حفظ العراقي القُرآنَ الكَرِيمَ، وَلَهُ مِنْ العُمُرِ ثمانِ سِنِينَ، وَسَمِعَ الحديث صَغِيرًا، ففي سنة (٧٣٧) أَسْمَعهُ أَبوهُ من الأَمِيرِ سُنْجُرِ الجَاولي، والقاضِي تَقي الدِّينِ الإِثْنائي المالكي وغَيْرِهما مِنْ أَصْحَابِ المَجالس الشَّهِيرَةِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَعه من ابن شاهِدِ الجَيْشِ وابنِ عَبْد الهادي وابن المحب الدقاق.
وحَفِظَ «التنبيه» في الفِقْهِ الشَّافعي، وأكثر كتاب «الحاوي»، كما حَفِظَ كتاب «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد.
وكانَ أَوَّلَ شيءٍ اشْتَغَلَ بهِ القِراءات والعربيةُ، فَقَرأَ على ناصِرِ الدِّيْنِ مُحَمَّدِ ابن أَبي الحَسَنِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَمْعُون أحد القدماء، وبُرْهانِ الدِّينِ بن لاجين الرشيدي، وأَحْمدِ بنِ يُوسُفَ السَّمِيْنِ الحلبي، والسِّراجِ عُمَر الدَّمَنْهُوري. ومع ذَلِكَ لَمْ يَتَيَسَّر لَهُ إكمال القراءاتِ السَّبْعِ إِلا على التَّقِيِّ الوَاسِطيِّ بِمَكَّةَ فِي أُخريات أَيَّامِهِ.
وأَخَذَ الفِقْهَ الشَّافِعِيَّ: عَنِ ابْنِ عَدْلَان، ولَازَمَ العِماد محمد بن إسحاق البلبيسي وجَمالَ الدِّينِ الأَسْنَوِيَّ.
وأَخذَ أُصول الفِقْهِ: عن الشَّمْس ابن اللبانِ، وجمال الدين الأسنوي، وتقدَّمَ في
[ ١٠ ]
الفِقْهِ والأُصولِ، بحيثُ كَانَ الأسْنَوِيُّ يُثْنِي عَلَى فَهْمِهِ، وَيَسْتَحْسِنُ كلامَهُ في الأصول، ويُصْغِي لِمَباحِثِهِ فِيهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ ذِهْنَهُ صَحِيحٌ لا يَقْبلُ الخطأ.
وأما اشتغاله في الحديثِ فَقَد كانت له فيهِ قِصَّةٌ: وَذَلِكَ أَنَّ شَيْخَهُ القَاضِي عز الدين ابن جماعة لمَّا رَآهُ مُنْهَمِكًا في عِلْم القراءاتِ، أَشَارَ عَلَيْهِ بِالإِقْبَالِ على عِلْمِ الحَديثِ، وقالَ لَهُ: إِنَّهُ عِلْمٌ كَثِيرُ التَّعَبِ، قَلَيْلُ الجَدْوَى، وَأَنْتَ مُتَوَقِّدُ الذهن، فاصْرِفْ هِمَّتَكَ إِلى الحَدِيثِ.
وكان هذا في سَنةِ (٧٤٢ هـ)، فَأَخَذَ بِنَصِيْحَةِ شَيْخه ابنِ جَماعة، وأَقْبَلَ على عِلْمِ الحديثِ فَأَخَذَ الحديث بالقاهرة، وكانَ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بالقراءةِ عَلَيْهِ: الشَّهَابُ أَحمد ابنُ البابا، فحفظ عليه كتاب «الإلمام» لابن دقيق العيد.
ثم أَخَذَ علم الحديث عن الحافظ علاء الدِّينِ ابن التركماني الحنفي، وبه تخرّج، وعَلَيْهِ انْتَفَعَ، وَسَمِعَ مِنْهُ «صَحِيحَ البُخاري».
وقرأ على عَبْد الرَّحِيمِ بنِ عَبْدِ اللهِ ابن شاهِدِ الجَيْشِ، سَمِعَ مِنْهُ «صحيح البخاري».
وسمِعَ مِنْ ابن عَبْدِ الهادي «صحيح مسلم».
وقرأ على أبي الفَتْحِ محمَّد بن محمَّد المَيْدُومِي جُمْلَةٌ من الكُتُب، منها «سُنن أبي داود وهُوَ أَعْلى شُيُوخِهِ إِسنادًا، ومن طريقه يروي أَسانِيدَ تَقْرِيبِ الأَسانيد».
وسَمِعَ من أبي القاسم ابن سيِّدِ النَّاسِ.
وناصر الدين محمد بن إسماعيل ابنِ المُلُوكِ.
ومحمد بن عليّ بنِ عَبْد العَزِيزِ القطرواني، سَمِع مِنْهُ «سيرة ابن هشام».
[ ١١ ]
ومحمد بن عبد الله بن أبي البركاتِ النُّعماني.
ومحمد بن أبي القاسم بن إسماعيل الفارقي.
والقاضِي فَخْرِ الدين بن مسكين.
ومن أبي الحَرمِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ القَلانِسيّ، سَمِعَ مِنْهُ «جامع الترمذي»، و«سُنَنَ ابن ماجه» و«موطأ مالك» برواية أبي مصعب الزُّهْري، و«المُعْجِمَ الصَّغير» للطبراني. ومِنْ أبي الحُسْنِ عليّ بنِ أَحْمدِ العُرْضي، سَمِعَ مِنْهُ «جامع الترمذي» و«سنَنَ أبي داود»، و«مُسند أحمد».
ومِنْ مُظَفَّر الدِّين مُحَمَّدِ بن مُحَمَّدِ ابن العطار، سَمِعَ مِنْهُ «جامع الترمذي».
ثُمَّ ارْتَحَلَ في طَلَبِ الحديثِ رَحَلاتٍ عَدِيدةً، إلى بلادِ الشَّامِ والحِجاز وغيرهما:
١ - فَفِي سَنَةِ (٧٥٤ هـ) كانتْ رِحْلَتَهُ الأُولى إلى الشَّامِ، والتقى هُناكَ بِقاضِي الشَّامِ وعالمها شَيْخ الإسلامِ تَقِي الدِّينِ السُّبكي، وأخذ عنه علم الحديث، فَذَكَرَهُ فِي دَرْسِهِ مُعَظَّمًا لَهُ، وَنَوَّه بِذِكْرِهِ، وَوَصَفَهُ بِالمَعْرِفَةِ والإتقان والفَهْمِ، وَمِنْ تَعْظِيمِهِ لَهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ القاهرة في سنة (٧٥٦ هـ) أَرادَ أَهْلُ الحديثِ السَّمَاعَ عَلَيْهِ فامْتَنَع مِنْ ذَلِك، وقالَ: لَا أُسْمِعُ إلا بحُضُوره، وكان غائبًا في الإسكندرية.
والتقى أيضًا بالحافظ المُفَسِّرِ إسماعيل بن كَثِيرِ الدمشقي، وأَخَذَ عَنْهُ.
والتقى في بيت المَقْدِسِ بالحافظ صلاح الدين العلائي، وأَخَذَ عَنْهُ.
وسمع من محمد بن إسماعيل ابن الخبَّازِ بِدمَشْقَ، سَمِعَ مِنهُ «صحيح مُسلم» و«مسند أحمد»، وكتاب «الشمائل».
٢ - وفي سَنَةِ (٧٥٥ هـ) كانت رِحْلَتَهُ إلى بلاد الحجاز، حيث جاوَرَ بمكة
[ ١٢ ]
والمدينةِ مُدَّةً، وَسَمِعَ هُناكَ من الحافظ العلائي ولا زَمَهُ وكان مجاورًا، كما سَمِعَ من العفيف المطري في المَدِينَةِ المُنوَّرة.
٣ - وفي سنة (٧٥٦ هـ) ارْتَحلَ إلى الإسكندرية، وسَمِع مِنْ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي اللَّيْثِ، ومِنْ مُحَمَّد بن أَحْمدَ ابن البوري، سَمِعَ منه «جامع الترمذي».
٤ - وفي سنة (٧٥٨ هـ) كانَتْ رِحْلَتَهُ الثَّانِيَةَ إِلَى دِمَشْقَ.
٥ - وفي سَنَةِ (٧٥٩ هـ) كانَتْ رِحْلَتَهُ الثَّالِثِةَ إِلى بِلادِ الشَّامِ، وكانَتْ رِحْلَةً واسعةً، طاف فيها جميع البلاد التي فيها روايةٌ، حَتَّى وَصَل إلى حَلَبَ وَسَمِعَ فِيْهَا، وَكَانَ عَزْمُه أَنْ يَتوجه إلى بَغْدَادَ والعِراقِ مَوْطِنِ آبائه، لكنْ مَنَعَهُ انْعِدامُ الأَمْنِ فِيها آنذاك.
فَسَمِعَ فِي غَزَّةَ مِنْ مُحَمَّد بن سالم بن عبد الناصر.
وفي بَيْتِ المَقْدس سَمِعَ مِنَ الحافظ صَلاحِ الدِّينِ العلائي، فانْتَفَع بِهِ وَلَا زَمَهُ، ومن قاسم بن سليمان الأذرعي.
وفي نابُلُسَ سَمِعَ مِنَ مُحَمَّدِ بنِ عُثمانَ بنِ عَبْد الرَّحمنِ بن نِعْمَةَ، وإِبْراهيمَ بنِ عَبْد الله الزيباوي سَمِعَ مِنْهُ «سُنَنَ ابن ماجه».
وفِي بَعْلَبَكَ سَمِعَ مِنْ عَبْد القادر بن عليّ بن السَّبْعِ البَعْلَبَكي.
وفي طرابلُسَ الشَّامِ سَمِعَ مِنْ قاضِيها مُحَمَّد بن أبي بكر بن عياش الخابوري. وفي حِمْصَ سَمِعَ من قُطْبِ الدِّين مُحَمَّد بن عبد المحسن السبكي الشافعي، وعمر بن أحمد النقبي، وسَمِعَ مِنْ أَحمدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُرْداوي. وسمع من محمد بن إسماعيلَ الحَمَوِيِّ، سَمِع مِنْهُ من أَوَّلِ «السُّنَن الكبرى» للبيهقي إلى كتاب الإيلاء.
[ ١٣ ]
ثم أتمه على ست العرب بنت محمد بن الفخر علي ابن البخاري.
وسمع من عبد الله بن محمد بن إبراهيم المقدسي ابن قيم الضيائية، سمع منه «مسند العدني» و«فوائد تمام الرازي»، وسمع من أبي بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن رمضان، ومن محمد بن محمد بن عبد الغني الحراني.
وسمع من يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي.
وفي حماة سمع من قاضيها عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي، وعبد الله بن داود السلمي.
وفي حلب سمع من القاضي جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود، وسليمان ابن إبراهيم بن المطوع، وعبد الله بن محمد بن المهندس، وآخرين.
وفي صفد سمع من عمر بن حمزة بن يونس، ومن المسندة ست الفقهاء بنت أحمد بن محمد العباسي.
وفي الخليل سمع من خليل بن عيسى القيمري.
٦ - وفي سنة (٧٦٣ هـ) رحل إلى الحجاز، وسمع من الحافظ تقي الدين ابن رافع.
٧ - وفي سنة (٧٦٥ هـ) رحل إلى الشام الرحلة الرابعة، وكانت بصحبة أولاده، منهم ولده أبو زرعة أحمد، وكان عمره ثلاث سنين، فأسمعهم وسمع من رجال كثيرين.
٨ - وفي سنة (٧٦٩ هـ) رحل إلى مكة رحلته الثانية، وفيها التقى شيخ قراء مصر تقي الدين الواسطي، وكان مجاورًا، فأتم عليه القراءات السبع.
[ ١٤ ]
٩ - وفي سنة (٧٧٦ هـ) رَحَلَ إلى مَكَّةَ رِحْلتَهُ الثَّالثة، وفيها سَمِعَ مِنْهُ ابنُه أَبو زُرْعَةَ وغيرُه كتابَ «تَقْرِيبِ الأسانيد»، و«أَلْفِيَّةَ الحديثِ» كما جاء في خاتمة النسخة (ل) عندنا، وهي بخط الحافظ العراقي، وكانت هذه الرحلة بصحبة رفيقه وتلميذه الحافظ نور الدين الهيثمي.
١٠ هذا وقد هَمَّ الحافظ العراقي بالرّحلة إلى تُونُسَ لِسماعِ «المُوطَّأ» بِروَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيِي مِنْ خَطَيْبِ الزَّيْتُونَةِ بها، فَلَم يَتَّفق لَهُ ذَلِكَ.
* المناصب الدينية التي تولاها:
هذا وقد تولى الحافِظُ العِراقي مَناصِبَ دِينية عدة، منها: القضاء، والخطابة، والإقامة، والتدريس، في المدارس وفي المَساجِدِ، وَعَقَد مَجَالِسَ للإِسْمَاعِ والإملاء.
ففِي سَنَةِ (٧٦٩ هـ) تَولَّى التَّدْرِيْسَ في المَدرسة الكاملية بالقاهرة، وهي مدرسة مخصصة للحديثِ، يَتَوَلَّى مَشْيَختَها مَنْ كانَ أَعْلى مرتبةً في الحدِيْثِ، وَبَقِيَ شَيْخًا لها إلى سَنَةِ (٧٨٨ هـ) حَيْثُ أُسْنِدَ لَهُ قضاءُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.
- وفي سَنَةِ (٧٨٨ هـ) تَوَلَّى القَضاء بالمدينةِ النَّبوِيَّةِ وخَطَابَتَها وَإِمَامَتَها، بَعْدَ ولاية مُحب الدين النُّويْري حيثُ انتَقَلَ إلى قَضاءِ مَكَّةَ، فقام الحافظ العراقي بأعمالِ الخطابة والإمامة والتَّدْريس والتَّحْدِيثِ بِالرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ، وَأَمْلَى هُناكَ «الأَرْبَعِينَ العشارية»، وبَقِي في قَضاءِ المَدينةِ إِلى شَوَّالَ سَنَةَ (٧٩١ هـ).
- وفي سَنَةِ (٧٩٣ هـ) تَولَّى التَّدْرِيْسَ في المَدْرَسِةِ الظَّاهِرِيَّةِ البِيبَرسِيَّةِ فِي مِصْر، واستقر بها حتى وفاته.
كما أنه درس الفقهاء في المَدْرَسةِ الفاضلية، وفي المدرسةِ القَراسُنقُورية بالقاهرة.
[ ١٥ ]
- ودرس أيضًا في جامع طُولُون في القاهرة.
- وفي سَنَةِ (٧٩٥ هـ) شَرَع الحافظ العراقي في الإملاء في جامع القلعة بالقاهرة، حيثُ أَمْلَى الكَثير من تصانيفه، وأَسْمَع «صحيح البخاري»، و«جامع الترمذي» وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اشْتِغال بعد عودته من الحجاز سوى الإسماع والتدريس والإفادة والتصنيف، بَلْ جَمِيعُ أَوْقاتِهِ لَا يَصْرِفُها إلا في الاشتغال بالعُلُومِ.