مسروق (١)، عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ (٢) قال:
"كَتَبْنَا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ حينَ صالَحَ نَصَارَى أَهْلِ الشَّام:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتابٌ لعبدِ اللَّهِ عُمَرَ أميرِ المؤمنين، من نصارى مدينةِ كذا وكذا:
إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُم علينا سَألْنَاكُمُ الأمانَ لأنْفُسِنا، وذرارينا، وأَمْوالنا، وأهلِ مِلَّتِنا، وشَرَطْنَا لكم على أَنْفُسِنا أن لا نُحْدِثَ في مدائِننا ولا فيما حَوْلنا دَيْرًا ولا كنيسةً ولا قِلَّايةً (٣) ولا صومعةَ راهبٍ، ولا نُجَدِّدُ ما خَرِبَ منها، ولا نُحييَ ما كان مِنْهَا في خطط المسلمين.
ولا نمنعَ كنائسَنَا أن ينزلها أحدٌ من المسلمينَ في ليلٍ ولا نهار.
وأَنْ نُوَسِّعَ أبوابَها للمارَّةِ وابْنِ السَّبيل. وأن ننزلَ مَنْ نَزَلَها مِنَ المُسْلِمِينَ ثلاثَ لَيَالٍ نُطْعِمُهُمْ.
_________________
(١) = أبو عبد الله. ثقة، سيِّد قُرَّاء زمانه، من رجال "تهذيب الكمال"، ١٣/ ٤٣٣ - ٤٣٧ (٢٩٨٢).
(٢) مسروق بن الأجدع الإِمام الفقيه.
(٣) عبد الرحمن بن غَنْم الأشعريُّ الشامي، مختلف في صحبته، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وكان يُعرف بصاحب معاذ بن جبل لملازمته إيَّاه. وكان أفقه أهل الشام. راجع: "تهذيب الكمال"، ١٧/ ٣٣٩ - ٣٤٣ (٣٩٢٨).
(٤) بهامش الأصل: "الدير كالرباط، والكنيسة كالمسجد، والقلَّاية كالمعبد".
[ ٢٥ ]
ولا نُؤوي (١) في منازِلنا ولا كنائسنا جاسوسًا. ولا نكْتُمَ غِشًّا للمسلمين.
ولا نُعَلِّمَ أَوْلادَنا القرآنَ. ولا نُظْهِرَ شِرْكًا ولا ندعو إليه أحدًا. ولا نَمْنَعَ أحدًا من ذوي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ في الإِسلامِ إِنْ أرادُوه.
وأَنْ نُوَقِّرَ المسلمينَ ونقومَ لهم في مجالسنا إذا أرادُوا الجلوسَ. ولا نتشَبَّهَ بهم في شيءٍ من لباسهم: في قَلَنْسُوَةٍ ولا عِمامةٍ، ولا نَعْلَيْنِ، ولا فَرْقِ شَعَرٍ. ولا نتكلمَ بكلامهم، ولا نتكنَّى بكُناهم.
ولا نَرْكبَ السُّروجَ ولا نتَقَلَّدَ السيُوفَ، ولا نتَخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلاحِ ولا نَحْمِلَهُ معنا. ولا ننقشَ على خواتمنا بالعربيةِ. ولا نبيعَ الخمورَ. وأَنْ نَجُزَّ مَقادِمَ رُؤُوسِنا.
وأَنْ نَلْزَمَ زَيَّنَا (٢) حيثُ ما كان (٣). وأَنْ نَشُدَّ زنانيرنا على أَوْسَاطنا. وَأَنْ لا نُظْهِرَ الصَّليبَ عَلَى كَنَائِسِنا، وَلاَ نُظْهِرَ صُلْبَاننا وَكُتبنَا في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ أَسْوَاقِهِم.
_________________
(١) الأصل: نأوي.
(٢) الأصل: ديننا، وهو تحريف، وكذلك تحرف في "تاريخ دمشق"، لابن عساكر (١/ ١٧٨ - ط القديمة)، وهو على الجادة في طبعة دار إحياء التراث العربي الجديدة (٢/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) في تاريخ ابن عساكر: حيث ما كنا.
[ ٢٦ ]
وَلاَ نَضْرِبَ بنواقيسنا في كنائسنا إلَّا ضَرْبًا خَفيفًا. ولا نَرْفَعَ أصواتنَا بالقِراءَةِ في كنائسنا في شَيْءٍ مِن حَضْرَةِ المُسلمين.
ولا نُخْرِجَ شَعَانِينَنَا (١) ولا باعوثًا، ولا نَرْفَعَ أصواتنا مع مَوْتانا، ولا نُظْهِرَ النيرانَ مَعَهُمْ في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ المسلمين ولا أَسْواقهم، ولا نُجاوِرَهم بموتانا.
ولا نتَّخِذَ مِنَ الرَّقيقِ ما جَرَى عليه سهامُ المسلمين. ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازلهم".
• فَلَمَّا أتيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَابِ ﵁ بالكتابِ زادَ فيه:
"ولا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. شَرَطْنَا لَكُم ذلكَ على أَنْفُسِنَا وأَهْلِ مِلَّتِنَا وقَبِلْنَا عَلَيْهِ الأمانَ؛ فإِنْ نحنُ خالَفْنا في شَيءٍ ممَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وضَمِنَّاهُ على أَنْفُسِنَا فلا ذمَّةَ لنا وقد حلَّ لكم [منَّا] (٢) ما يَحِلُّ مِن أهل المُعَانَدة والشِّقاقِ".
_________________
(١) بهامش الأصل: "الشعنون: الصورة، والباعوث: النفير، وبطل الآن". قلت: ولكن قال الدكتور صبحي الصَّالح ﵀ في تعليقه على "أحكام أهل الذمَّة"، ٢/ ٦٥٩: (هو اسم عيد من أعياد النصارى على صيغة الجمع ولا مفرد له). اهـ. وقال المعلِّقان على الطبعة الجديدة منه: (عيد للنصارى يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح يُحتفل فيه بذكرى دخول عيسى ﵇ بيت المقدس)، عن المعجم الوسيط بتصرُّف.
(٢) زيادة من ابن عساكر.
[ ٢٧ ]