قال الخطيبُ البغداديُّ: «وَقَع بينه؛ أي: محمَّدِ بنِ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ، وبين محمَّدِ بنِ عبدِ الله بن سليمانَ مطيَّنٍ الحضرميِّ كلامٌ، حتّى خَرَج كلُّ واحدٍ منهما إلى الخشونةِ والوقيعةِ في صاحبه، فأجريتُ بعضَ ما بينهما لمحمَّدِ بنِ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ بعد أن سَمِعتُ المكروهَ من كلِّ واحدٍ منهما في صاحبِه، فقلتُ: ما هذا الاختلافُ الذي وَقَع بينكما؟
[ ١٤ ]
قال: روى مُطيَّن، عن عُبيدِ بنِ يعيشَ، عن مصعبِ بنِ سلامٍ، عن أبي سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «تناصحوا في العلمِ؛ فإنّ خيانةَ أحدِكم في علمِه، أشدُّ من خيانتِه في مالِه، والله مُسائلُكم عنه».
فقال: غَلِط فيه مُطيَّنٌ، وإنَّما هو عن مصعبِ بنِ سلامٍ، عن أبي سعيدٍ وليس هو أبا سعدٍ.
قال: وإنّما رواه مطينٌ، فقال عن أبي سعدٍ، يريد به البقّالَ.
ورَوَيتُ أنا وقلتُ: عن أبي سعيدٍ عبدِ القدّوسِ بنِ حبيبٍ.
فقلتُ له: عمَّن رَوَيتَ؟ فقال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمَّدِ بنِ ميمونٍ، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، قال: حدَّثنا عبدُ القدوسِ بنُ حبيبٍ الدمشقيُّ أبو سعيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «تناصحوا في العلمِ؛ فإنّ خيانةَ أحدِكم في علمِه، أشدُّ من خيانتِه في مالِه» (^١).
قال أبو نعيمٍ: فسَبَق إلى وهمي أنّ هذا الغلطَ قد يكونُ من عُبيدِ بنِ يعيشَ؛ إذ كانت روايةُ محمَّدِ بنِ عثمانَ هي عن إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ ميمونٍ، ثمَّ ذَكَرتُ فيما: حدَّثنا عمّارُ بنُ رجاءٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ يعيشَ، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، عن أبي سعيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ … فذَكَر هذا الحديثَ.
وحدَّثنا مطينٌ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ يعيشَ، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، عن أبي سعدٍ، عن عكرمةَ، فذَكَر مثلَه.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٢٧٠ ح ١١٧٠١) قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبيد بن يعيش، ثنا مصعب بن سلام، عن أبي سعد، به.
[ ١٥ ]
قال أبو نعيمٍ: فقلتُ: إنّ الصوابَ فيما رواه محمَّدُ بنُ عثمانَ، وأنَّه لم يغلطْ فيما ردَّ على مُطيَّنٍ من روايتِه عن عبيدِ بنِ يعيشَ.
قال أبو نعيمٍ: وهذا سماعي قديمًا، ثمَّ سَمِعتُ من مُطيَّنٍ الحضرميِّ هذا الحديثَ بعد ذلك بعشرين سنةً في «فوائد الحاجّ»، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ يعيشَ، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، عن أبي سعدٍ، قال: أبو جعفرٍ الحضرميُّ: يعني عبدَ القدوسِ بنَ حبيبٍ الدمشقيَّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ.
كأنَّ الحضرميَّ بيَّنه بذلك، وقال: يعني عبدَ القدوسِ، ولم يقل: عن أبي سعيدٍ، وقال: عن أبي سعدٍ، فأقرَّ سعدًا على حالِه، ولم يُقرَّ الاسمَ.
قال لي محمَّدُ بنُ عثمانَ: وقد غَلِط أيضًا في حديثٍ آخرَ، ثم قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ في ليلةِ القدرِ ليلةَ سبعٍ وعشرين (^١).
قال محمَّدُ بنُ عثمانَ: وإنَّما هو موقوفٌ، وقد حدَّث به مُطيَّنٌ مرفوعًا، ولم يُحدِّث به أُبيٌّ إلا موقوفًا.
ثمَّ قال محمَّدُ بنُ عثمانَ: حدَّثنا يحيى الحِمّانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ اليمانِ، عن شَرِيكٍ، عن عثمانَ أبي اليقظانِ، عن أنسٍ ﴿ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥].
قال: يظهرُ الربُّ تعالى يومَ القيامةِ (^٢).
قال محمَّدُ بنُ عثمانَ: وحدَّث به مطينٌ، عن يحيى الحمانيِّ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (ص ٧٩٣).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (ص ٩٠) قال: حدثني عمار بن نصر المروزي، ثنا يحيى بن يمان بنحوه.
[ ١٦ ]
قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شريكٌ … ولم يذكر يحيى بنَ اليمانِ فيما بينهما.
قال أبو نُعيمٍ: ثمَّ لَقِيتُ محمَّدَ بنَ عثمانَ ببغدادَ سنةَ تسعٍ وثمانين، وسنةَ تسعين وإحدى، وهو يذكرُ مُطيَّنًا بسوءٍ، وبَلَغني أنّ مُطيَّنًا يذكرُه أيضًا بسوءٍ، وأنّ تلك المقالاتِ والمراسلاتِ باقيةٌ بعدُ إلى تلك الغايةِ.
قال أبو نعيمٍ: وسألتُ الحضرميَّ بالكوفةِ سنةَ تسعين عن محمَّدِ بنِ عثمانَ، -ومحمَّدُ بنُ عثمانَ حينئذٍ مقيمٌ ببغدادَ-، فقال: حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدَّثنا ابنُ مهديِّ، عن حمادِ بنِ زيدٍ، قال: سألتُ أيوبَ عن رجلٍ، فقال: لم يكن مستقيمَ اللسانِ. فرأيتُه يذكرُه بالطعنِ عليه.
فقيل له: إنّ محمَّدَ بنَ عثمانَ يروي عن محمَّدِ بنِ عمرانَ بنِ أبي ليلى، عن أبيه، عن ابنِ أبي ليلى، عن فُضيلٍ في التشهُّدِ.
فقال: موضوعٌ.
قال أبو نعيمٍ: والذي يُعرف بهذا الإسنادِ حديثُ ابنِ أبي ليلى، عن فضيلِ بنِ عمرٍو، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ كان إذا استخار الله في الأمر يريدُ أن يصنعَه يقول: «اللهم إنّي أستخيرُك بعلمِك، وأستقدرُك بقدرتِك …» (^١) فذَكَر الحديثَ.
قال مطينٌ: ومن أين لَقِي محمَّدَ بنَ عمرانَ؟ فعَلِمتُ أنّه يحملُ عليه من غيرِ توقُّفٍ.
_________________
(١) أخرجه البزار في «مسنده» (١٥٨٣) من طريق: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، به.
[ ١٧ ]
فقلتُ لمطينٍ: ومتى مات محمَّدُ بنُ عمرانَ؟ فقال: سنةَ أربعٍ وعشرين.
فقلتُ لابني: اكتب هذا التاريخَ.
فرأيتُه قد نَدِم على ذلك، فقال: مات محمَّدُ بنُ عمرانَ بعد هذا، فذَكَر موتَه بعد ذلك بسنين، وذكر منجابًا، فقال: مات بعد ثلاثين.
ثم قال: مات إسماعيلُ بنُ الخليلِ سنةَ أربعٍ وعشرين، وشهابُ بنُ عبّادٍ سنةَ أربعٍ وعشرين.
فرأيتُه قد غَلِط في موتِ محمَّدِ بنِ عمرانَ فضمَّه إلى إسماعيلَ بنِ الخليلِ، وشهابِ بنِ عبادٍ، ورأيتُه قد أنكر عليه أيضًا أحاديثَ.
وذَكَرتُ لمحمَّدِ بنِ عثمانَ شيئًا من ذكرِ مطينٍ، فذَكَر أحاديثَ عن مطينٍ مما ينكرُ عليه، وقد كنتُ وَقَفتُ على تعصُّبٍ وَقَع بينهما بالكوفةِ سنةَ سبعين، وعلى أحاديثَ يُنكِر كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه، ثمَّ ظَهَر أنّ الصوابَ الإمساكُ عن القبولِ من كلِّ واحدٍ منهما في صاحبِه.
قال أبو نُعيمٍ: «ورأيتُ موسى بنَ إسحاقَ الأنصاريَّ يميلُ إلى مطينٍ في هذا المعنى حين ذُكِر عنده، ولا يطعنُ على محمَّدِ بنِ عثمانَ، ويثني على مُطيَّن ثناءً حسنًا» (^١).
قال الذهبيُّ: «وقد تكلَّم فيه محمَّدُ بنُ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ، وتكلَّم هو في ابنِ عثمانَ، فلا يُعتدُّ غالبًا بكلامِ الأقرانِ، لا سيَّما إذا كان بينهما منافسةٌ؛ فقد عدَّد ابنُ عثمانَ لمطيَّنٍ نحوًا من ثلاثةِ أوهامٍ، فكان ماذا؟ ومطيَّنٌ أوثقُ
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٤: ٦٨).
[ ١٨ ]
الرجُلَين، ويكفيه تزكيةُ مثلِ الدارقطنيِّ له» (^١).
وقال أيضًا: «ولأبي جعفرٍ العبسيِّ -هو محمَّدُ بنُ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ- كلامٌ في مطيَّنٍ، وعدَّد له نحوًا من ثلاثةِ أوهامٍ، فلا يُلتَفت إلى كلامِ الأقرانِ بعضِهم في بعضٍ، وبكلِّ حالٍ فمُطيَّنٌ ثقةٌ مطلقًا، وليس كذلك العبسيُّ» (^٢).
وقال: «حطَّ عليه محمَّدُ بنُ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ، وحطَّ هو على ابنِ أبي شيبةَ، وآل أمرُهما إلى القطيعةِ. ولا يُعتدُّ -بحمد الله- بكثيرٍ من كلامِ الأقرانِ بعضِهم في بعضٍ».
وقال: «مطينٌ وثَّقه النّاس، وما أصغوا إلى ابنِ أبي شيبةَ» (^٣).
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: «وقد أنكر موسى بنُ هارونَ الحافظُ أيضًا على مطينٍ أحاديثَ، لكن ظَهَر الصوابُ مع مطينٍ».
وقال الحاكمُ في تاريخِه: «سَمِعتُ أبا عبدِ الله محمَّدَ بنَ العبّاسِ يقول: سَمِعتُ أبا ترابٍ الموصليَّ -هو محمَّدُ بنُ إسحاقَ بنِ محمَّدٍ- يقولُ: جَمَع موسى بنُ هارونَ، عن أبي جعفرٍ الحضرميِّ ثلاثَ مئةِ حديثٍ أنكرها عليه، فكَتَبتُها وخَرَجتُ إلى الكوفةِ، فدَخَلتُ على أبي جعفرٍ فسألني فلمّا خلا بي قال: ما هذا الذي يبلغُني عن أبي عمرانِ تاب الله علينا وعليه؟ فقلتُ: قد جَمَعتُ الأحاديثَ التي يذكرُها، فقال: ائتني بها، فأتيتُه بها فقال: اذكر حديثًا حديثًا، فكنتُ أذكرُ الحديثَ، فيقومُ ويخرجُه من أصلِ كتابِه، في مجالس كُتُبه،
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٤: ٤٢).
(٢) «تذكرة الحفاظ» (٢: ١٧٢).
(٣) «ميزان الاعتدال» (٣: ٦٠٧).
[ ١٩ ]
حتى أخرجها كلَّها من أصولِه» (^١).