الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وبعدُ: فقد احْتَلَّتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المَرْتَبةَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ القرآنِ الكَرِيمِ فِي التَّعَبُّدِ بِأَحْكَامِها وحِفْظِ حُدُودِها، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، واشْتَغَلَ النَّاسُ بِحِفْظِها ورِوَايَتِها وفَهْمِها ودرايَتِها، وكَثُرتِ التَّصانيف فيها، باختلاف مقاصد الناس وحاجاتهم، وتعددت أنواعها، وعُرِفَ منها كُتب أحاديث الأحكام التي أفَرْدَ فيها العلماء أحاديث الأحكام الفقهية، مرتبة على أبواب الفقهِ، مَحْذُوفَةَ الأَسانيد، مُخرجة مَنْسُوبةً إلى مصادرها الأصلية.
وكتابُ «تَقْرِيبِ الأَسانِيدِ وتَرْتِيْبِ المَسانِيدِ» للحافظ زين الدين العراقي، واحد مِنَ تِلْكَ الكتب التي جُمَع فيه أحاديث الأحكام، في طَرِيقة مبتكرة جديدة، هي مُتَّصِلة الأسانيد، صحيحة في أعلى درجاتِ الصّحة، ومرتبةٌ على أَبْوابِ الفِقْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ مختصر في غاية الاخْتِصارِ، سَهْلُ الحِفْظِ والمُذاكرة لطالبِ العِلْمِ، يُغْنِيهِ عَنْ حَمْلِ الأَسْفَارِ فِي الأَسْفَارِ.
ويعد هذا الكتابُ خِدمةً قام بها الحافظ في بابِ تَقْرِيبِ السُّنَّةِ وَتَسْهِيْلِها لطالب العلم الذي اقْتَصَر على سَماعِ المَرْوِيَّاتِ وَفَاتَهُ حِفْظُ الحَدِيْثِ بِالأَسانِيدِ
[ ٥ ]
المُتَّصِلَةِ، جَمَعهُ لابْنِهِ أَبي زُرْعَةَ وليّ الدِّين أَحْمَد، وَأَسْمَعَهُ إِيَّاهُ، وَحَفِظَهُ، واقْتَدى النَّاسُ بِهِ، فَأَخَذُوا بالاشتغال به سَماعًا وحِفْظًا وفَهْمًا.
وجدير بطلبة العِلْم فِي يَوْمِنا هذا الاقْتِداءُ بِمَنْ سَلَفَ، فيأخُذون الحديث كَأَخْذِهِم، وَيَشْتَغِلُونَ اشْتِغالَهُم، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ التَّسْهِيلِ والتَّيْسِيرِ عُذْرٌ.
والكتابُ عَلَى أَهَمِّيتِهِ وكَثْرَةِ فَوائدِهِ ومَنافِعِهِ، غاب عن كَثِيرٍ من المُتَعلَّمينَ والمعلمين، وخاصة المُخْتَصّين في عِلْمِ الحديث النبوي، مَعَ أَنَّهُ عَظِيمُ الفائدة فيه صَنْعة حديثية مبتكرةٌ في تَرْتِيبِ الأَسانِيدِ مع المُتونِ في اختصار، وكذلِكَ للمُشْتَغلِينَ في الفِقْهِ، فَكُم يُقَرِّبُ الأسانيد مع المتون، ويدلُّ على اختلاف الألفاظ مع صحة الإسناد.
واليَوْمَ يَحْمدِ اللهِ نَنْشُرُ هَذا الكِتابَ بِحُلَّتِهِ الجَدِيدَةِ، بَعْد أَنْ سهَّلَ الله لنا أصولًا خَطَّيَةٌ جَيِّدةً ونَفيسةً في غاية النَّفَاسَةِ، الأَوَّلُ مِنْها تَارِيخُهُ مُتَقَدِّم، قَبْل وَفَاةِ المُصَنِّف (٧٧٦ هـ)، سُمِعَ على مُصَنِّفِهِ الحافظ زَيْنِ الدِّين العراقي، وبقراءة ابنه أبي زرعة ولي الدين، وبحضور جماعة من الأفاضل، مِنْهُم الحافظ نُورُ الدِّين الهَيْثَمِيُّ، وفي آخرِه خَطُّ المؤلف يُبَيِّنُ هذا السَّماعَ. وفي سَنَةِ (٨٨١ هـ) قُوبِلَ على نُسْخَتِين أخريين: الأولى بخط الحافظ البوصيري تِلْمِيذِ المُصَنِّفِ، والأُخرى عَلَيْها خطه، وقُرِئ أيضًا، وفي أثناء القراءة كان يُرْجَعُ إلى نُسخة الحافظ ابن حجر العسقلاني.
وأما الثاني منها فهو أَصل جيد قُوبِلَ وقُرِئَ عَلَى وَلَدِ المُصَنِّفِ أَبِي زُرْعَةَ أحمد ابن العراقي وعَلَيه خَطُّهُ.
[ ٦ ]
ولذلك كان حقًا عَلَيْنَا إعادةُ نَشْرِهِ وَخِدْمَتِهِ خِدْمَةً تَليقُ به وتُخَلِّصُهُ من الأوهام التي وَقَعَتَ في الطبعات السابقة.
وأخيرًا لا أنسى أن أَشكُرَ دار اللُّباب، التي ساهَمَتْ في إخراج هذا الكتاب، وتأمين أُصوله الخطية، وأخُص بالشكر الأستاذ محمد خلوف العبد الله، حيث أعان على نشر هذا الكتاب.
ربَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ، واغْفِر لنا ما وقع من خَلَل أو سهو أو تقصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد بركات
اسطنبول
٥/ ١٢/ ٢٠١٦ م
* * *
[ ٧ ]