لقد روى الإمام علي بن المفضل عن كثير من الشيوخ، وقد رأيت الاقتصار على ترجمة من روى عنهم في هذا الجزء، ومنهم مشاهير كما سيأتي في تراجمهم، وقد أضفت عليهم ترجمة والده ﵀ المعدود أيضا في شيوخه، وهو:
القاضي الأجل الأنجب أبو المكارم المفضل بن علي بن مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن الحسن، المقدسي الأصل الإسكندراني الدار، والوفاة ١.
أما جملة من روى عنهم الأحاديث الستة عشر في هذا الجزء فهم تسعة شيوخ، وقد أسند عنهم في خمس وعشرين مرة، وقرن أحدَهم - وهو السِّلَفي أشهرهم - بشيخين في الحديث العاشر.
وقد روى الإمام علي بن المفضل - عن السلفي هذا - أحد عشر حديثًا٢، وأضاف إليه سبعة شيوخ مقرونين به في ستة أحاديث، وفي كل سند - من خمسة أسانيد٣ - بشيخ واحد، ما عدا الحديث العاشر الذي قرنه فيه بشيخين؛ كما تقدم، وأضاف الرواية عن سبعة شيوخ آخرين ليسوا مقرونين بالسلفي.
وفيما يلي تراجم هؤلاء الشيوخ مُرتّبة أسماؤهم على الوفيات:
- أبو عبيد نعمة بن زيادة الله بن خلف الغفاري. قال السلفي: “سمعت منه بالإسكندرية وحج في السنة التي حججت أنا فيها مع أبي - سنة سبع وتسعين وأربعمائة - وسمع عيسى بن أبي ذر الهروي بمكة وآخرين، قال السلفي: وقد سمع علي - بقراءتي بالإسكندرية على نفر من شيوخها - كثيرًا وكان من
_________________
(١) ١ التكملة لوفيات النقلة الترجمة: (٤٦)، وشجرة النور الزكية: ١/١٦٦. ٢ وهي الواردة بالأرقام: ١ و٢ و٧ و٨ و٩ و١٠ و١١ و١٣ و١٤ و١٥ و١٦. ٣ بالأرقام: ٢ و١١ و١٢ و١٣ و١٦.
[ ١٧٣ ]
أهل الصلاح والمجتهدين في طلب العلم والمواظبين على فعل الخير وتوفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة، في شهر ربيع الأول وقال لي ابنه عبيد: كان قبل وفاته يقول عمري الآن سبع وتسعون سنة” ١.
- أبو الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن سِلَفة الأصبهاني الحافظ العلامة الكبير مُسنِد الدنيا ومُعمّر الحُفّاظ. كان كثير التّرحال وأخذ عن الكثير من الشيوخ واستوطن الإسكندرية بضعًا وستين سنة مُكبًّا على الاشتغال والمطالعة والنسخ وتحصيل الكتب قال الذهبي: “وقد أفردت أخباره في جزء وقد جاوز المائة بلا ريب وإنما النّزاع في مقدار الزيادة، ومكث نيّفًا وثمانين سنة يُسمَع عليه ولا أعلم أحدًا مثله في هذا. مات يوم الجمعة بكرة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة”٢.
- علي بن حميد بن عمار الطرابلسي أبو الحسن المكي سمع صحيح البخاري من أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر الهروي وتفرّد به عنه، ورواه عنه جماعة آخرهم عبد الرحمن بن أبي حرمي. قال الذهبي: حدث به في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وترجمه بالمقري النحوي، توفي في شوال سنة ست وسبعين وخمسمائة بمكة، قال الفاسي: كذا وجدت وفاته ملحقة بوفاة الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي بخط شخص لا أعرفه وذكر أنه وجدها في ظهر نسخة من وفيات ابن المفضل بخط أبي الحسن التونسي ٣.
_________________
(١) ١ معجم شيوخ السفر للسلفي، ترجمة: ١٣٥٥ و١٣٥٦، وتحديد تاريخ حجّه مع أبيه بحسب ترجيح المحقق، وانظر السير: ١٩/١٧٢، وقد روى عنه الحديث رقم ١٠ مقرونا فيه بأبي الحسن علي بن حميد بن عمار وبالسلفي. ٢ العبر: ٣/٧١، وانظر السير: ٢١/٥، والتقييد لابن نقطة: ١/٢٠٤، وقد تقدم أنه روى عنه اثني عشر حديثا وتقدمت أرقامها. ٣ العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين: ٦/١٥٦.
[ ١٧٤ ]
- أبو القاسم بن بشكوال خلف بن عبد الملك بن مسعود الأنصاري القرطبي الحافظ محدث الأندلس ومؤرخها ومسندها مات سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وله أربع وثمانون سنة ١.
- أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن إسماعيل الزهري. قال عنه الذهبي: توفي صدر الإسلام أبو الطاهر الزهري الإسكندراني المالكي في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وله ست وثمانون سنة، تفقّه على أبي بكر الطرطوشي وسمع منه ومن أبي عبد الله الرازي، وبرع في المذهب وتخرّج به الأصحاب، وقصده السلطان صلاح الدين وسمع منه الموطّأ، كما كتب عنه السلفي، وهو من شيوخه، وأخذ عنه أيضا عبد الغني وابن المفضل٢.
- أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن بن مسعود المروزي الصوفي الرحال الأديب مات سنة أربع وثمانين وخمسمائة عن اثنتين وثمانين سنة سمع من أبي الوقت وطبقته وأملى بمصر مجالس وعُني بهذا الشأن وكتب وسعى وجمع فأوعى وصنف شرحًا طويلًا للمقامات. قال الذهبي: ليّنه المحدّثون. وقال ابن النجار: كان من الفضلاء في كل فن وكان من أظرف المشايخ وأجملهم٣.
- أبو إبراهيم القاسم بن إبراهيم بن عبد الله المقدسي الأصل المصري الدار الشافعي، مات بمصر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ومولده على التّخمين سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، سمع من أبي الحسن علي بن إبراهيم بن صولة البغدادي
_________________
(١) ١ العبر: ٣/٧٥، والسير: ٢١/١٣٩، وتذكرة الحفاظ: ٤/١٣٣٩ والبداية والنهاية: ١٢/٢٦١، وشذرات الذهب: ٦/٤٣٠، وقد روى عنه الحديث رقم ١١ مقرونا فيه بالسلفي. ٢ العبر: ٣/٨١، والسير: ٢١/١٢٢ - ١٢٣، وتذكرة الحفاظ: ١٣٣٦، وقد روى عنه الحديثين رقم ٣ و٤. ٣ العبر: ٣/٨٨، والتكملة الترجمة (٤١)، ولسان الميزان: ٥/٢٥٦، والسير: ٢١/١٧٣، وشذرات الذهب: ٦/٤٦١، وقد روى عنه الحديث رقم ٥.
[ ١٧٥ ]
وأبي القاسم عبد الغني بن طاهر بن إسماعيل بن الزعفراني وأبي عمر عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي١.
- أبو القاسم هبة الله بن أبي الحسن الخزرجي الكاتب الأديب مسند الديار المصرية ولد سنة ستّ وخمسمائة وسمع من أبي صادق المديني محمد بن بركات السعدي وطائفة وتفرّد في زمانه ورُحل إليه، توفي سنة تسعين وخمسمائة، سمع منه جماعة منهم علي بن المفضل٢.
- أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن عبد السلام بن المبارك ابن راشد التميمي الدارمي الريحاني المكي، بها سمع من أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي وأبي القاسم محمود بن عبد الكريم بن علي الأصبهاني وأبي بكر أحمد بن المقرب، قال المنذري: “وحدثنا عنه الحافظ أبو الحسن المقدسي وغيره، توفي سنة ستّ وتسعين وخمسمائة بمكة حرسها الله” ٣.
هذا وقد لوحظ أن الإمام علي بن المفضل ربما ذكر بعض شيوخه بصورة أخرى - غير الصورة المتقدمة - بحيث يذكر كنيته - ولم تتقدم - مع ذكر اسمه ويكنّي أباه ولا يسمّيه؛ كما صنع في (هبة الله علي بن ثابت الكاتب) في حديث رقم (٢) المقرون فيه بالسلفي، وأعاده مرة أخرى باسم (أبي القاسم هبة الله بن أبي الحسن الخزرجي) والشيخ هو هو نفسه، وهذا ما يُعرف بتدليس الشيوخ، ولعلّ الإمام علي بن المفضل استعمله على ما اعتاده بعض الرواة للتنويع أو
_________________
(١) ١ التكملة لوفيات النقلة: ١/١٦٨، وقد روى عنه الحديثين رقم ٦ و١٢. ٢ وانظر التكملة لوفيات النقلة الترجمة: (٦٦٧)، والسير: ٢١/٣٩٠، ووفيات الأعيان: ٦/٦٧، وقد روى عنه الحديثين رقم ٢ و١٣ مقرونا فيهما بالسلفي. ٣ التكملة لوفيات النقلة: ١/الترجمة: ٥٦٢، والعقد الثمين: ٦/١٤٩، وقد روى عنه الحديث رقم ١٦ مقرونا فيه بالسلفي.
[ ١٧٦ ]
لإيهام تكثير الشيوخ١، وقد صنع نحو ذلك بالنسبة للسِّلَفي في الحديث الأول الذي استفتح به؛ وذكره باسم (أبو الطاهر أحمد بن محمد بن سِلَفة الأصبهاني) ثم روى عنه في الحديث الثاني فأسند عنه باسم (أحمد بن محمد بن إبراهيم الحافظ) وهو السلفي نفسه، فنسب علي بن المفضل والد السلفي إلى جدّ جدّه لأن نسبه هكذا: (أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم)، وأما “سلفة” فهو لقب لجده أحمد.
وتدليس الشيوخ يختلف باختلاف المقاصد ٢، وهو لهذا الغرض المذكور لعلّه ليس فيه ملامة، وإن كان عدم استعماله وبيان الواقع هو الأولى والأحسن.
أما تلاميذه:
فلاشك أن المنزلة العلمية الرفيعة التي وصل إليها علي بن المفضل في الحديث وسعة باعه في حفظه جعلته قبلة أنظار طلبة العلم فوفدوا عليه بكثرة، ينهلون من منهله العذب الصافي، ويتخلّقون بأخلاقه من الثقة والأمانة والزهد والديانة، ولقد تخرّج على يدي هذا الإمام أئمة أجلاء في الحديث وعلومه والفقه وغير ذلك:
- وكان من أبرزهم ابنه أحمد الفقيه الصالح أبو الحسين المقدسي ثم الإسكندراني المالكي العدل. ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وتفقّه على مذهب الإمام
_________________
(١) ١ قال ابن الصلاح في تعريفه: “هو أن يروي عن شيخ فيسميه أو يكنيه أو ينسبه، أو يصفه بما لايعرف به كيلا يعرف”، قال الحافظ في النكت ص٦١٥: “قلت: ليس قوله: (بما لا يعرف به) قيدًا، بل إذا ذكره بما يعرف به - إلا أنه لم يشتهر به - كان ذلك تدليسًا” ومثل الحافظ ابن حجر لهذا بصنيع الخطيب؛ الذي ذكر ابن الصلاح أنه كان لهجًا بهذا النوع من التدليس في مصنفاته، وكذلك مثل الحافظ - في سياق ذلك - بصنيع البخاري في الذهلي. ٢ انظر اختصار علوم الحديث لابن كثير مع الباعث الحثيث ص: ١/١٧٦-١٧٨.
[ ١٧٧ ]
مالك ونشأ على غاية من الدين والورع والبرّ بالوالدين، توفي في صفر سنة ثلاث عشرة وستمائة١.
- عبد العظيم بن عبد القوى الحافظ الكبير زكي الدين أبو محمد المنذري الشافعي ثم المصري صاحب التصانيف الكثيرة ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة تخرج بأبي الحسن علي بن المفضل، ولي مشيخة الكامليّة ٢ مدة، وانقطع بها نحوًا من عشرين سنة مكبًا على العلم والإفادة وكان ثبتًا حجة متبحرًا في علوم الحديث عارفًا بالفقه والنحو، مع الزهد والورع والصفات الحميدة، توفي ﵀ في رابع ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة٣.
- ابن النجار، الحافظ الكبير محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي صاحب “ تاريخ بغداد ” ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، رحل إلى أصبهان، وخراسان، والشام ومصر، وكتب ما لا يوصف. وكان ثقة متقنًا واسع الحفظ، تام المعرفة بالفن، توفي في خامس شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة٤.
_________________
(١) ١ التكملة لوفيات النقلة: ٢/٣٦١ رقم ١٤٥٢، وتاريخ الإسلام للذهبي وفيات سنة ثلاث عشرة وستمائة. ٢ هي مدرسة أنشأها الكامل الأيوبي لتدريس الحديث النبوي، وقال السخاوي: (لا تزال إلى الآن وتعرف بجامع الكامل) . انظر ذيل رفع الإصر، أو: بغية العلماء والرواة ص٤٩٤ ٣ وانظر العبر: ٣/٢٨١، وتذكرة الحفاظ: ١٤٣٦، وسير أعلام النبلاء: ٢٣/٣١٩. ٤ العبر: ٣/٢٤٨، والسير: ٢٣/١٣١، وتذكرة الحفاظ: ٤/١٤٢٨، وطبقات الشافعية الكبرى: ٨/٩٨ - ٩٩، وشذرات الذهب: ٥/٧٠٣، والمراد بتاريخ بغداد: الذيل الذي ألّفه ابن النجار عليه كما بيّنتْه المراجع المذكورة.
[ ١٧٨ ]
المبحث الرابع: مؤلفاته ورحلاته
قال الذهبي: “له تصانيف محررة، ورأيت له في سنة ست وثمانين وستمائة كتاب (الصيام) بالأسانيد، وله (الأربعون في طبقات الحفاظ)، ولمّا رأيتها تحرّكت همّتي إلى جمع الحفاظ، وأحوالهم” ١.
وهذه الكتب منها:
١- (الأربعون المسلسلات) ذكرها الحافظ ابن حجر فقال إنه رواها سوى الحديث العشرين فإنه كان سقط من الجزء، وهو جزء ضخم بسماعه من أحمد ابن أبي بكر بن طي، قال أخبرنا: عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي، قال أخبرنا ابن المفضل٢. وأوردها الشيخ عبد الحي الكتاني بإسناده إلى ابن جابر الوادي آشى عن أبي حيان والذهبي كلاهما عن عبد المؤمن الدمياطي عن الحافظ زكي الدين المنذري عن الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي. وقال: وهو كما ترى مسلسل بالحفاظ٣.
٢- (الأربعون المرتّبة على طبقات الأربعين) وفيه تراجم لأربعين حافظًا أولهم الزهري وآخرهم ابن ماكولا. وفيها فوائد جمّة، قُرئت النسخة عليه وتحت السماع خطه. ٤
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء: ٢٢/٦٧، وتذكرة الحفاظ: ١٣٩١، وانظر التكملة: ٢/٣٠٧. ٢ المجمع المؤسس: ٢/٥٣٧. ٣ فهرس الفهارس: ٦٥٩، وبروكلمان: ١/٣٦٦، ذيل: ١/٦٢٧، انظر نوادر المخطوطات العربية بتركيا: ٢/٢٣٥. ٤ انظر السير: ٢٢/٦٧، وهدية العارفين: ٥/٧٠٤، وقد حُقّق في رسالة علمية بجامعة أم القرى للباحث محمد سالم العبادي نال بها درجة الماجستير عام ١٤١٣هـ بإشراف د. موفق عبد الله.
[ ١٧٩ ]
٣- كتاب الأربعين في فضل الدعاء والداعين يوجد منه الجزء الخامس وقد قام بتحقيقه بدر بن عبد الله البدر وهو آخر الكتاب وذكر أن بقيّة الأجزاء لا تتوفّر، وقد طبعه مع كتاب الأربعين على مذهب المحققين من الصوفية لأبي نعيم بتحقيقه أيضا ١.
٤- الأربعين الإلهية، لأبي الحسن علي بن المفضل المقدسي بسماعه على محمد بن غالي بسماعه على عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي بسماعه منه٢.
أما رحلاته:
فقد رحل من الإسكندرية إلى مصر سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وسمع من أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي، والعلامة أبي محمد عبد الله ابن بري النحوي، وأبي الفضل هبة الله بن الحسن بن عبد السلام المعروف بابن الطوير وغيره وحج وجاور بمكة شرفها الله وسمع بها من عدد من الشيوخ وحدث بالحرمين الشريفين والإسكندرية، ومصر وغيرها٣.
_________________
(١) ١ ط دار ابن حزم للطباعة والنشر، بيروت: ١٩٩٣ م. ٢ المجمع المؤسس: ٢/٧٥. ٣ انظر المراجع في الصفحة السابقة.
[ ١٨٠ ]