سبحان الله مُبْدِى الكواكب اللوامع، ومنشىء السحائب الهوامع (١)، ومُعْلِى السُّنَّة الشريفة، وأربابها فى مجامع الصدور، وصدور المجامع، باعث النبى العربى بالكَلِم الجوامع، والحكم الروائع، ومؤيده بالدلائل القواطع، والبراهين السواطع، فَشَنَّفَ (٢) بحديثه المسامع، وسَيَّفَ (٣) من عانده فى معارك المعامع (٤)، وقطع من أهل الشرك أعناق الأعناق، ومطايا (٥) المطامع،
_________________
(١) الهوامع: الممطرة. مفردها هَمِعَة.
(٢) فشنف بحديثه: أمتع الآذان به.
(٣) وسَيَّف: ضرب بالسيف.
(٤) المعامع: الحروب أو الفتن.
(٥) المطايا فى أصل اللغة ما يتخذ للركوب والسير عليها. واحدتها: مطيَّة.
[ ١ / ١ ]
ووعدهم فى المآب (١) بالحميم من الشراب، ولهم من الحديد مقامع (٢) .
صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه ما أُنْهِلَتْ المنابع (٣)، وانهملت عند ذكر حديثه المدامع (٤)، وسَلَّمَ تسليمًا.
_________________
(١) المآب: يوم القيامة، سمى كذلك لأن الناس يؤبون فيه إلى الله، أى: يرجعون.
(٢) المقامع: جمع مِقْمَعة، وهى: حديدة أو خشبة، معوجة الرأس يضرب بها رأس الفيل ونحوه ليذل ويهان.
(٣) أُنْهِلَتْ المنابع: اتخذت مناهل. والمنهل: هو كل ماء على الطريق يقرب على المسافرين الأخذ والارتواء منه.
(٤) انهملت المدامع: فاضت العيون وسالت بالدموع.
[ ١ / ٢ ]
هذا كتاب شريف حافل (١)، ولُباب مُنِيف رافل (٢)، بجميع الأحاديث الشريفة النبوية كافل (٣)، قصدت فيه إلى استيفاء الأحاديث النبوية، وأرصدته (٤) مفتاحًا لأبواب المسانيد العلية.
وقسمته قسمين:
_________________
(١) حافل: جامع، يقال: (حفل الماء): اجتمع.
(٢) لباب منيف رافل: اللباب: خالص كل شىء. والمنيف: المشرف على غيره من علو، يقال: قصر منيف: طويل فى ارتفاع يشرف ويعلو على غيره. وعز منيف: عالٍ تامٌّ. والرافل: الثوب السابغ الطويل ذيله. والرافل من الناس: الذى يرفل فى ثيابه، ويجرها متبخترًا. وصف كتابه بأنه بالنسبة إلى غيره من الكتب لبابها وخالصها، ينوف عليها ويعلو، ويخال عليها.
(٣) كافل: ضامن.
(٤) أرصدته: أعددته، وهيئته مخصِّصا له بما أرصده له.
[ ١ / ٣ ]
الأول: أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وَأُطَوِّقُ كل خاتم منه بفصه (١)، وأتبع متن الحديث بذكر من خَرَّجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة، ومن رواه من الصحابة رضوان الله عليهم من واحد إلى عشرة، أو أكثر من عشرة، سالكًا طريقة يعرف منها صحة الحديث، وحسنه، وضعفه، مُرَتَّبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم، مراعيًا أول الكلمة فما بعده.
ورمزت للبخارى: (خ)، ولمسلم: (م)، ولابن حبان: (حب)، وللحاكم فى المستدرك: (ك)، والضياء المقدسى فى المختارة: (ض) . وجميع ما فى هذه الخمسة صحيح، فالعزو إليها مُعْلِمٌ بالصحة، سوى ما فى المستدرك من المتعقب، فأنبه عليه (٢) . وكذا ما فى موطأ مالك، وصحيح ابن خزيمة، وأبى عوانة، وابن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمستخرجات، فالعزو إليها مُعْلِم بالصحة أيضًا.
_________________
(١) أى: ألبس كل خاتم فصَّه الذى يناسبه.
(٢) لم يطرد على هذا فى النسخة التى بين أيدينا. وقد قمنا بنقل كلام الذهبى.
[ ١ / ٤ ]
ورمزت لأبى داود: (د)، فما سكت عليه فهو صالح، وما بَيَّنَ ضعفه نقلته عنه. وللترمذى: (ت)، وأنقل كلامه على الحديث (١) . وللنسائى: (ن)، ولابن ماجه: (هـ)، ولأبى داود الطيالسى: (ط)، ولأحمد: (حم)، ولزيادات ابنه عبد الله: (عم)، ولعبد الرزاق: (عب)، ولسعيد بن منصور: (ص)، ولابن أبى شيبة: (ش)، ولأبى يعلى: (ع)، وللطبرانى فى الكبير: (طب)، وفى الأوسط: (طس)، وفى الصغير: (طص)، وللدارقطنى: (قط)، فإن كان فى السنن أطلقت، وإلا بَيَّنْتُه. ولأبى نعيم فى الحلية: (حل)، وللبيهقى: (ق) . فإن كان فى السنن أطلقت، وإلا بَيَّنْتُه. وله فى شعب الإيمان: (هب) . وهذه فيها الصحيح، والحسن، والضعيف فأُبَيِّنَه غالبًا (٢)، وكل ما كان فى مسند
_________________
(١) لم يطرد على هذا أيضًا فى النسخة التى بين أيدينا. وقد قمنا بنقل كلام الترمذى جميعه.
(٢) يقل الكلام على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا فى النسخة التى اعتمدنا عليها.
[ ١ / ٥ ]
أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذى فيه يقرب من الحَسَن.
وللعقيلى فى الضعفاء: (عق)، ولابن عدى فى الكامل: (عد)، وللخطيب: (خط)، فإن كان فى تاريخه أطلقت، وإلا بينته. ولابن عساكر فى تاريخه: (كر)، وكل ما عُزِىَ لهؤلاء الأربعة، أو للحكيم الترمذى فى نوادر الأصول، أو الحاكم فى تاريخه، أو الديلمى فى مسند الفردوس، فهو ضعيف فليستغن بالعزو إليها، أو إلى بعضها عن بيان ضعفه (١) . وإذا أطلقتُ العزو إلى ابن جرير فهو فى تهذيب الآثار، فإن كان فى تفسيره، أو تاريخه بَيَّنْتُه.
_________________
(١) مراده فيما انفردوا به من أحاديث، دون المصادر العالية.
[ ١ / ٦ ]
وحيث أطلق فى هذا القسم أبو بكر فهو الصديق، أو عمر فهو ابن الخطاب، أو عثمان فابن عفان، أو على فابن أبى طالب، أو سعد فابن أبى وقاص، أو أنس فابن مالك، أو البراء فابن عازب، أو بلال فابن رباح، أو جابر فابن عبد الله، أو حذيفة فابن اليمان، أو معاذ فابن جبل، أو معاوية فابن أبى سفيان، أو أبو أمامة فالباهلى، أو أبو سعيد فالخدرى، أو العباس فابن عبد المطلب، أو عبادة فابن الصامت، أو عمار فابن ياسر.
والثانى: الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب، أو مراجعة، أو نحو ذلك مرتبًا على مسانيد الصحابة، على ما يأتى بيانه فى أول القسم الثانى. وقد سميته:
جمع الجوامع
واللهَ أسأل المعونة على جمعه، والمن بقبوله ونفعه، فهو البر الرحيم، والجواد الكريم.
[ ١ / ٧ ]
روى ابن عساكر فى تاريخه (١) عن أبى العباس المرادى قال: رأيت أبا زرعة فى النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: لقيت ربى، فقال لى: يا أبا زرعة إنى أوتى بالطفل فآمر به إلى الجنة، فكيف بمن حفظ السنن على عبادى، تبوَّأْ من الجنة حيث شئتَ.
وروى (٢) أيضًا عن حفص بن عبد الله قال: رأيت أبا زرعة فى النوم بعد موته، يصلى فى سماء الدنيا بالملائكة، قلت: بم نلت هذا؟ قال: كتبت بيدى ألف ألف حديث، فأقول فيها عن النبى - ﷺ - وقد قال النبى - ﷺ -: من صلى علىَّ صلاة صلى الله عليه عشرًا.
***
_________________
(١) تاريخ دمشق (٣٨/٣٩) .
(٢) تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٨، ٣٩) .
[ ١ / ٨ ]