"أُسِرَ غُلامٌ من بني بطارقة الرُّومِ -وكان غُلامًا جميلًا- فلَمَّا صاروا إلى دار السَّلام وَقَعَ إلى الخليفة (١)، وذلك في ولايةِ بني أُمَيَّة؛ فَسَمَّاهُ بَشِيرًا، وأَمَرَ بِهِ إلى الكُتَّابِ؛ فَكَتَبَ وقَرَأَ الْقُرْآنَ وروى الشِّعْرَ وقاسَ وطَلَبَ الأحاديثَ وحَجَّ. فَلَمَّا بَلَغَ واجْتَمَعَ أَتَاهُ الشَّيْطانُ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ وذَكَّرَهُ النَّصْرَانِيةَ دينَ آبائِهِ؛ فَهَرَب مُرْتَدًّا مِنْ دَارِ الإِسلامِ إلى أَرْضِ الرُّوم؛ لِلَّذي سَبقَ لَهُ في أُمِّ الكتاب. فَأتِيَ به مَلِكَ الطَّاغيةِ فَسَألهُ عَنْ حَالِهِ، وما كانَ فيهِ، وما الذي دعاهُ إلى الدخولِ في النَّصْرَانِيّة؟ فَأخْبَرَهُ برغْبَتِهِ فيه. فَعَظُمَ في عَيْنِ المَلَكِ؛ فَرَأسَهُ وصَيَّرَهُ بِطْرِيقًا مِن بَطَارِقَتِهِ وأَقْطَعَهُ قُرىً كثيرةً؛ فهي اليوم تُعْرَفُ بِهِ، يقالُ لها: قُرَى بشير.
وكانَ مِنْ قضاءِ الله وقَدرِهِ أَنهُ أُسِرَ ثلاثونَ رَجُلًا مِنَ المسلمين؛ فلما دَخَلُوا على بشيرٍ، سَائَلَهُم رَجُلًا رَجُلًا عن دينهم، وكانَ فيهم شَيْخٌ مِنْ أهلِ دِمَشْقَ يقالُ له: واصل؛ فَسَاءَلَهُ بَشِيرٌ؛ فأبى الشَيْخُ أَنْ يَرُدَّ عليه شَيْئًا؛ فقالَ بَشِيرٌ: ما لَكَ لاَ تُجيبُني؟
قالَ الشَّيْخُ: لَسْتُ أُجِيبُكَ اليومَ بشيْءٍ!
قالَ بَشِيرٌ للشَّيْخِ: إني سائِلُكَ غَدًا فَأَعِدَّ جوابًا، وأَمَرَهُ بِالانْصِرافِ.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ بَعَثَ بَشِيرٌ؛ فَأدْخِلَ الشَّيْخُ إِلَيْهِ،
فَقَالَ بَشِيرٌ: الحمدُ للهِ الَّذي كانَ قَبْلَ أن يكونَ شَيْءٌ، وخَلَقَ سبع سماواتٍ طِباقًا بلا عَوْنٍ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَعَجبًا لكم معاشِرَ
_________________
(١) بهامش الأصل: "وهو عبد الملك بن مروان".
[ ٢٩ ]
العَرَبِ حين تَقُولونَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ (١)!.
فَسَكَتَ الشَّيْخُ؛ فقالَ لَهُ بَشِيرٌ:
مَا لَكَ لا تُجيبُني؟ فقالَ: كيفَ أُجِيبُكَ وَأنا أَسِيرٌ في يَدِكَ؛ فإنْ أَجَبْتُكَ بما تَهوى أسْخَطْتُ عَلَيَّ رَبِّي، وهَلَكْتُ في دِيني، وإنْ أَجَبْتُكَ بما لا تَهْوَى خِفْتُ عَلَى نَفْسي؟
فأَعْطني عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ وما أَخَذَ النَّبِيُّونَ على الأُمَمِ أَنكَ لاَ تَغْدِر بي ولا تمْحل (٢) بي ولا تَبْغِ بي باغِيةَ سُوءٍ، وأَنّكَ إذا سَمِعْتَ الحَقَّ تَنْقَادُ لَهُ.
فقال بشيرٌ: فَلَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وميثاقُهُ وما أَخَذَ الله ﷿ على النَّبِيِّينَ وما أَخَذَ النَّبِيُّونَ على الأُمَمِ: أني لا أَغْدِرُ بكَ ولا أمحل بكَ ولا أَبْغي بك باغيةَ سُوءٍ وأنِّي إذا سَمِعْتُ الحقَّ انْقَدْتُ إليهِ.
قال الشَّيخُ: أمَّا ما وَصَفْتَ مِنْ صِفَةِ الله ﷿؛ فَقَدْ أَحْسَنْتَ الصِّفَةَ. وأَمَّا ما لم يبْلُغ عِلْمُكَ ولم يستحكمِ عليه رَأْيُكَ أكثرُ، والله أَعْظَمُ وأَكْبَرُ ممَّا وَصَفْتَ؛ فلا يَصِفُ الواصفُون صِفَتَهُ.
وأَمَّا ما ذَكَرْتَ مِن هذينِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَقَدْ أَسَأتَ الصِّفَةَ! أَلمْ يَكونا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويَشْرَبَان ويُبَوِّلان ويَتَغَوَّطانِ وينامانِ ويَسْتَيْقِظَان ويَفْرَحَانِ ويَحْزَنَانِ؟
_________________
(١) آل عمران، الآية (٥٩).
(٢) تمحل: من المحل، وهو المكر والكيد، كما في "القاموس" وغيره.
[ ٣٠ ]
قَالَ بَشِير: بَلَى.
قَالَ: فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا؟
قَالَ بَشِير: لأنَّ عِيسى ابن مريم -﵇- كانَ لَهُ رُوحانِ اثنتانِ في جَسَدٍ وَاحِدٍ: روحٌ يعلمُ بها الغيوبَ وما في قَعْرِ البحارِ وما ينحاث (١) من ورق الأشجار. وروحٌ يُبرئُ بها الأَكمهَ والأَبْرَصَ ويُحْيِي بها الموتى.
قَالَ الشَّيخُ: رُوحان اثنتانِ في جسدٍ واحد؟!!
قَالَ بَشِير: نعم.
قَالَ الشَّيخُ: فهل كانت القويَّةُ تَعْرِفُ مَوْضِعَ الضَّعِيفَةِ بَيْنَهُمَا أَمْ لا؟
قَالَ بَشِير: قَاتَلَكَ الله! ماذا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ إِنْ قُلْتُ إنَها لاَ تَعْلَمُ؟ وماذا تُرِيدُ إنْ قُلْتُ إِنَّها تَعْلَمُ؟
قَالَ الشَّيخُ: إِنْ قُلْتَ إنَّهَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: فَمَا يُغني عنها قُوَّتُها حين لا تَطْرُدُ هذه الآفاتِ عنها!؟ وإن قُلْتَ إِنَّها لا تَعْلَمُ، قُلْتُ: فكيفَ تَعْلَمُ الْغُيُوبَ وَلاَ تَعْلَمُ مَوْضِعَ رُوحٍ معها في جَسَدٍ واحدٍ؟! فَسَكَت بَشِيرٌ!
قَالَ الشَّيخُ: أَسْأَلُكَ باللهِ! هَلْ عَبَدْتُمُ الصَّلِيبَ مَثَلًا لعيسى بن مريمَ أنَّهُ صُلِبَ؟
_________________
(١) بهامش الأصل: "الإنحاث: السقوط". وفي "تاريخ دمشق": يتحات؛ بالتاء المثناة بدلًا من النون.
[ ٣١ ]
قَالَ بَشِير: نعم.
قَالَ الشَّيخُ: فبرضىً كانَ مِنْهُ أَمْ بِسَخَطٍ؟
قَالَ بَشِير: هذه أُخْتُ تِلْكَ! ماذا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ؟ إِنْ قُلْتُ: برضىً مِنْهُ، قُلْتَ: ما نَقِمْتُم؟ أُعطوا ما سأَلوا وأرادوا؟ وإِنْ قلْتُ: بِسَخَطٍ، قُلْتَ: فَلِمَ تَعبُدونَ ما لاَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ؟
ثُمَّ قَالَ: الشيخُ لبشير: نَشَدْتُكَ بالله! هَلْ كَانَ عِيسَى يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويَشْرَبُ ويَصُومُ ويُصَلِّي ويبولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ ويَسْتَيْقِظُ ويَفْرَحُ ويحزنٌ؟
قَالَ: نعم.
قَالَ الشَّيخُ: نَشَدْتُكَ باللهِ! لِمَنْ كَانَ يصومُ ويُصَلِّي؟
قَالَ: للهِ ﷿؛ ثُمَّ قَالَ بَشِيرٌ: والضَّارِّ النَافعِ، ما ينبغي لمثلكَ أن يعيشَ في النصرانية! أُرَاكَ رَجُلًا قد تَعَلَّمْتَ الكلامَ، وأنا رَجُلٌ صاحبُ سَيْفٍ، ولكن غدًا آتيكَ بمن يُخْزِيكَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ!
ثُمَّ أَمَرَهُ بالانْصِرَافِ.
فَلَمَّا كَانَ مِن غَدٍ، بَعَثَ بَشِيرٌ إلى الشَّيْخِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ إذا عِنْدَهُ قِسٌّ عَظِيمُ اللحيةِ.
قَالَ لَهُ بَشِيرٌ: إِنَّ هذا رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ لَهُ عِلْمٌ وعَقْلٌ وَأَصْلٌ في العرب، وقد أحبَّ الدخولَ في ديننا؛ فَكَلِّمْهُ حَتَّى تُنَصِّرَهُ؛ فَسَجَدَ القِسُّ لِبَشِيرٍ وقَالَ: قَدِيمًا أتيتَ إلى الخيرِ وهذا أَفْضَلُ مِمَّا أَتَيْتَ إليّ.
[ ٣٢ ]
ثُمَّ أَقْبَلَ القِسُّ عَلَى الشَّيْخِ فَقَالَ: أَيُّهَا الشيَّخُ! مَا أَنْتَ بالكبيرِ الذي قد ذهبَ عَقْلُهُ وتَفَرَّقَ عَنْهُ حِلْمُهُ [ولا أنت بالصغير الذي لم يستكمل عقله ولم يبلغ حلمه]، (١)، غدًا أغطسُكَ في المعموديَّة غَطْسةً تَخرجُ منها كيومَ وَلَدَتْكَ أمُّكَ!
قَالَ الشَّيخُ: وما هذهِ المَعْمُودِيّة؟
قَالَ القسُّ: ماءٌ مُقَدَّسٌ.
قَالَ الشَّيخُ: مَنْ قَدَّسَهُ؟
قَالَ القسُّ: قَدَّسْتُهُ أنا والأساقِفَةُ قَبْلِي.
قَالَ الشَّيخُ: فهل كان لكم ذنوبٌ وخطايا؟
قَالَ القسُّ: نعم؛ غير أنَّها كثيرة.
قَالَ الشَّيخُ: فهل يُقدِّسُ الماءَ مَنْ لاَ يقدِّسُ نَفْسَهُ؟
قَالَ: فَسَكَتَ القِسُّ؛ ثُمَّ قَالَ: إِنّي لَمْ أُقَدسْهُ أنا!
قَالَ الشَّيخُ: فكيفَ كانت القِصَّةُ إذنْ؟
قَالَ القسُّ: إنَّما كانت سُنَّةً مِنْ عيسى بن مَرْيَمَ.
قَالَ الشَّيخُ: فكيفَ كانَ الأمرُ؟
قَالَ القِسُّ: إنَّ يحيى بن زكريا أَغْطَسَ عيسى ابن مريمَ -﵈- بالأُرْدُن (٢) غطسةً ومَسَحَ بِرَأْسِهِ وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ.
_________________
(١) من "تاريخ ابن عساكر".
(٢) بهامش الأصل: "الأردن: نهر حماه، وهو العاصي".
[ ٣٣ ]
قَالَ الشَّيخُ: فاحتاجَ عيسى إلى يحيى يمسحُ رَأسَهُ ويدعو له بالبركةِ؟! فاعبدوا يحيى، فيحيى خيرٌ لكم من عيسى إذن؟
فَسَكَتَ القسُّ؛ فاستلقى بَشِيرٌ على فِرَاشِهِ وأَدْخَلَ كُمَّهُ في فيهِ وجَعَلَ يَضْحَكُ؛ قَالَ لِلْقِسِّ: قُمْ أَخْزَاكَ الله، دَعَوْتُكَ لِتُنَصِّرَهُ فَإذا أَنْتَ قَد أَسْلَمْتَ!
قَالَ: ثُمَّ إِنَ أَمْرَ الشَّيْخِ بَلَغَ المَلِكَ؛ فَبَعَثَ إليهِ؛ فَقَالَ: ما هذا الذي قد بلغني عنكَ وعن تنقُّصِكَ ديننا وَوَقِيعَتِكَ؟
قَالَ الشَّيخُ: [إنَّ لي دِينًا كُنْتُ سُئِلْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا نصصت عنه سُئِلتُ عنهُ] (١)؛ فَلَمَّا لمْ أَجِدْ بُدًّا للذبِّ عَنْهُ ذَببتُ عنه.
قَالَ المَلكُ: فهل في يَدِكَ حُجَجٌ؟
قَالَ الشَّيخُ: نعم! ادْعُ إليَّ مَن شِئْتَ يُحاجِجْنُي؛ فإنْ كان الحق في يدي؛ فَلِمَ تَلومني (٢) عَنِ الذَّبِّ عَنِ الحَق؟ وإن كانَ الحق في يديكَ، رَجَعْتُ إلى الحق.
فَدَعَا الملكُ بعظيمِ النصرانية؛ فلمَّا دخل عليه سَجَدَ لَهُ الملكُ ومَن عِنْدَهُ أَجْمَعُون.
قَالَ الشَّيخُ: أَيُّها الملك، مَنْ هذا؟
_________________
(١) العبارة مضطربة هنا، وفي "تاريخ دمشق"، (٦٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩): (إنَّ لي دينًا كنتُ ساكتًا عنه، فلما سُئِلتُ عنه لم أجد بُدًّا من الذبِّ عنه). وكذلك العبارة في "مختصر تاريخ دمشق"، لابن منظور ٢٦/ ٢٤٩.
(٢) كذا، وفي "تاريخ دمشق": تَلُمني؛ وهو الصواب.
[ ٣٤ ]
قَالَ الملكُ: هذا رَأْسُ النَّصرانِيةِ، هذا الذي تأخُذُ النَّصْرَانِيّة دينَها عنه.
قَالَ الشَّيخُ: فهل لَهُ مِنْ ولدٍ أَمْ هَلْ لَهُ مِن امرأةٍ أَمْ هل لَهُ مِن عَقِبٍ؟
قَالَ الملكُ: ما لكَ خزاكَ الله! هذا أزكى وَأَطْهَرُ أَن يُدَنَّسَ بالحيضِ (١)! هذا أزكى وأطهرُ من ذلك.
قَالَ الشَّيخُ: فأنتم تكرهونَ لآدميٍّ يكونُ مِنْهُ ما يكونُ من بني آدم من الغائطِ والبول والنوم والسهر وبأحدكم (٢) من ذكر النساء، وتزعمون أَنَّ رَبَّ العالمين سَكَنَ في ظُلْمَةِ الأَحْشَاءِ (٣) وضيق الرَّحَمِ وَدُنِّسَ بالحيضِ؟
قَالَ القسُّ: هذا شيطانٌ مِنْ شَيَاطِينِ العَرَبِ رَمَى بِهِ البَحْرُ إليكُم؛ فأخرِجوهُ مِنْ حيثُ جاء.
فأقْبَلَ الشَّيْخُ على القِسِّ، فَقَالَ: عَبَدْتُمْ عيسى ابن مريمَ أنّهُ لا أَبَ له؛ فهذا آدم لا أبَ له ولا أُمَّ، خَلَقَهُ اللهُ ﷿ بِيَدِهِ وأَسْجَدَ لَهُ مَلاَئِكَتَهُ؛ فَضُمُّوا آدمَ مَعَ عِيسى حَتَّى يكونَ لَكُم إِلهَانِ اثنانِ!؟
فَإِنْ كُنْتُم إنَّما عبدتموه لأنَّهُ أَحْيَا المَوْتَى؛ فهذا حزقيل (٤) تجدونَهُ
_________________
(١) في "تاريخ ابن عساكر"، ٦٥/ ٢٨٩: [هو أزكى وأطهر من أن يتدنَّس بالنساء، هذا أزكى وأطهر من أن ينسبَ إليه ولد، وهذا أزكى وأطهر من أن يتدنَّس بالحيض، هذا أزكى وأطهر من ذلك]. وكأن في الأصل سقطًا. والله أعلم.
(٢) في الأصل: ويأخذكم، وهو تحريف.
(٣) "تاريخ دمشق": البطن.
(٤) بهامش الأصل: "وحزقيل بن بوذي من أنبياء بني إسرائيل، وله كتاب".
[ ٣٥ ]
مكتوبًا عندكم في التوراةِ والإِنجيل، لا نُنكِرُهُ نحنُ ولا أنْتُمْ، مَرَّ بميت فدعا اللهُ ﷿ له فأَحْياه حتَّى كَلَّمَهُ؛ فَضُمُّوا حزقيل مع عيسى حتَّى يكونَ لكم حزقيل ثالثَ ثلاثة!؟
وَإِن كُنْتُمْ إنما عبدتموهُ لأنَّهُ أَراكُم العجبَ، فهذا يوشع بن نون قاتل قومه، حتَّى غربت الشمس؛ قال لها: ارجعي بإذنِ اللَّهِ؛ فَرَجَعَتْ اثني عَشَرَ بُرْجًا؛ فَضُمُّوا يوشعَ بن نون مع عيسى يكون لكم رابع أَرْبَعة؟!
وَإِنْ كُنْتُم إنَّما عبدتموه لأنَّهُ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَمِنْ (١) ملائكةِ الله ﷿ مَعَ كُلِّ نَفْسٍ اثنان بالليل واثنان بالنَّهار يَعْرُجونَ إلى السَّماءِ، ما لو ذَهَبْنَا نَعُدُّهم لالْتبَسَ علينا عقولنا واختلطَ علينا دينُنا وما ازْدَدْنا في دينِنَا إلَّا تَحَيُّرًا!؟
ثُمَّ قَالَ: أَيُّها القسُّ: أَخْبِرني عَنْ رَجُلٍ حَلَّ بِهِ مَوْتٌ، أَيَكُونُ أهونَ عليه أَوِ القَتْل؟
قَالَ القِسُّ: القتل.
قَالَ: فَلِمَ لَمْ يقتل عيسى أُمَّهُ، عَذَّبَهَا بنَزْعِ النَّفْس (٢)؟ إِنْ قُلْتَ إنَّهُ قَتَلَهَا؛ فما بَرَّ أُمَّهُ من قَتَلَهَا!؟ وإِنْ قُلْتَ إِنَّهُ لم يَقْتُلْهَا؛ ما بَرَّ أُمَّهُ مَنْ عَذَّبَها بنَزْعِ النَّفْس؟!
_________________
(١) في "تاريخ دمشق": فثم.
(٢) ها هنا سقط في "تاريخ دمشق" المطبوع واضطراب يُصلح من نسختنا هذه، فانتبه.
[ ٣٦ ]
قَالَ القِسُّ: اذهبوا بهِ إلى الكنيسة العُظُمَى، فَإِنَّهُ لا يَدخُلها أحدٌ إِلَّا تنصَّرَ!
قَالَ الملكُ: اذهبوا به.
قَالَ الشَّيخُ: لماذا يُذْهبُ بي ولا حُجَّةَ عليَّ دُحِضَتْ؟
قَالَ الملكُ: لن يَضُرَّك، إنَّما هو بَيْتٌ مِن بُيُوتِ رَبِّكَ ﷿، تذكرُ اللَّهَ ﷿ فيه.
قَالَ الشَّيخُ: إِنْ كانَ هكذا فلا بَأْسَ.
قَالَ: فذهبوا به؛ فلمَّا دَخَلَ الكنيسة، وَضَعَ أُصْبعيه في أُذُنَيْهِ ورَفَعَ صَوْتَهُ بالأذانِ؛ فجزعوا لذلك جزعًا شديدًا وضَرَبُوهُ ولَبَّبُوهُ (١) وجاؤوا بِهِ إلى المَلك؛ فقالوا (٢): أَيُّهَا الملك! أَحَلَّ بِنَفْسِهِ القَتْلَ!
فَقَالَ لَهُ الملكُ: لم أَحْلَلْتَ بِنَفْسِكَ القَتْلَ؟
فَقَالَ: أَيُّهَا الملكُ، أينَ ذُهِبَ بي.
قَالَ ذَهَبُوا بكَ إلى بَيْتٍ مِن بُيُوتِ الله ﷿ لِتَذْكُرَ فِيِهِ رَبكَ ﷿!
قَالَ: فَقَدْ دَخَلْتُ وذَكَرْتُ ربي بلساني وعَظَّمْتُه بقلبي، فإن كان كُلما ذُكِرَ اللَّهُ في كنائِسِكُمْ يَصْغُرُ دينكم؛ فزادَكُمُ اللَّهُ صَغارًا!
قَالَ المَلك: صَدَقَ، ولا سبيلَ لكم عليه.
_________________
(١) بهامش الأصل: "التلبب: الخنق".
(٢) هنا نقص وسقط في "تاريخ دمشق" أيضًا، يقوم من نسختنا هذه.
[ ٣٧ ]
قالوا: أَيُّها الملكُ! لا نرضى حتَّى تَقْتُلَهُ.
قَالَ الشَّيخُ: إِنَّكمْ مَتَى قَتَلْتُمُوني، فَبَلَغَ ذلكَ مَلِكَنَا وَضَعَ يَدَهُ في قَتْلِ القِسِّيسينَ والأَساقِفَةِ وخَرَّبَ الكَنَائِسَ وكَسَرَ الصُّلُبَانَ ومنعَ النواقيس.
قَالَ: فَإِنَّهُ يَفْعَلُ؟
قَالَ: نعم! فَلاَ تَشُكُّوا!
فَفَكَّروا في ذلكَ؛ فَتَركوه.
قَالَ الشَّيخُ: أَيُّها الملكُ! ما عابَ أهلُ الكتاب على أَهْلِ الأَوْثَانِ؟
قَالَ: بما عبدوا ما عملوا بأيديهم.
قَالَ: فهل أنتم تعبدون ما عملتُم بأيديكم هذا الذي في كنائسكم؟ فَإِنْ كان في الإنجيل؛ فلا كلامَ لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل فلم تُشَبِّهُ دينكَ بدينِ أَهْلِ الأَوْثَانِ؟
قَالَ الملكُ: صَدَقَ؛ هل تجدونَ في الإنجيل؟
قَالَ القِسُّ: لا.
قال الملك: فلم تشبّه ديني بدين أَهْلِ الأوثانِ؟ فَأَمَرَ بِنَقْضِ الكَنَائِسِ؛ فجعلوا يَنْقضونها ويبكون.
قَالَ القِسُّ: إنَّ هذا لشيطانٌ من شياطينِ العَرَبِ رَمَى به البحرُ إليكم؛ فَأخْرِجُوهُ مِن حيثُ جاءَ؛ فلا يقطر من دمِهِ قطرةٌ في بلادكم؛ فيفسدُ عليكُم دينكم؛ فَوَكَّلُوا به رجالًا؛ فأخرجوه إلى بلاد دمشق،
[ ٣٨ ]
وَوَضَعَ الملكُ يَدَه في قَتْلِ القِسِّيسينَ والأَسَاقِفَةِ والبَطَارقةِ حتَّى هَرَبْوا إلى الشَّام لأنَّهم لم يجدوا أحدًا يُحاجّه.
تَمَّ الحديثُ بحمدِ الله وعَوْنه.
وصَلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم (١).
* * *
_________________
(١) فَرَغْتُ مِن نسخها بالمسجد الحرام تُجاه الكعبة المشرفة قبيل أذان العصر يوم الاثنين ٢٢ رمضان المبارك ١٤٢١ هـ، والحمد لله وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم. • قابلتُهُ بأصله المصور مع أخي وقرة عيني وحبيبي في الله فضيلة الشيخ المحقق والباحث المدقق تُفاحةِ الكويت محمَّد بن ناصر العجمي وصورة الأصل بيده وبقراءتي من منسوختي مع أذان العصر بالمسجد الحرام تجاه الكعبة المشرَّفة يوم الاثنين ٢٢ رمضان المبارك ١٤٢١ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات. وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. آمين. • فرغتُ من كتابة التعليقات والمقدمة بعد صلاة الفجر يوم الأربعاء ٢٥ جمادى الأولى ١٤٢٢ هـ، الموافق ١٥/ ٨/ ٢٠٠١ م بمكتبتي العامرة بأم الحصم من البحرين حرسها الله تعالى من الآفات والفتن ما ظهر منها وما بطن بمنِّه وكرمه، آمين. والحمد لله وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم. قاله وكتبه الفقير إلى الله تعالى خويدم العلم والعلماء بدولة البحرين: نظام بن محمَّد صالح يعقوبي العباسي، نفعه الله بالعلم وزيَّنه بالحلم، آمين.
[ ٣٩ ]