، لا يلتفت إلى مطابقة لفظ الأصل، فربما أورده المستخرج بزيادة أو بنقصان أو غير ذلك. والمصنف عند عزوه الأحاديث لم يحدّد أن لفظ هذه الرواية يوافق أحد المصادر، بل هو على قاعدة المستخرجات في ذلك.
* لكن يبقى أمر وهو أنَّ المصنف لما اختار أن تكون أحاديث الكتاب فيما عُدَّ من أصح الأسانيد، فهو حُكم عليها وبيان لدرجتها، وكذلك ما عزاه إلى الصحيحين أو إلى أحدهما، فهو حكم عليها وتأكيد لصحتها، وحتى التي عزاها إلى السنن الأربعة وغيرها، فهو حكم عليها باعتبار أنه عُدَّ من أصح الأسانيد.
لكن هذه الزيادات التي يزيدها من مصادر أخرى، وليست هي في الصحيحين أو أحدهما، ما حكمها؟ وهل تكلَّفَ المصنف الحكمَ عَلَيْها وبيان درجتها؟
إنَّ المستقرئ للكتاب يرى أنَّ المصنف ربما عزا إلى أحد السنن وبين درجة الحديث، كأن يقول: وإسناده حسن، مثلًا، أو يصححه، أو ينقل حكمه عن أحد الأئمة المعتبرين كالحاكم والنسائي والبيهقي ويسكت عنه، وأحيانًا ينقل عنه ويرد عليه، كما فعل ذلك عند ردّه على ابن حزم والطحاوي.
* وأخيرًا بعد بيان منهج المصنف وطريقته وشرطه في هذا الكتاب، فهل وفى المصنف بما رسمه من منهج؟
سيرى القارئ من خلال النظر في التعليقات على هذا الكتاب ما يدلُّ على مدى التزامه بذلك.
[ ٣٠ ]
وأبو زرعة ولد المصنف في «طرح التثريب» انتقد المصنف في عدد من المواضع أشرنا إليها في التعليقات.
من هذه الانتقادات ما اختاره المصنف من أحاديث في صدر الترجمة هي ليست مما عُدَّ من أصح الأسانيد، فمثلًا: أورد حديثًا عن الزهري أو غيره عن عُروة عن عائشة، وهذا الشك لا ينطبق عليه شرط الصحة أصلًا، وقد نبه على ذلك أبو زرعة ﵀.
ومنها ما اشترطه المصنف في تخريج الحديث أنه إذا سكت عن الحديث ولم يعزه لأحد فهو في الصحيحين، وقد فاته ذلك في مواضع عدة، نبه على بعضها أبو زرعة ﵀، وأشرنا إلى ذلك في التعليقات في عدة مواضع، وربما لم نُشر إلى ذلك، واكتفينا بالعزو في الحاشية، فما عزونه إلى أحد الصحيحين وحقه أن يكون فيهما، اكتفينا بذلك المصدر الذي فيه، بعد البحث ومراجعة «تحفة الأشراف».
* * *
[ ٣١ ]