[ ١ / ١٣٧ ]
أخبرتنا الشيخة نور العين لامعة بنت المبارك بن كامل الخفاف قالت: أنبأنا الشيخ الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، قال: أنبانا أبو العباس أحمد بن محمد الطهراني قال: أنبأنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن يوه قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد اللبناني قال: أنبانا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي المعروف بابن أبي الدنيا.
[ ١ / ١٣٧ ]
٣٠٩ - أخبرنا محمد بن علي بن شقيق، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول:
لا يعطى أحد من الدنيا شيئًا إلا انتقص من آخرته مثله.
ويقال: باء بمثليه من الهم، ولا يعطي أحد من الدنيا شيئًا إلا قلبها بمثليه من الشغل، فإن شئت فاستكثر منها، وإن شئت فأقلل، والله ما تأخذ إلا من كيسك.
[ ١ / ١٣٧ ]
٣١٠ - وحدثنا محمد بن علي، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت فضيل بن عياض، يقول:
قيل يا موسى: أيحزن عبدي المؤمن أن أزوي عنه الدنيا، وهو أقرب له مني، ويفرح أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني.
[ ١ / ١٣٧ ]
٣١١ - حدثنا محمد بن عبد الله المدائني، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: لا يصيب عبد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله ﷿، وإن كان عليه كريمًا.
[ ١ / ١٣٨ ]
٣١٢ - حدثنا محمد بن علي، أخبرنا إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل يقول:
ما رأيت أحدًا عظم الدنيا فقرت عينه فيها، ولا انتفع بها، وما حقرها أحد إلا تمتع بها.
[ ١ / ١٣٨ ]
٣١٣ - قال: قال: وسمعته يقول، يعني الفضيل:
عامة الزهد في الناس يعني إذا لم تحب ثناء الناس، ولم تبال بمذمتهم.
[ ١ / ١٣٨ ]
٣١٤ - حدثنا محمد بن علي، أخبرنا إبراهيم بن الأشعث، أخبرنا الفضل بن عثمان أخبرنا سلام بن مسكين، قال: سمعت الحسن، يقول: ⦗١٣٩⦘
أهينوا الدنيا فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن هانها.
[ ١ / ١٣٨ ]
٣١٥ - حدثني الخليل بن عمرو، أخبرنا ابن السماك، عن عبد الواحد بن زيد، عن الحسن، قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا أعطاه من الدنيا عطية، ثم يمسك، فإذا أنفد عاد عليه، وإذا هان عليه عبد بسطها له بسطًا.
[ ١ / ١٣٩ ]
٣١٦ - حدثني محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن عمر بن الكميت الكلابي، قال: سمعت داود بن يحيى بن يمان، عن أبيه، قال: قال بهيم:
إنما أخاف أن تدفق الدنيا دفقة فتغرقني.
[ ١ / ١٣٩ ]
٣١٧ - وحدثني محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن عمر الكلابي، قال: كان بعض العلماء يدعو: أيا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، أمسك عني الدنيا.
[ ١ / ١٣٩ ]
٣١٨ - حدثني محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن عمر بن الكميت، عن زافر بن سليمان، عن عثمان بن زائدة، قال: قيل لمحمد بن الحنفية:
من أعظم الدنيا قدرًا؟ ⦗١٤٠⦘ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطرًا، إنه ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.
[ ١ / ١٣٩ ]
٣١٩ - وحدثني محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن عمر بن الكميت، قال: مكتوب في حكمة عيسى ﵇: من علامة المريدين للزهد في الدنيا تركهم كل خليط لا يريد ما يريدون.
[ ١ / ١٤٠ ]
٣٢٠ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الأشعث، أخبرنا الفضيل بن عياض، عن محمد بن سوقة، قال: أمران لو لم نعذب إلا بهما كنا مستحقين بهما لعذاب الله: أحدنا يزاد الشيء من الدنيا فيفرح فرحًا ما علم الله أنه فرحه بشيء زاده قط في دينه، وينقص الشيء من الدنيا فيحزن عليه حزنًا ما علم الله أنه حزنه على شيء نقصه قط في دينه.
[ ١ / ١٤٠ ]
٣٢١ - حدثنا محمد بن علي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الأشعث، أنبأنا يحيى بن سليم، قال: قال لي عمر بن محمد بن المنكدر:
أرأيت لو أن رجلًا صام الدهر لا يفطر، وقام الليل لا يفتر، وتصدق بماله وجاهد في سبيل الله ﷿، واجتنب محارم الله ﷿، غير أنه يؤتى يوم القيامة ⦗١٤١⦘ على رؤوس الخلائق في ذاك الجمع الأعظم بين يدي رب العالمين فيقال: ها إن هذاعظم في عينه ما صغر الله، وصغر في عينه ما عظم الله، كيف ترى يكون حاله؟ فمن منا ليس هذا، هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا.
[ ١ / ١٤٠ ]
٣٢٢ - وحدثنا محمد بن علي، أخبرنا أبو إسحاق، قال: سمعت الفضيل: يقول: ذكر عن نبي الله ﷺ، أنه قال:
إذا عظمت أمتي الدنيا نزع منها هيبة الإسلام، وإذا تركت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي.
ذكر سفيان نحوه.
وقال سفيان ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
قال: سأنزع عن قلوبهم فهم القرآن.
[ ١ / ١٤١ ]
٣٢٣ - حدثنا محمد بن علي، أخبرنا أبو إسحاق، قال: سمعت الفضيل: يقول:
رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة.
[ ١ / ١٤١ ]
٣٢٤ - حدثنا محمد بن علي، قال: قال أبو إسحاق، وسمعت ⦗١٤٢⦘ الفضيل يقول: قال أبو الدرداء:
لا تزال نفس ابن آدم شابة في حب الدنيا والدرهم ولو التقت ترقوتاه من الكبر، إلا الذين امتحن الله قلوبهم للآخرة وقليل ما هم.
[ ١ / ١٤١ ]
٣٢٥ - وحدثنا محمد بن علي، أخبرنا أبو إسحاق، قال: سمعت الفضيل يقول: قال أبو حازم:
اشتدت مؤونة الدنيا، ومؤونة الآخرة، فأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد لها أعوانًا، وأما مؤونة الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجرًا قد سبقك إليه.
[ ١ / ١٤٢ ]
٣٢٦ - حدثني الحسن بن الصباح حدثني عبد الله بن محمد، وكان من خير الرجال، قال: أخبرنا أبو المغيرة المخزومي، حدثني سعيد بن مسلمة، أخبرني ابن حميد الطويل رجل ممن كان انقطع إلى مكة من أهل الفضل، وليس بابن حميد البصري،: أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يقول في دعائه: اللهم إنك جعلت الدنيا فتنة، ونكالًا، فاجعل حظي من جميعها ونصيبي من قسمها، وشوقي من سلطانها، سلوًا عنها، وعملًا بما ترضى به عني.
[ ١ / ١٤٢ ]
٣٢٧ - وقال بعض حكماء الشعراء: أرى علل الدنيا تروح وتغتدي علينا كأطراف الأسنة في القنا
أخوض من الدنيا غرورًا كأنه سراب من الآمال واللهو والمنى ⦗١٤٣⦘
ولي كل يوم بالمنايا معرض من الحادثات ليس غيري بها عنى
كفى عجبًا أني أموت وأنني مكب على الدنيا أبني بها البنا
تعلقت بالدنيا غرورًا بلهوها إذا استحيت الدنيا هنا قتلت هنا
وما أنا إلا كالغريق تشبثت يداه التماسًا للحياة بما رنا
وما أنا إن لم يلبس الله ستره وما أنا إن لم يرحم الله من أنا
[ ١ / ١٤٢ ]
٣٢٨ - وقال: عجبت من الدنيا ومن حبنا لها ولم تزل الدنيا تعرض للبغض
لهوت وساعات النهار أحثثته بلطف للإبرام مني وللنقض
[ ١ / ١٤٣ ]
٣٢٩ - وقال: وللدينا منى فاحذر مناها منى الدنيا مراتعها وخيمة
دع الدنيا لراضي الرتع فيها يعيش برتعه عيش البهيمة
وما زالت صروف الدهر تجري فمقلقة ومقعدة مقيمة
وغب الصبر عافية وروح وليس الصبر إلا بالعزيمة
[ ١ / ١٤٣ ]
٣٣٠ - حدثني أبو عمر الأزدي، قال: نظر رجل من العرب إلى أخيه وحرصه على الدنيا، فقال: أي أخي أنت طالب ومطلوب، يطلبك ما لا تفوته وتطلب ما قد كفتيه، فكان ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، أي أخي كأنك لم تر حريصًا محرومًا، ولا زاهدًا مرزوقًا.
[ ١ / ١٤٣ ]
٣٣١ - حدثني أبو عمر الأزدي، قال: وعظ رجل من العرب ابنًا له فقال:
يا بني إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، ويسعى معها، فالهرب منها قبل العطب فيها، فقد والله آذنتك ببين، وانطوت لك على خنن.
[ ١ / ١٤٣ ]
٣٣٢ - أنشدني عمر بن علي بن هارون: إنما الدنيا حدور فعزيز وذليل
وأخو الفقر حقير وأخوا المال نبيل
وإذا ما الجد ولى عذب الرأي الأصيل
كل بؤس ونعيم فهو في الدنيا يزول ⦗١٤٤⦘
ثم يبقى الله والأعما ل والفعل الجميل
[ ١ / ١٤٣ ]
٣٣٣ - قال أبو بكر: قرأت في كتاب لداود بن رشيد بخطه دخل ابن السماك على هارون فقال: عظني وأوجز فقال:
ما أعجب يا أمير المؤمنين ما نحن فيه، كيف غلب علينا، وأعجب ما نصير إليه كيف غفلنا عنه، عجب لصغير حقير إلى الفناء يصير غلب على كثير طويل دائم غير زائل.
[ ١ / ١٤٤ ]
٣٣٤ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي مسعود القتات، قال: قال ابن السماك:
إن الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، وإن الذي بقي منها في جنب الذي مضى قليل، وإنما لك منها قليل، ولم يبق من قليلك إلا قليل، وقد أصبحت في دار الشراء، ودار الفداء، وغدًا تصير إلى دار الجزاء ودار البقاء، فاشتر اليوم نفسك، وفادها بكل جهدك لعلك أن تخلص من عذاب ربك.
[ ١ / ١٤٤ ]
٣٣٥ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي مسعود القتات، قال: قال ابن السماك:
إن الذي يخاف من شر الدنيا أعظم من الشر الذي نحن فيه منها، وإنما يوضح شر الدنيا عند الفراق لها إن صرنا إلى الهلاك بها.
[ ١ / ١٤٤ ]
٣٣٦ - حدثنا الفضل بن سهل، أخبرنا أبو النضر هاشم ⦗١٤٥⦘ بن القاسم، أخبرنا محمد بن طلحة، عن أبي غرارة، قال: مر على عبد الله بن عمر براذين عبد الله بن الزبير بمنى، وهي تروث الشعير فقال:
أما إن المعاد لو دان واحدًا ما غلبونا على الدنيا كأنه يعزي نفسه.
[ ١ / ١٤٤ ]
٣٣٧ - حدثني أبو جعفر الضبي، حدثني حسين بن عبد الله، عن سفيان، قال: إن لم تدعوا الدنيا رغبة في الآخرة، فاتركوها اتقاء أن تكون مبارة، ومبارك أكثرها فيها منكم.
[ ١ / ١٤٥ ]
٣٣٨ - حدثني ابن أبي مريم، قال: قال سلمة بن غفار: قال سفيان:
إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي.
[ ١ / ١٤٥ ]
٣٣٩ - وحدثني ابن أبي مريم، عن خالد بن يزيد القرني، قال: أخبرنا فروة الخياط، عن رجل من البصرة يقال له: صالح، قال: سمعت فرقد السبخي يقول: ⦗١٤٦⦘ خدعتكم الدنيا وأبطرتكم، أما والله لتدعنها غير محمودين، ولا معروف لكم ذلك.
[ ١ / ١٤٥ ]
٣٤٠ - قال أبو بكر: قرأت في كتاب داود بن رشيد بخطه: حدثني أبو عبد الله الصوفي، قال: قال إبراهيم بن أدهم:
إنما زهد الزاهدون في الدنيا اتقاء أن يشاركوا الحمقى، والجهال في جهلهم.
[ ١ / ١٤٦ ]
٣٤١ - وقرأت في كتاب داود أيضًا: وحدثني أبو عبد الله قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن أن عظني وأوجز فكتب إليه الحسن:
أما بعد: فإن رأس ما هو مصلحك ومصلح به على يديك: الزهد في الدنيا، وإنما باليقين، واليقين بالتفكر، والتفكر بالاعتبار، فإذا أنت فكرت في الدنيا لم تجدها أهلًا أن تبيع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلًا أن تكرمها بهوان الدنيا، فإنما الدنيا دار بلاء ومنزل غفلة.
[ ١ / ١٤٦ ]
٣٤٢ - وقرأت في كتاب داود بن رشيد، حدثني أبو عبد الله، قال: قال عيسى بن مريم:
طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله.
[ ١ / ١٤٦ ]
٣٤٣ - قال: وحدثني أبو عبد الله، قال: قال أبو المغيرة البصري:
لو أن عبدًا شغل نفثة من نفثاته فأصاب بتلك النفثة الدنيا بما فيها كان هو المغبون في حاضرة القيامة.
[ ١ / ١٤٦ ]
٣٤٤ - قال: وقال عيسى بن مريم:
يا معشر الحواريين ازهدوا في الدنيا تمشوا فيها بلا هم.
[ ١ / ١٤٦ ]
٣٤٥ - قال: وقال عبد الله: قال أبو هاشم:
كانوا وإن كانت الدنيا في أيديهم كانوا فيها لله خزانًا، لم ينفقوها في ⦗١٤٧⦘ شهواتهم، ولا لذاتهم، كانوا إذا ورد عليهم حق من حقوق الله أمضوها فيه
[ ١ / ١٤٦ ]
٣٤٦ - وقرأت في كتاب داود بن رشيد قال بعض الحكماء: كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة.
[ ١ / ١٤٧ ]
٣٤٧ - حدثنا محمد بن عبد الله المديني، أخبرنا إسماعيل بن عياش الحمصي، حدثني أبو راشد التنوخي، عن يزيد بن ميسرة، قال: كان أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة، ولو وجدوا لها اسمًا شرًا منه سموها به، وكانوا إذا أقبلت إلى أحدهم دنيا قالوا: إليك إليك يا خنزيرة، لا حاجة لنا بك، إنا نعرف إلهنا.
[ ١ / ١٤٧ ]
٣٤٨ - حدثنا الحسن بن عيسى، أنبانا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر، ويونس، عن الزهري، أن عروة بن الزبير، أخبره أن المسور بن مخرمة، أخبره أن عمرو بن عوف، وهو حليف بني عامر بن لؤي، وكان شهد بدرًا مع رسول الله، ﷺ، أخبره: أن رسول الله ﷺ، بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ليأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلى رسول الله ﷺ تعرضوا له فتبسم رسول الله ﷺ، حين رآهم، ثم قال: ⦗١٤٨⦘ أظنكم علمتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال ﷺ: أبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم
[ ١ / ١٤٧ ]
٣٤٩ - حدثني أبو جعفر القرشي، عن شيخ من قريش، قال: قال خالد بن صفوان:
بت أفكر فكسبت البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان وطمران.
وزاد غيره:
فلما تدبرت أمري إذا أمنيتي أمنية أحمق.
[ ١ / ١٤٨ ]
٣٥٠ - وأنشدني الحسين بن عبد الرحمن إبراهيم بن داود في مثل ذلك: حاسبت نفسي فوجدت الذي من كل ما في الأرض يكفيها
قوتًا يقيم الصلب منها وإن قل وأطمارًا تواريها
فإن هي استغنت بهذا الذي يكفي فإن الله مغنيها
[ ١ / ١٤٨ ]
٣٥١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي عن عبد الله بولى، عن أبيه من أصحاب النبي ﷺ،: أن رسول الله ﷺ، أتى جبل الأحمر فرأى شاة ميتة، فأخذها بأنفنا، فقال: ⦗١٤٩⦘ أترون هذه كريمة على أهلها؟ قالوا: وما كرامتها؟ قال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها.
[ ١ / ١٤٨ ]
٣٥٢ - حدثنا أبو خيثمة، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت: عن النبي ﷺ قال: من كانت الآخرة نيته جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له.
[ ١ / ١٤٩ ]
٣٥٣ - قال أبو الحسن: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا أبو عبد الرحمن المقرئ، أخبرنا الربيع بن صبيح، ⦗١٥٠⦘ عن زيد الرقاشي، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ، قال:
من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له.
[ ١ / ١٤٩ ]
٣٥٤ - حدثنا عبد الله، حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، أخبرنا داود بن المحبر، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال: رسول الله ﷺ:
من كانت الدنيا همه وسدمه، لها يشخص، ولها ينصب، وإياها ينوي، جعل الله ﷿ الفقر بين عينيه، وشتت عليه ضيعته، ولم يأته إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه وسدمه، لها يشخص، ولها ينصب، وإياها ينوي جعل الله ﷿ الغنى في قلبه، وجمع عليه ضيعته، وأتته الدنيا وهي صاغرة راغمة.
[ ١ / ١٥٠ ]
٣٥٥ - حدثنا عبد الله، حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أخبرنا ⦗١٥١⦘ المعلى بن أسد العمي، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني بلال بن سعد التيمي، عن أبيه أن أبا الدرداء ذكر الدنيا، فقال: إنها ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لله ﷿، وما ابتغي به وجهه.
[ ١ / ١٥٠ ]
٣٥٦ - حدثنا عبد الله، حدثني يعقوب بن عبيد، أخبرنا أبو عاصم النبيل، عن محمد بن عمارة، عن عبد الله بن عبد الرحمن: أن النبي صلى اله عليه وسلم أتى بهدية، فالتمس في البيت شيئًا يضعه فيه، فقال:
ضعه بالحضيض، فلو كانت الدنيا تعدل عند الله ﷿ شيئًا، ما أعطى كافرًا منها قدر جناح بعوضة.
[ ١ / ١٥١ ]
٣٥٧ - حدثنا عبد الله، أخبرنا أحمد بن عيسى المصري، أخبرنا ⦗١٥٢⦘ عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى، عن عبد الله بن محمد، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال:
ما ذئبان جائعان ضاريان في غنم تفرق أحدهما في أولها، والآخر في آخرها، بأسرع منها فسادًا من امرئ في دينه يبتغي شرف الدنيا ومالها.
[ ١ / ١٥١ ]
٣٥٨ - حدثنا عبد الله، حدثني زيد بن إسماعيل بن سيار، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا محمد بن بشر العبدي، أخبرنا مسلم الأعور، أخبرنا عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء، قال: قال الحسن:
من أحب الدنيا حرصًا وسرته، خرج خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد علمًا ثم ازداد على الدنيا حرصًا، لم يزدد من الله ﷿ إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا بغضًا.
[ ١ / ١٥٢ ]
٣٥٩ - حدثنا عبد الله، حدثني شجاع بن الأشرس، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن مطعم بن المقدام الصنعاني، وغيره، عن محمد بن واسع، ⦗١٥٣⦘ قال: كتب سلمان إلى أبي الدرداء: أي أخي: إياك أن تجمع من الدنيا ما لا تؤدي شكره، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله ﷿ فيها، وماله بين يديه، كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: امض فقد أديت حق الله ﷿ في، ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها، وماله بين كفيه، كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: ويلك ألا أديت حق الله ﷿ في، فما يزال كذلك، حتى يدعو بالويل والثبور.
[ ١ / ١٥٢ ]
٣٦٠ - حدثنا عبد الله، أخبرنا هارون بن عبد الله، أخبرنا سيار، أخبرنا جعفر، أخبرنا مالك بن دينار، قال: قال: أبو هريرة: الدنيا موقوفة ما بين السماء والأرض كالشن البالي، تنادي بهذا منذ يوم خلقها إلى يوم فنائها: يا رب لم تبغضني؟ يا رب لم تبغضني؟ فيقول لها: اسكتي يا لا شيء، اسكتي يا لا شيء.
[ ١ / ١٥٣ ]
٣٦١ - حدثنا عبد الله، أخبرنا شجاع بن الأشرس، أخبرنا إسماعيل بن عياش، حدثني عبد الله بن دينار البهراني، وغيره: أن المسيح ﵇ كان يقول لأصحابه:
بحق أقول لكم، إن شركم عملًا عالم يحب الدنيا، ود لو أن الناس كلهم ⦗١٥٤⦘ كانوا في عمله مثله، ما أحب إلى عبيد الدنيا لو يجدون معذرة، وما أبعدهم منها لو كانوا يعلمون.
[ ١ / ١٥٣ ]
٣٦٢ - حدثنا عبد الله، أخبرنا صالح بن مالك، أخبرنا عبيد الله أبو مسلم الجعفي قائد الأعمش عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله بن مسعود:
دخلت على رسول الله ﷺ، وهو نائم في غرفة له، وكأنها بيت حمام، فإذا هو نائم على حصير قد أثر بجلده، فجعلت أبكي وأمسح عنه وأبكي، فقال: يا عبد الله ما يبكيك؟ .
قلت: يا رسول الله ذكرت كسرى وقيصر يفترشان الحرير والديباج.
فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة، ما أنا والدنيا إلا كمثل رجل مر في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة، فلما أبرد ارتحل، وذهب.
[ ١ / ١٥٤ ]
٣٦٣ - حدثنا عبد الله، أخبرنا يحيى بن سليمان المحاربي، أخبرنا مسعر بن كدام، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة قال: كانوا يتواصون فيما بينهم بثلاثة أحرف، يكتب بها بعضهم إلى بعض: من عمل لله كفاه الله الناس ومن عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح سريرته أصلح الله له علانيته.
[ ١ / ١٥٤ ]
٣٦٤ - حدثنا عبد الله، حدثني إبراهيم بن يعقوب، قال: قال العمري عبد الله بن عبد العزيز:
الزهد: الرضا.
[ ١ / ١٥٤ ]
٣٦٥ - حدثني عبد الله قال: حدثني من سمع أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان الداراني، قال:
الورع أول الزهد، والقناعة أول الرضا.
[ ١ / ١٥٥ ]
٣٦٦ - قال أحمد: وقلت لأبي هشام عبد الملك المغازلي: أي شيء الزهد؟
قال: قطع الآمال، وإعطاء المحمود، وخلع الراحة.
[ ١ / ١٥٥ ]
٣٦٧ - قال أبو بكر: وزعم إسحاق بن إبراهيم أن أيوب بن شبيب، قال: حدثني محمد بن ثور، عن أبي حنيفة، وليس بصاحب الرأي، عن أبي السحماء، قال: بينا أنا أسير بين الإسكندرية والفسطاط، إذا برجل على فرس، فقال: يا أبا السحماء ما تعدون الزهد فيكم؟ قال: قلت: ترك هذا الحطام.
قال: لا، ولكن هو ان يتواجد الرجل في المكان الذي يرجو أن يراه الله فيه فيرحمه.
[ ١ / ١٥٥ ]
٣٦٨ - حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي، قال: كان أبو السحماء الكلبي قد بلغ من الدنيا والسلطان مبلغًا، ثم عزم على الزهد فيها، فترك ذلك أجمع، وأقبل على العبادة والنسك.
[ ١ / ١٥٥ ]
٣٦٩ - قال: وأخبرني الحارث بن مسكين: أنه خرج مرة إلى الإسكندرية ⦗١٥٦⦘ فنزل منزلًا، فقال: الحمد لله استرحنا من صحبة الملوك، نمد أرجلنا إذا شئنا ونبكي إذا شئنا، ونعمل ما أردنا.
[ ١ / ١٥٥ ]
٣٧٠ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز: أن عيسى بن مريم ﵇ قال:
من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.
[ ١ / ١٥٦ ]
٣٧١ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن داود بن عبيد الله بن مسلم الحنفي قال: كان بعض الحكماء يقول في كلامه:
في كل حال تلقى الدنيا مختمرة متنكرة، حتى إذا هبطت ديارًا لها، كشفت قناعها، وتحسرت، فانتصبها العاملون مثالًا لأنفسهم، فنظروا فيها بالعبر، وقطعوا قلوبهم كمدًا خرج إليها بالفكر في الغير، أولئك الذين أنزلوا الدنيا حق منزلتها، فهم فيها أهل كلال ووصب، قد ذوبوا الأجساد، وأظمأوا الأكباد خوفًا، أن يحل بهم ما يحل بالهالكين قبلهم، الذين أناخت الدنيا في ديارهم، فأشعرتهم من طوارق مثلها، ما صاروا بذلك عبرًا وحديثًا للباقين من بعدهم، فالقوم في مناجاة العزيز بالاستكانة له، والتذلل والتضرع إليه، والاستعاذة به من شر ما تهجم به الدنيا على أوليائها، والرغبة إليه في الخلاص من ذلك، لا يستكثرون له من أنفسهم طاعة، ولو ماتوا قيامًا على الأعقاب متعبدين، ولا يستصغرون من أنفسهم إلى الدنيا من المعاصي لحظة، ولو كانوا أيام حياتهم عنها معرضين، ملأت الآخرة قلوبهم، فليس لأنفسهم عندهم في الدنيا راحة، أولئك الذين اتصلت قلوبهم بمحبة وصف سيدهم دار القرار، فعلقوا من الوصف بأوهام العقول، ما استطارت لذلك قلوبهم، وغشيت عن غيره أبصارهم، فعيشهم في الدنيا منغوص، وحظها منها عند أنفسهم ⦗١٥٧⦘ منقوص، ينظرون إليها بعين الرهبة منها، فإذا ذكرت عندهم الآخرة جاءت الرغبة فطاشت عندها العقول.
قال: وكان يقول:
إن الدنيا كأس سكرات، أماتت شاربيها وهم أحياء، فعموا وهم يبصرون وصموا وهم يسمعون، وخرسوا وهم ينطقون.
قال: وكان يقول:
ليت الدنيا لم تخلق، وليتها إذا خلقت لم أخلق:
قال: وكان يقول:
تصرعنا ونثق بها، وترينا عبرها فنواريها عن أنفسنا، فيا عجبًا كل العجب من زاهد فيك، وأنت ترغبين فيه، ويا عجبًا كل العجب من ماقت لك، وأنت له محبة.
[ ١ / ١٥٦ ]
٣٧٢ - أنشدني أبو جعفر القرشي: أيهاالنائم الذي عينه الدهر نائمة أيقظ العين إنها بالأماني حالمة
لا تغرنك الحياة بدنيا مسالمة إنها بعد سلمها ذات يوم مراغمة
[ ١ / ١٥٧ ]
٣٧٣ - وأنشدني أبو جعفر: احذر من الدنيا تعبثها فكم من صالح عبثت به ففسد
ما بين فرحتها وترحتها إلا كما قام امرؤ وقعد
يا ذا المزوق دار ملك بل مضروبة مثلًا لدار أبد
كم من أخ لك مات مستلب كشهاب ضوء لاح ثم خمد
[ ١ / ١٥٧ ]
٣٧٤ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا أحمد بن عبد الله بن عياض القرشي، أخبرنا عبد الوهاب بن همام، أخبرنا عبد الصمد بن معقل عن ⦗١٥٨⦘ وهب قال: قرأت في كتاب شعيا أنه قيل ليونس بن متى:
يا يونس إذا أحب العالم الدنيا نزعت لذة مناجاتي من قلبه.
[ ١ / ١٥٧ ]
٣٧٥ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا علي بن ميسرة الرازي، أخبرنا عبد العزيز بن أبي عثمان، حدثني عثمان بن زائدة عن عمران القصير أنه قال: ألا صابر كريم لأيام قلائل، حرام على قلوبكم أن تجد طعم الإيمان، حتى تزهدوا في الدنيا.
[ ١ / ١٥٨ ]
٣٧٦ - حدثني محمد بن إدريس سمعت العباس بن الجلال يقول: قال سابق البربري:
أصبحتم جزرًا للموت يأخذكم كما أن البهائم في الدنيا لكم جزر
وليس يزجركم ما توعدون به والبهم يزجرها الراعي فتنزجر
ما يشعرون بها في دينهم نقصوا جهلًا وإن نقصت دنياهم شعروا
أبعد آدم يرجون الخلود وهل يبقى فروع لأصل حين ينقعر
لا ينفع الذكر قلبًا قاسيًا أبدًا والحبل في الحجر القاسي له أثر
[ ١ / ١٥٨ ]
٣٧٧ - حدثني سلمة بن شبيب، عن زهير بن عباد الرواسي، عن داود بن هلال النصيبي، قال: قال عيسى بن مريم ﵇:
ويلكم علماء السوء من أجل دنيا دنية، وشهوة رزية، تفرطون في ملك الجنة، وتنسون هول يوم القيامة.
[ ١ / ١٥٨ ]
٣٧٨ - حدثني سلمة بن شبيب، عن عبد الوهاب بن نجدة، عن ⦗١٥٩⦘ بقية بن الوليد، عن ضبارة بن عبد الله الألهاني، عن دويد بن نافع، قال: قال عيسى بن مريم ﵇:
تعملون لدنيا صغيرة وتتركون الآخرة الكبيرة، وعلى كلكم يمر الموت.
[ ١ / ١٥٨ ]
٣٧٩ - وحدثني سلمة، عن آدم بن أبي إياس، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: والله ما أصبح في الدنيا ما يغر ذا قلب، وكلكم ذو قلب، ولكن ما يغر ذا قلب حي.
[ ١ / ١٥٩ ]
٣٨٠ - وحدثني سلمة، أنه حدث عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: الخاسر من عمر دنياه بخراب آخرته، والخاسر من استصلح معاشه بفساد دينه، والمغبون حظا من رضي بالدنيا من الآخرة، فإنه قال لقوم: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ .
[يونس: ٧] .
[ ١ / ١٥٩ ]
٣٨١ - حدثني سلمة، أخبرنا سهل بن ⦗١٦٠⦘ عاصم، قال: قال الأصمعي:
كان يقال خبر الدنيا أشد من مختبرها، ومختبر الآخرة أشد من خبرها.
[ ١ / ١٥٩ ]
٣٨٢ - حدثني سلمة، أخبرنا سهل بن عاصم، أخبرنا عبدة بن سليمان، قال: قال خالد بن يزيد بن معاوية:
ابن آدم لا يلهك أهل، إنما أنت فيهم ضعيف غير أهل، لا تزايلهم، ولا تلهينك مساكن، إنما أنت فيهم عمرى عن مساكن أنت مخلد فيها أبدًا.
ابن آدم إنك إنما تسكن يوم القيامة في بيت اليوم، وتنزل يومئذ على ما نقلت في حياتك من متاعك.
[ ١ / ١٦٠ ]
٣٨٣ - حدثني سلمة بن شبيب، عن أحمد بن أبي الحواري، قال: قال لي أبو عبد الله الناجي: تدري أي شيء قلت البارحة يا أحمد؟ قلت:
إنه قبيح بعبد ضعيف مثلي يعلم عظيمًا مثلك ما لا يعلم، إنك تعلم إني لو جعلت لي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالًا لقذرتها، ولم أردها.
[ ١ / ١٦٠ ]
٣٨٤ - حدثني سلمة بن شبيب، عن زهير بن عباد، عن داود بن هلال، قال: أوحى الله إلى داود:
ما لقلوب أحبائي وما للغم بالدنيا، إن الغم بها يمص حلاوة مناجاتي من ⦗١٦١⦘ قلوبهم مصًا، داود لا تجعل بيني وبينك عالمًا قد أسكرته الدنيا، فيحجبك بسكره عن محبتي، أولئك قطاع طريق عبادي المريدين.
[ ١ / ١٦٠ ]
٣٨٥ - حدثني سلمة بن شبيب، عن عبد الله بن عمر الواسطي، عن أبي الربيع الأعرج، عن شريك، عن جابر، قال: قال لي محمد بن علي:
يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب، قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها، يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة، لم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثوب الأبرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثر لله معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله، قطعوا محبتهم لمحبة ربهم، ونظروا إلى الله ومحبته بقلوبهم، وتوحشوا من الدنيا بطاعة مليكهم، وعلموا أن ذلك منظور إليه من شأنه، وأنزل الدنيا بمنزل نزلت به وارتحلت منه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت، وليس معك منه شيء، واحفظ الله ﷿ ما استرعاك من دينه وحكمته.
[ ١ / ١٦١ ]
٣٨٦ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن الحسين بن زياد المروزي، قال: قال معدان:
اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثك فيها.
[ ١ / ١٦١ ]
٣٨٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن شيخ له، عن يوسف بن أسباط، قال: قال لي زرعة: ⦗١٦٢⦘
من كان صغير الدنيا في عينيه أعظم من كبير الآخرة، كيف يرجو أن يصنع له في دنياه وآخرته.
[ ١ / ١٦١ ]
٣٨٨ - حدثنا روح بن عبد الرحمن، أخبرنا صالح بن عبد الكريم، قال: قال بعض الحكماء:
إنما نسلم من الدنيا فيها، فمن أخذ منها لها خرج منه، وحوسب عليه، ومن أخذ منها لغيرها قدم عليه، وأقام فيه.
[ ١ / ١٦٢ ]
٣٨٩ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن بعض أشياخه، قال: قال الحسن:
إنما الدنيا غموم وهموم، فإذا رأى أحدكم منها سرورًا فهو ربح.
[ ١ / ١٦٢ ]
٣٩٠ - أنشدني أحمد بن موسى البصري، قوله: أشكو إلى الله نفسًا ما تلائمني تبغي هلاكي ولا آلو أناجيها
ما إن تزال تناجيني بمعصية فيها الهلاك وإني لا أواتيها
أعيت وأعييتها تأبى وأقذعها وربما غلبتني ثم أثنيها
أخيفها بوعيد الله مجتهدًا وليس تنفك يلهيها ترجيها
بل قل لموطن دار لا يقربها كأنه خالد فيها يعانيها
أهل رأيت سليمًا من بوائقها أم هل سمعت بحي خالد فيها
أما تخاف ذنوبًا جمة سلفت أنسيت عدتها والله يحصيها
يا رب سيئة باشرت منكرها فبت تظهرها والله يخفيها
وأنت في كل يوم مبصر عبرًا منًا من الله تحذيرًا وتنبيها
أما ترى الموت ما ينفك مختطفًا من كل ناحية نفسًا فيحويها
قد نغصت أملًا كانت تؤمله وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم بعد الغضارة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا منها وما ادخروا بين الأقارب تحويه أدانيها
فامهد لنفسك في أيام مدتها واستغفر الله مما أسلفت فيها
[ ١ / ١٦٢ ]
٣٩١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني شعيب بن راشد، عن أبي روح الأنصاري، قال: كان من دعاء الحسين:
اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى اعرف صدق ذلك في قلبي بالزهد مني في دنياي، اللهم ارزقني بصرًا في أمر الآخرة حتى أطلب الحسنات شوقًا، وأفر من السيئات خوفًا من ربي.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٢ - حدثني أبو العباس الأزدي عبيد الله بن جرير، أخبرنا محمد بن أبي بكر، قال: قال ابن السماك: كان يقال كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٣ - قال: وذكر سعيد بن أبي الحسن الدنيا، فقال الحسن: يا سعيد سهوت حتى ذكرت الدنيا.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٤ - قال: وقال الحسن:
لو لم تكن لنا ذنوب إلا حبنا الدنيا خشينا أن يعذبنا الله.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٥ - قال: وقال رجل لإخوانه:
تعالوا حتى نستغفر الله من شيء لا يستغفر الناس منه، حبنا للدنيا.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٦ - قال: وكان يقال: إنما ساء العمل من طول الأمل.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٧ - وحدثني عبيد الله الأزدي، أخبرنا محمد بن أبي بكر، أخبرنا ⦗١٦٤⦘ بشر بن عباد، عن الأسود بن شيبان، حدثني خالد بن شمير، قال: مر ابن عمر بمكة، فإذا نجدة وابن الزبير متصافين بالبطحاء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه نجدة وابن الزبير، قال: لقد أعظم هؤلاء الدنيا.
[ ١ / ١٦٣ ]
٣٩٨ - حدثني أبو إسحاق الأزدي، أخبرنا زيد بن عوف، أخبرنا شيخ يقال له: الفضل بن داود، عن أبي عمران، أخبرنا شيخ كان ينزل مصر، قال: أوحى الله ﷿ إلى داود:
لا تجعل بيني وبينك عالمًا قد سكن قلبه حب الدنيا، إن أهون ما أعاقبهم به أن أنزع حب مناجاتي من قلوبهم.
[ ١ / ١٦٤ ]
٣٩٩ - حدثني أبو الفضل العباس الدوري مولى بني هاشم، أخبرنا الحسن بن الربيع، أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، ﷺ:
من كانت الدنيا همه جعل الله فقره في قلبه، وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.
[ ١ / ١٦٤ ]
٤٠٠ - وحدثني الفضل، أخبرنا محمد بن الطفيل، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: ⦗١٦٥⦘
حزن الدنيا للدنيا يذهب بهم الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة.
[ ١ / ١٦٤ ]
٤٠١ - حدثنا الحارث بن محمد العمي، أخبرنا سعيد بن عامر، أخبرنا هشام صاحب الدستوائي، قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام عيسى ﵇:
تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير العمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويلكم علماء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة، كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئًا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته، وهو مقبل في دنياه أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته، وهو مقبل على دنياه؟ وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به الناس، ولا يطلب الكلام ليعمل به.
[ ١ / ١٦٥ ]
٤٠٢ - أنشدني شيخ لنا: سل الأجداث عن صور بلينا وعن خلق نعمن فصرن طينا
وعن ملك تعذر بالأماني وكان يظن أن سيعيش حينا
فجاد بنفسه للموت لما أتاه وكان بجودها أبدًا ضنينا
فصار على اليمين إلى التنادي بلا حراك المقلب لليمينا
لقد أبت القبور على شفيق أتاها أن تفك له رهينا
هي الدنيا تفرق كل جمع وإن ألف القرين بها القرينا
[ ١ / ١٦٥ ]
٤٠٣ - حدثني محمد بن حاتم قال: سمعت ⦗١٦٦⦘ قبيصة قال: سمعت الثوري يقول:
خير الدنيا لكم ما لم تبتلو به منها، فإذا ابتليتم بها فخيرها لكم ما خرج من أيديكم منها.
[ ١ / ١٦٥ ]
٤٠٤ - حدثني صالح بن مالك أخبرنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: إنكم أصبحتم في دار مذمومة لأهلها، خلقت فتنة وضرب لها أجل، إذا انتهت إليه تنفد، فهي دار قلعة ومنزل بلغة، أخرج نباتها وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم خبر الذي هم إليه صائرون، وأمر فيه عباده بما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها، ووعدهم الخير عليه، فهم في قبضته فليس منهم معجز له من أعمالهم شيء يخفى عليه، فهم يعملون أعمالًا مختلفة، شعبهم فيها شتى، بين عاص ومطيع، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله ﷿ فيما عهد إلى عباده، وأنزل عليهم من كتابه، رغب في الدنيا أحدًا من خلقه، ولا رضي لهم بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الله فيها الآيات، وضرب الأمثال لها في العيب لها، والنهي عنها، والرغبة في غيرها، وقد تبين للصالحين من عباد الله أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن هائل المطلع، غير والله شبيه بما هم فيه، ولا يشبه ثوابهم ولا عقابهم، ولكنها دار الخلود يدين الله العباد بأعمالهم، وينزلهم منازلهم، ثم لا يتغير بؤس عن أهله، ولا نعيم، وأن الدنيا دار عمل من صحبها بالبغض لها، والزهادة فيها، والهضم لها، سعد بحظه من الله، ومن صحبها بالحب لها والرغبة فيها، خسر حظه عند الله، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه، ولا طاقة له به من عذاب الله وسخطه، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله ولي ميراثها، وأهلها متحولون عنها إلى منازل لا تبلى، ولا يغيرها طول العمر فيها بفناء فيموتون، ولا وإن طال الثواء فيها يخرجون، فاحذروا ذلك الموطن، وأكثروا ذكر المنقلب، ولذلك ⦗١٦٧⦘ فاعدد، ومن شره فاهرب، ولا يلهينك المتاع الفاني، واقطع ابن آدم من الدنيا أكبر همك، وبادر أجلك، ولا تقل غدًا غدًا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير، ولا تكن يا بن آدم مغترًا، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم، ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منهن حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك، وحضور تلك الأمور كلها فإنما بعافية من شرها، ونجاة من هولها، وإما بهلكة فليس بعدها خير ولا انتعاش.
[ ١ / ١٦٦ ]
٤٠٥ - حدثني صالح بن مالك أخبرنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: ابن آدم لا تعلق قلبك بالدنيا فتعلقه بشر معلق، قطع حبالها، وغلق أبوابها، حسبك أيها المرء ما بلغك المحل، حمقًا تباهي بمالك، وحمقًا تباهي بولدك، وأنت في غم الساعة، هيهات هيهات، ذهبت الدنيا لحال، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم.
[ ١ / ١٦٧ ]
٤٠٦ - قال بعض حكماء الشعراء: أبا لمنزل الفاني تؤمل أن تبقى كفاك بما ترجو وتأمله خرقا
رأيت قوى الدنيا يزيد انتقاصها ويدعو إليه صفو لذاتها الرنقا
وفي كل يوم محدث لك فرقة ترى خطبها خطبًا جليلًا وإن دقا
لعمرك ما الدنيا بباقية ولا بها أحد يبقى فتطمع أن تبقى
[ ١ / ١٦٧ ]
٤٠٧ - وقال حكيم من الشعراء: بان منه الشباب فهو كثيب وعلا العارضين منه مشيب
ليت شعري ماذا أرجي من الدنيا ولم يبق لي عليها حبيب
أفردتني الخطوب من أهل ودي حسرتي ما تريد مني الخطوب
كل يوم لي من خليل فراق أي عيش مع الفراق يطيب
[ ١ / ١٦٧ ]
٤٠٨ - حدثني أبو محمد التميمي، قال: قال ابن السماك:
كأن المعمور من هذه الدنيا قد ارتحل عنه، وكأن المغفول من الآخرة قد أناخ بأهله فثم، فضع الهموم.
[ ١ / ١٦٧ ]
٤٠٩ - حدثني الحسن بن عبد العزيز، أخبرنا أبو مسهر، أخبرنا سعيد بن عبد العزيز: أن عيسى ﵇ نظر إلى إبليس، فقال:
هذا أركون الدنيا إليها خرج، وإياها سأل، لا أشركه في شيء منها، ولا حجرًا أضعه تحت راسي، ولا أكثر فيها ضاحكًا حتى أخرج منها.
[ ١ / ١٦٨ ]
٤١٠ - حدثني هارون بن إبراهيم الإمام، أخبرنا أبو سعيد البجلي، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: مر إبليس بعيسى بن مريم وهو متوسد حجرًا، فقال له: يا عيسى قد رضيت من الدنيا بهذا الحجر؟ قال: فأخذ من تحت رأسه فقذف به إليه، فقال: هذا لك مع الدنيا لا حاجة لي فيه.
[ ١ / ١٦٨ ]
٤١١ - حدثنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمير بن هانئ العنسي، قال:
قلت لابن عمر: كيف تقول فينا، وفي هؤلاء؟ قال: ما أنا لكم بحامد، ولا لهم بغادر، أنتم أصحاب دنيا تنافستموها بينكم، تهافتون في النار تهافت الذباب في المرق.
قال: قلت: أرأيت؟ قال: إن شئت، قلت: أرأيت، أرأيت، ألك رحل؟ انطلق إلى رحلك.
[ ١ / ١٦٨ ]
٤١٢ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، أخبرنا عبد ⦗١٦٩⦘ الله بن المبارك، قال: قال سلام بن أبي مطيع:
الزهد على ثلاثة وجوه: واحد أن يخلص العمل لله ﷿، والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما لا يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن تزهد فيه، وهو تطوع، وهو أدناها.
[ ١ / ١٦٨ ]
٤١٣ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرني عبد الحميد بن صالح، أخبرنا قطري الخشاب، عن عبد الوارث، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ:
إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله ﷿ للدنيا، وفرقة يعبدونه رياء وسمعة، وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره، فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا: بعزتي وجلالي ومكاني، ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك، الدنيا.
فيقول: إني لم أقبل من ذلك شيئًا، اذهبوا بهم إلى النار.
ويقول للذين كانوا يعبدونه رياء وسمعة: بعزتي وجلالي ومكاني، ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك، رياء وسمعة.
قال: فإني لم أقبل من ذلك شيئًا، اذهبوا بهم إلى النار.
قال: ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه ولداره: بعزتي وجلالي ومكاني، ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك، لوجهك ولدارك.
فيقول: صدقتم، اذهبوا بهم إلى الجنة.
[ ١ / ١٦٩ ]
٤١٤ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا ابن أبي ليلى، أخبرنا موسى أبو محمد المدني، مولى عثمان بن عفان، عن خالد بن يزيد بن عبد الرحمن، عن ⦗١٧٠⦘ أبيه، عن جده: أن علي بن أبي طالب قال في خطبته:
أوصيكم بتقوى الله، والترك للدنيا التاركة لكم، وإن كنتم لا تحبون تركها المبلية أجسامكم، وإن كنتم تريدون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كمثل سفر سلكوا طريقًا، فكأنهم قد قطعوه، أو أفضوا إلى علم فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية، وكم عسى أن يبقى من له يوم من الدنيا، وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها، فلا تجزعوا لبؤسها، وضرائها، فإنه إلى انقطاع، ولا تفرحوا بنعيمها فإنه إلى زوال، عجبت لطالب الدنيا، الموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه.
[ ١ / ١٦٩ ]
٤١٥ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، أخبرنا آدم أخبرنا أبو عاصم إمامنا بعابدان، عن سلم بن بشير قال: إن الحواريين قالوا لعيسى ﵇: يا روح الله علمنا عملًا واحدًا يحببنا إلى الله ﷿؟ قال: ابغضوا الدنيا يحببكم الله.
[ ١ / ١٧٠ ]
٤١٦ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا هريم بن عثمان، عن سلام بن مسكين، عن مالك بن دينار، قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة والنساء حبالة الشيطان والخمر داعية كل شر.
[ ١ / ١٧٠ ]
٤١٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي يزيد الرقي، عن يوسف بن أسباط، قال: من صبر على الأذى، وترك الشهوات، وأكل الخبز من حلاله، فقد أخذ بأصل الزهد.
[ ١ / ١٧٠ ]
٤١٨ - وحدثني علي، قال: سئل بعض الحكماء عن الزهد فقال:
إن من أدنى الزهد أن يقعد أحدكم في منزله، فإن كان قعوده لله وإلا خرج، ⦗١٧١⦘ ويخرج فإن كان خروجه لله رضي، وإلا رجع، فإن كان رجوعه لله رضي وإلا ساح، ويخرج درهمه فإن كان إخراجه لله رضي وإلا حبسه، ويحبسه فإن كان حبسه لله رضي وإلا رمى به، ويتكلم فإن كان كلامه لله رضي وإلا سكت، ويسكت فإن كان سكوته لله رضي وإلا تكلم.
فقيل له: هذا صعب؟ فقال: هذا الطريق إلى الله عز وحل، وإلا فلا تتعبوا.
[ ١ / ١٧٠ ]
٤١٩ - حدثنا محمد بن عبيد الله، أخبرنا يونس بن محمد، أخبرنا المعتمر بن سليمان، قال: كتب ليث: من ليث بن أبي سليم إلى سليمان بن طرخان:
سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو العلي العظيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، فإن المتقي ينفعه من عمله ما قل منه أو كثر، جعلنا الله وإياك برحمته من المتقين، كتبت إليك ونحن ومن قبلنا أهلنا وإخواننا على ما كان من شيء بنعمة الله وعافيته، فله الحمد.
أتاني كتابك تذكر فيه ما ليس يخفى على ذي عقل، ولا قوة إلا بالله، قد أعلم أن الرسل إنما بعثت بهدم الدنيا، وبناء الآخرة، والناس فيها حدثني من أدرك أصحاب الرسول ﷺ، أنهم قالوا: كنا إذا أسلمنا أقبلنا إلى الآخرة، وتركنا الدنيا لأهل الشرك، وإن الناس اليوم أقبلوا على أمر دنياهم، وتركوا أمر آخرتهم.
[ ١ / ١٧١ ]
٤٢٠ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني إبراهيم بن رجاء، قال: سمعت ابن السماك يقول:
الناس ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب، فأما الزاهد فأصبح قد خرجت الأفراح ⦗١٧٢⦘ والأحزان من صدره عن اتباع هذا الغرور، فهو لا يفرح بشيء من الدنيا آتاه، ولا يحزن على شيء من الدنيا فاته، ولا يبالي على عسر أصبح، أم على يسر، فهذا المبرز في زهده، وأما الصابر: فرجل يشتهي الدنيا بقلبه، ويتمناها بنفسه، فإذا ظفر بشيء منها ألجم نفسه عنها كراهة شتاتها، وسوء عاقبتها، فلو تطلع على ما في نفسه عجبت من نزاهته وعفته.
أما الراغب: فلا يبالي من أين أتته الدنيا، ولا يبالي دنس فيها عرضه، او وضع فيه حسبه، أو جرح دينه، فهؤلاء في غمرة يضطربون، وهؤلاء أنتن من أن يذكروا.
[ ١ / ١٧١ ]
٤٢١ - أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: وطالبا حاجة الدنيا قد اختلفا وطالما اختلفت بالناس حالاتها
فطالب ليربح النفس أوبقها وطالب ليربح النفس عناها
[ ١ / ١٧٢ ]
٤٢٢ - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، أخبرنا محمد بن طفيل، أخبرنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن، قال: دخولك على أهل السعة مسخطة.
[ ١ / ١٧٢ ]
٤٢٣ - وحدثنا محمد بن عمارة، أخبرنا قبيصة، أخبرنا سفيان، عن الصلت بن بهرام، عن الحسن، قال: ما بسطت الدنيا لأحد إلا اغترارًا.
[ ١ / ١٧٢ ]
٤٢٤ - أنشدني الحسن بن عبد الرحمن: كفلت يا طالب الدنيا بهم طويل لا يؤول إلى انقطاع
وذل في الحياة بغير عز وفقر لا يؤول إلى اتساع
وشغل ليس يعقبه فراغ وسعي دائم من كل اتساع
وحرص لا يزال عليه عبدًا وعبد الحرص ليس بذي ارتفاع
[ ١ / ١٧٢ ]
٤٢٥ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قيل: لرجل من قريش: ما الزهد؟ قال:
والله ما هو بالتقشف ولا بخشونة للمطعم، ولكنه طلق النفس عن محبوب الشهوة.
[ ١ / ١٧٣ ]
٤٢٦ - وحدثنا الحسن بن عبد العزيز، أخبرني موسى بن أبي عمران وكان أحد العلماء: قال: قدم أعرابي المدينة فصلى الجمعة، فسمع الخطبة فأعجبه ما سمع، فلما صلى انصرف إلى منزله، ودخل الأعرابي مع من دخل فأتي بطعام، فرأى من ألوان الطعام ما لم يشبه ما تكلم به، فأنشأ يقول:
لقد رابني من اهل يثرب أنهم يهمهم تقويمنا وهم عصل
يذمون الدنيا وهم يرضونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
إذا ركبوا الأعواد قالوا فأحسنوا ولكن حسن القول يفسده الفعل
[ ١ / ١٧٣ ]
٤٢٧ - حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، أخبرنا معمر بن سليمان، عن سعيد بن عوسجة،: أن أبا الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ:
لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا، ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة.
ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه:
لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا راجع إليها، إلا ما لا بد لكم منه، ولكن يغيب عن ⦗١٧٤⦘ قلوبكم ذكر الآخرة، وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم، وصرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما فيه عاقبته لكم، لاتحابون، ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين، ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم، ما لكم تناصحون في أمر الدنيا، لا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته، ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم، لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها، كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة، لأنها أملك بأموركم، فإن قلتم حب العاجلة غالب؟ فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل منها، تكدون أنفسكم بالمشقة، والاحتراق في أمر لعلكم لا تدركونه، فبئس القوم أنتم، ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم، فإن كنتم في شك مما جاء به محمد ﷺ فائتونا فلنبين لكم، ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم، والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم، فنعذركم، إنكم لتبينون صواب الرأي في دنياكم، وتأخذون بالحزم في أمركم، ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه، وتحزنون على اليسير منها يفوتكم، حتى يتبين ذلك في وجوهكم، ويظهر على ألسنتكم، وتسمونها المصائب، وتقيمون فيها المآتم، وعامتكم قد تركوا كثيرًا من دينهم، بما لا يتبين ذلك في وجوهكم، ولا يتغير حال بكم، إني لأرى الله قد تبرأ منكم بلقاء بعضكم بعضًا بالسرور، فكلكم يكره أن يستقبل صاحب بما يكره مخافة أن يستقبل صاحبه بمثله، فأصبحتم على الغل، ونبتت مراعيكم على الدمن، وتصافيتم على رفض الأجل، لوددت أن الله أراحني منكم، وألحقني بما أحب رؤيته لو كان حيًا لم يصابركم، فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرًا، والله أستعين على نفسي وعليكم.
[ ١ / ١٧٣ ]
٤٢٨ - حدثني هارون بن إبراهيم الإمام، أخبرنا زيد بن الحباب أخبرنا موسى بن عبيدة، أخبرني أخي عبد الله بن عبيدة، عن عروة بن الزبير: أن مصعب بن عمير وعليه نمرة ما تكاد تواريه، والنبي ﷺ، جالس ومعه نفر من ⦗١٧٥⦘ أصحابه، فلما رأوه نكسوا، ليس عندهم ما يعطونه.
قال: فأثنى عليه النبي ﷺ خيرًا.
قال: فسلم، فقال رسول الله ﷺ:
لقد رأيته عند أبويه وما فتى من فتيان قريش مثله، يكرمانه وينعمانه، فخرج من ذلك ابتغاء مرضاة الله ونصرة رسوله، أما إنكم لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم فيها، أما إنه لا يأتي عليكم إلا كذا حتى تفتحوا فارس والروم فيغدوا أحدكم في حلة، ويغدو عليكم بقصعة، ويراح عليكم بأخرى.
[ ١ / ١٧٤ ]
٤٢٩ - حدثني أحمد بن محمد بن سليمان، أنه حدث عن حليسي الضبعي، عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، قال: قال لي عمران بن حطان: إني لعالم بخلافك، ولكن على ذلك أحفظ، ثم أخذ بيدي فقال:
حتى متى تسقي النفوس بكأسها ريب المنون وأنت لاه ترتع
أحلام نوم أو ظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع
فتزودن من قبل يومك زادا أم هل لغير لا أبا لك تجمع
[ ١ / ١٧٥ ]
٤٣٠ - حدثني صالح بن مالك، أخبرنا أبو عبيدة الناجي، قال: قال الحسن:
طالبان يطلبان: فطالب الآخرة مدرك بما طلب، لا فوت به عليه، وطالب الدنيا عسى أن يصيب منها قليلًا، وما يفوته منها أكثر، إن الدنيا لما فتحت على أهلها كلبوا والله أشد الكلب، حتى عدى بعضهم على بعض بالسيف، وحتى استحل بعضهم حرمة بعض، فيا لهذا فسادًا ما أكثره.
[ ١ / ١٧٥ ]
٤٣١ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا عيسى بن ميمون أبو عمرو النجدي، قال: سمعت صالحًا المري يقول في كلامه:
وكيف تقر بالدنيا عين من عرفها؟ قال: ثم يبكي، ويقول: خلف الماضين، وبقية المتقدمين، رحلوا أنفسكم عنها قبل الرحيل، فكأن الأمر عن قريب قد نزل.
قال: ثم بكى.
[ ١ / ١٧٥ ]
٤٣٢ - وأنشدني أبو جعفر القرشي: إنا على قلعة من هذه الدار نساق عنها بإمساء وإبكاء
نبكي ونندب آثار الذين مضوا وسوف تلحق آثار بآثار
طالت عمارتنا الدنيا على غرر ونحن نعلم أنا غير عمار
يا من تحث بترحال على عجل ليس المحلة غير الفوز والنار
فاختر لنفسك قبل الموت في مهل غدًا نفوز ويشقى كل مختار
واترك مفاخرة الدنيا وزينتها يوم القيامة يوم الفخر والعار
[ ١ / ١٧٦ ]
٤٣٣ - وأنشدني أبو جعفر القرشي أيضًا: هل غاية الدنيا وإن نلتها إلا ثرى قبر وملحود
فاعمل لما ترجو وما يبقى والحبل بالمهلة ممدود
[ ١ / ١٧٦ ]
٤٣٤ - حدثني أبو عبد الله النخعي حدثني ابن الكلبي أخبرنا شرقي بن قسطامي حدثني مشايخنا أنهم سمعوا حريقة بنت النعمان تنشد: بينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها تلعب تارات بنا وتصرف
[ ١ / ١٧٦ ]
٤٣٥ - قاال أبو بكر: ودفع إلي رجل من أهل مرو كتابًا فيه: سئل عبد الله بن المبارك
ما ينبغي للعالم أن يتكرم عنه؟ .
قال: ينبغي للعالم أن يتكرم عما حرم الله عليه، ويرفع نفسه عن الدنيا، فلا تكون منه على بال.
[ ١ / ١٧٦ ]
٤٣٦ - وسئل عبد الله قيل: ما ينبغي أن نجعل عظيم شكرنا له.
قال: زيادة آخرتكم، ونقصان دنياكم، وذلك أن زيادة آخرتكم لا تكون إلا بنقصان دنياكم، وزيادة دنياكم لا تكون إلا بنقصان آخرتكم.
[ ١ / ١٧٦ ]
٤٣٧ - وحدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد المروزي، عن عبدان عن عثمان، عن سفيان بن عبد الملك، عن عبد الله بن المبارك، قال: حب الدنيا في القلب والذنوب قد احتوشته فمتى يصل الخير إليه.
[ ١ / ١٧٧ ]
٤٣٨ - حدثني الحسن بن سعيد القواريري، قال: كان رجل يلتقط النوى، ويتمثل بهذه الأبيات:
أرى الدنيا لمن هي في يديه عذابًا كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما كنت محتاجًا إليه
[ ١ / ١٧٧ ]
٤٣٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو عبد الله محمد بن معاوية، عن بعض رجاله، قال: بلغنا أنه أوحى إلى الدنيا: من خدمك فاتعبيه، ومن خدمني فاخدميه.
[ ١ / ١٧٧ ]
٤٤٠ - حدثني أبو عبد الله الأصبهاني، قال: سمعت محمد بن النعمان بن عبد السلام ينشد:
لو كنت باليوم العظيم تعنى لكانت الدنيا عليك سجنا
ولم تكن بالعيش مطمئنا أما علمت يا ضعيف أنا
يومًا مجازون بما قدمنا لو قد بعثنا ثم قد سئلنا
عن سالف الأعمال ما أقلنا ما أعظم القول إذا وقفنا
[ ١ / ١٧٧ ]
٤٤١ - وأنشدني الحسين بن عبد الله: إذا لم يعظني واعظ من جوارحي بنفع فما شيء سواه بنافعي
أؤمل دنيا أرتجي من حلابها غلالة سم مورد الموت ناقع
ومن قابض من الدنيا يكن مثل آخذ على الماء خانته فروج الأصابع ⦗١٧٨⦘
وكالحالم المسرور عند منامه بلذة أضغاث من أحلام هاجع
فلما تولى الليل ولى سروره وعادت عليه عاطفات الفجائع
[ ١ / ١٧٧ ]
٤٤٢ - حدثني من سمع ابن أبي الحواري، قال: قلت لأبي صفوان الرعيني بمكة، وكان سفيان بن عيينة يجيء فيسلم عليه، ويقف عليه، ما الدنيا التي ذمها الله ﷿ في القرآن التي ينبغي للعاقل أن يجتنبها؟ قال:
كل ما أصبت من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت فيها تريد به الآخرة فليس منها.
[ ١ / ١٧٨ ]
٤٤٣ - وحدثني من سمع ابن أبي الحواري، حدثني أبو عبد الرحمن الموصلي، حدثني أبو موسى خادم الأعمش، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يطلبون الدنيا فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة.
فحدثت به المعافى بن عمران فأعجبه.
قلت له: يا أبا عبد الرحمن بأي شيء طلب الآخرة بعد الأربعين؟ قال: قوت يوم بيوم.
[ ١ / ١٧٨ ]
٤٤٤ - حدثني عون بن إبراهيم، حدثني أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت مؤدبًا لأهل البصرة يقال له أبو غسان، وجاءه شاب فقال: يا أبا غسان قال: إليك يا حبيبي.
قال: متى ترتحل الدنيا من القلب؟ قال:
إذا وقعت العزيمة رحلت الدنيا من القلب، وردج القلب في ملكوت السماء، وإذا لم تقع اضطرب القلب ورجع إلى الدنيا.
[ ١ / ١٧٨ ]
٤٤٥ - حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، قال: سمعت علي بن ⦗١٧٩⦘ الحسن قال: قلت لعبد الله أوصني، قال:
تجاف عن الدنيا ما استطعت.
[ ١ / ١٧٨ ]
٤٤٦ - وحدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن شيخ من فزارة، قال: كان يقال:
الدنيا دار بلاء، فإذا رأى أحدكم فيها رخاء فلينكره.
[ ١ / ١٧٩ ]
٤٤٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قيل لبعض العلماء: أي شيء أجده أدفع للفاقة؟ قال: الزهد.
قيل: وما الزهد؟ قال: العلم، ثم يفرق ما بين الدنيا والآخرة، ثم طلب الرفيع بالخسيس.
قيل: فأيهما أجدى؟ قال: ترك إعمال الفكر في شيء من الدنيا.
[ ١ / ١٧٩ ]
٤٤٨ - أنشدني الحسين بن عبد الرحمن، قال: أنشدني إبراهيم بن داود: لا يكون المغتاب للناس ذو الوجهين عند المليك يومًا وجيها
لا ولا طالب الفضول من الدنيا ولذاتها يكون فقيها
أدرك الزاهدون كل نعيم إذا أباحوا النفوس ما يكفيها
واسترق الحريص فيها فما يغنيه منها كل الذي ظل فيها
هي دار تزيد من صدغها معة والذليل من يصفيها
[ ١ / ١٧٩ ]
٤٤٩ - وحدثني الحسن بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي، قال: قال عيسى بن مريم:
يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا.
[ ١ / ١٧٩ ]
٤٥٠ - قال زكريا: وفي ذلك يقول الشاعر: أرى رجالًا بأدنى الدين قد قنعوا ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
[ ١ / ١٨٠ ]
٤٥١ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قال بعض الحكماء: أما بلوتم الدنيا فهل زالت تؤنبكم عسفًا، وتسوسكم خسفًا، في كل يوم لكم فيها شغل جديد، وحزن عتيد، إنما صدقتم الأمل فكذبكم، وأطعتم الهوى فأوبقكم، فكيف تفرون رحمكم الله من هذا الموت، الذي لا تدرون أن ما فيه أحق أن يكون عندكم، فهؤلاء لكم مفظعًا، أما قبله من تخوف بغتاتة التي لا تدرون في أي حالاتكم توافيكم، أما الذي ترون من أسبابه فما يعروكم من الانتقاص ضعفًا بعد قوة، وإخلاقًا بعد جدة، وهرمًا بعد شباب، وسقمًا بعد صحة في كل يوم يموت من أجسادكم ميت ينعي لكم أنفسكم، ويخبركم عن فنائكم، حتى يهجم عليكم بمرارة كأسه، وفظاعة مذاقه، فتصيروا رهائن الموت، وودائع الحفر إلى يوم الوقت المعلوم.
[ ١ / ١٨٠ ]
٤٥٢ - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، أخبرنا حسن بن حسين العرني، أخبرنا علي بن بكر، عن إبراهيم بن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال: من فرح من قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة، ومن جعل شهوته تحت قدميه يفرق شيطانه من ظله، ومن غلب عليه هواه فهو الغالب.
[ ١ / ١٨٠ ]
٤٥٣ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أخبرنا عبد الله بن إسماعيل بن ⦗١٨١⦘ يزيد بن حجر ابن بنت الأوزاعي، حدثني أبي، قال: وجدت في كتب جدك الأوزاعي بخط يده:
ابن آدم اعمل لنفسك، وبادر فقد أوتيت من كل جانب، وأعول كعويل الأسير المكبل، ولا تجعل بقية عمرك للدنيا وطلبها في أطراف الأرض، حسبك ما بلغك منها، ستسلم طائعًا، وتغر بيوم فقرك وفاقتك، واسع في طلب الأمان فإنك في سفر إلى الموت يطرد بك نائمًا ويقظانًا، واذكر سهر أهل النار في خلد أبدًا، وتخوف أن ينصرف بك من عند الله ﷿ إلى النار، فيكون ذلك آخر العهد بالله، ومنقطع الرجاء، واذكر أنك قد راهقت الغاية، وإنما بقي الرمق فسدد تصبرًا وتكرمًا، وارغب ببقية عمرك أن تفنيه للدنيا، وخذ منها ما يوصلك لآخرتك، ودع منها ما يشغلك.
[ ١ / ١٨٠ ]
٤٥٤ - حدثني محمد بن إدريس، أنه حدث عن عبد الله بن عبد الغفار، قال: كتب زهير بن نعيم إلى أبي سعيد عبد الله بن عبد الغفار:
سلام عليك: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصي نفسي وإياك بتقوى الله وطاعته، والانتهاء إلى أمره في الحالات كلها، فإنما العاقبة للمتقين، وإنما يجزى كل قوم بما كانوا يعملون.
أما بعد: فإني أكتب إليك يا بن أخ، وأنا في عافية، ومسير إلى الموت على أي الحالات، كذا محفوظ علينا ما قدمت أيدينا، فالله الله في نفسك، يا ابن أخ أكثر الفكرة في مصرع أبيك، وأمك، وأبعد عن فضول الدنيا، وارض منها باليسير، فإن عامة الغفلة والنسيان في طلب فضول الدنيا، رضانا الله وإياك منها بالأقل، ورزقنا وإياك فيها العمل الأكثر لدار الآخرة حتى يخرجنا وإياك منها، وهو علينا غير ساخط بمنه ورحمته، فإنه لا يمن بذلك غيره، وإن استطعت يا بن أخ فلا تنس قول الله ﷿: ⦗١٨٢⦘ ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ [الزخرف: ٨٠] .
[ ١ / ١٨١ ]
٤٥٥ - وحدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أخبرنا إسحاق بن عبد المؤمن الدمشقي، قال: كتب إلي أحمد بن عاصم الأنطاكي فكان في كتابه:
إنا أصبحنا في دهر حيرة تضطرب علينا أمواجه بغلبة الهوى، العالم منا والجاهل، فالعالم منا مفتون بالدنيا مع ما يدعيه من العلم، والجاهل منا عاشق لها، مستملأ من فتنة عالمه، فالمقل لا يقنع، والمكثر لا يشبع، فكل قد شغل الشيطان قلبه بخوف الفقر، فأعاذنا الله وإياك من قبولنا عدة إبليس، وتركنا عدة رب العالمين، يا أخي لا تصحب إلا مؤمنًا، يعظك بفعله، ومصاديق قوله، أو مؤمنًا تقيًا فمتى صحبت غير هؤلاء، ورثوك النقص في دينك وقبح السيرة في أمورك، وإياك والحرص والرغبة، فإنهما يسلبانك القناعة والرضا، وإياك والميل إلى هواك فإنه يصدك عن الحق، وإياك أن تظهر أنك تخشى الله وقلبك فاجر، وإياك أن تضمر ما إن أظهرته أخزاك، وإن أضمرته أرداك.
والسلام.
[ ١ / ١٨٢ ]
٤٥٦ - حدثنا علي بن الحسن العامري، أخبرنا علي بن حفص المدائني، أخبرنا شيخ من البصريين يقال له أبو الورقاء، قال: سمعت أنس بن مالك وسمع رجلًا يقول: أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ قال: أولئك أهل بدر.
[ ١ / ١٨٢ ]
٤٥٧ - حدثني أبو علي المدائني، أخبرنا قطر بن حماد بن واقد، أخبرنا أبي، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: يقولون: مالك زاهد، مالك زاهد، أي زهد عند مالك، ولمالك جبة وكساء، وإنما الزاهدون عمر بن عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها.
[ ١ / ١٨٢ ]
٤٥٨ - حدثني أبو عبد الله الرازي قال: قال بعض الحكماء:
الزهد فيما يشغلك عن الله ﷿، وقال بعضهم: الزهد ترك الشهوات.
[ ١ / ١٨٣ ]
٤٥٩ - حدثني محمد بن يوسف، قال: سمعت بشر بن الحارث، وقيل له: مات فلان، قال جمع الدنيا، وذهب إلى الآخرة، ضيع نفسه.
قيل له: إنه كان يفعل ويفعل، وذكروا أبواب البر، فقال: وما ينفع هذا، وهو يجمع الدنيا.
[ ١ / ١٨٣ ]
٤٦٠ - قال أبو بكر: قال بعض الحكماء: المرء في الدنيا على أكبر خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة جارية، وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه المعيشة إن غفل، هو من النعماء على خطر، ومن البلايا على حذر، ومن المنايا على يقين.
[ ١ / ١٨٣ ]
٤٦١ - حدثني محمد بن عمارة الأسدي، أخبرنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا مسلمة بن جعفر، عن عمرو بن عامر البجلي، عن وهب بن منبه، قال: ⦗١٨٤⦘ ثلاث من مناقب الكفر: الغفلة عن الله ﷿، وحب الدنيا والطيرة
[ ١ / ١٨٣ ]
٤٦٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أسلم بن عبد الملك: أنه سمع سعيد بن أبي الحسن يذكر عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال:
أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله، أنتم اليوم على بينة من ربكم، لم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة العيش، العاملون يومئذ بالكتاب سرًا وعلانية، فالتابعون الأولون من المهاجرين والأنصار لهم أجر المحسنين قالوا: يا رسول الله منا، أو منهم؟ قال: بل منكم
[ ١ / ١٨٤ ]
٤٦٣ - قال أبو بكر: قيل لبعض الحكماء: من أبعد الناس همة وأصدقهم نية؟ قال:
من استغرق الدنيا طرفه، وعطف إلى طلب الجنة شغله.
[ ١ / ١٨٤ ]
٤٦٤ - حدثنا العباس بن الفضل البجلي، قال: أكثر قوم ذم الدنيا عند رابعة، فقالت: أقلوا من ذم الدنيا، فإنه من أحب شيئًا أكثر ذكره.
[ ١ / ١٨٤ ]
٤٦٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب عن الحسن قال: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة.
[ ١ / ١٨٤ ]
٤٦٦ - حدثنا خالد بن خداش، أخبرنا حماد بن زيد، قال: قال أيوب:
إن زهد رجل فلا يجعلن زهده عذابًا على الناس.
[ ١ / ١٨٥ ]
٤٦٧ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، عن ابن المبارك، عن جعفر بن سليمان، قال: هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب.
[ ١ / ١٨٥ ]
٤٦٨ - حدثني أحمد بن أبي نصر، قال بعض الحكماء: للدنيا أمثال تضربها، الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان، ويحب الدنيا من صمت أسماع القلوب عن المواعظ، وما أحث السباق لو شعر الخلائق.
[ ١ / ١٨٥ ]
٤٦٩ - أنشدني أحمد بن أبي نصر: يلتمس العز بها أهلها والله قد عرفهم ذلها
يا عاقد العقدة يرجو بها العيش كأن الموت قد حلها
كم تعمر الدنيا ورب السماء يريد أن يخربها كلها!!
[ ١ / ١٨٥ ]
٤٧٠ - حدثني رجل من بني تميم، قال: قال بعض الحكماء: الدنيا تبغض إلينا نفسها، ونحن نحبها! ! فكيف لو تحببت إلينا.
[ ١ / ١٨٥ ]
٤٧١ - حدثني أبو عبد الله الإمام، قال: سمعت ابن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان، يقول:
لو أن رجلًا دخل عل ملك من ملوك الدنيا، فقال: سلني.
فقال: أسألك ⦗١٨٦⦘ جزرة بقل، أكان حازمًا؟!! فوالله للدنيا أهون على الله ﷿ من جزرة البقل على الملك.
[ ١ / ١٨٥ ]
٤٧٢ - أخبرني ربيعة الحنفي عن شيخ من أهل البصرة قال: قال وهب بن منبه: رأينا ورقة تهفو بها الريح، فأخذناها فإذا فيها مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم:
دار لا يسلم منها من فيها، ما أخذ أهلها منها لها خرجوا منه، ثم حوسبوا به، وما أخذ أهلها منها لغيرها خرجوا منه، ثم أقاموا به، وكأن قومًا من أهل الدنيا ليسوا من أهلها كانوا فيها كمن ليس فيها، عملوا فيها بما يبصرون، وبادروا فيها ما يحذرون، تنقلب أجسادهم بين ظهراني أهل الدنيا، وتنقلب قلوبهم بين ظهراني أهل الآخرة، يرون أهل الدنيا يعظمون، وهم أشد تعظيمًا لموت قلوبهم.
قال: فسألت عن هذا الكلام فلم أجد أحدًا يعرفه!!
[ ١ / ١٨٦ ]
٤٧٣ - حدثني محمد بن جعفر بن مهران البصري، عن رجل، عن أبيه: أن غلامًا لعبد الملك بن مروان كتب إليه: إن صخرة قبلنا يقال إن تحتها كنزًا يحتاج إلى نفقة، فكتب إليه عبد الملك: أن واصل بين النفقة حتى تستخرج هذا الكنز، فعولجت حتى قلبت فلم أجد تحتها كنزًا ووجد عليها كتابًا فيه:
ومن يحمد الدنيا بعيش يسره فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أقبلت كانت المر حسرة وإن أدبرت كانت كثيرًا غمومها
[ ١ / ١٨٦ ]
٤٧٤ - قال أبو بكر: قيل لبعض الحكماء: ما الدنيا؟ قال: تريدون المذمومة على ألسن الأنبياء الحكماء؟ قالوا: نعم.
قال: المعصية.
قيل: فأي الزهاد أفضل؟ قال: أقلهم حظًا من الدنيا.
قيل: متى يصفو توكل الزاهد؟ قال: إذا لم يلزمه منه مخلوق.
[ ١ / ١٨٦ ]
٤٧٥ - قال أبو بكر: وقال بعض الحكماء:
ما فرحت يا ابن آدم بما يفنى إلا بعد نسيانك ما يبقى، ولا ركنت إلى زينة ⦗١٨٧⦘ الدنيا إلا بتركك نصيبك من جنة المأوى، ولا متعت نفسك بمواعيد المنى إلا بعد ما عانقت هذه الدنيا، ولا تتوقت في تسمين بدنك حتى نسيت دراجك في كفنك.
[ ١ / ١٨٦ ]
٤٧٦ - قال أبو بكر: قيل لبعض الحكماء: من أعرف الناس بعيوب الدنيا؟
قال: أكثرهم للموت ذكرًا.
قيل: فلم نكره الموت؟ قال: لإيثاركم الدنيا.
قيل: متى يحكم على العبد بالغفلة؟ قال: إذا ركن إلى الدنيا.
قيل: متى يذهب منا الحكمة والعلم؟ قال: إذا طلب بهما الدنيا.
قيل: ما الذي يمنع من طلب الآخرة؟ قال: حب الدنيا.
قيل: ما علامة ترك الدنيا؟ قال: طلب الآخرة.
قيل: الدنيا لمن هي؟ قال: لمن تركها.
قيل: الآخرة لمن هي؟ قال: لمن طلبها.
[ ١ / ١٨٧ ]
٤٧٧ - قال أبو بكر: قال بعض الحكماء:
الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والجنة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
[ ١ / ١٨٧ ]
٤٧٨ - حدثني الحارث بن محمد العمي، عن أبي الحسن القرشي، قال: قال رجل من الأنصار: صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه، كان يرد السائل ويبخل بالنائل.
[ ١ / ١٨٧ ]
٤٧٩ - حدثني الحارث بن محمد، عن أبي الحسن القرشي، قال: قال أبو حازم:
من عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء، ولم يحزن على بلوى.
أنشدني أبو عبد الله الكناني:
فتى قالت له الدنيا نل فلم ينل قذى العين منها عفة وتكرمًا ⦗١٨٨⦘
رجل جعل القرآن موقع طرفه فنفذ منها ما أحل وحرما
[ ١ / ١٨٧ ]
٤٨٠ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثني إسحاق بن عباد، قال: قال لي بعض الحكماء: أضرب لك مثل هذا الخلق: مثل قوم اتخذوا الدنيا دار إقامة، واتخذوا الآخرة لهوًا وغرورًا.
ثم قال: اضرب بيدك ما شئت من هذا الخلق إذا نصحته في أمر دينه اتخذك عدوًا.
[ ١ / ١٨٨ ]
٤٨١ - حدثني إسحاق بن عبد الله، قال: ترك الفدى، أرى الناس قد اتخذوا الدنيا رأس مال، وعدوا ما جاءهم من الآخرة ربحًا، وقد عزمت على أن أجعل الآخرة رأس مالي، وأعد ما جاءني منها ربحًا.
قال: ففعل ذلك.
[ ١ / ١٨٨ ]
٤٨٢ - وحدثنا إسحاق بن حاتم المدائني، قال: سمعت الحسين بن أبي عبد الله المعلم قال: قال سليمان التيمي: اللهم إنك تعلم أني لا أريد من الدنيا شيئًا، فلا ترزقني منها شيئًا.
[ ١ / ١٨٨ ]
٤٨٣ - حدثني إسحاق بن حاتم، قال: سمعت حسين بن أبي عبد الله قال: كنا عند حجاج الخراساني بمكة ندعو، وكان معنا رجل مكثر، فقال أبو الحجاج:
اللهم لا ترزقنا دينارًا ولا درهمًا، فأمنا كلنا ما خلا الرجل المكثر.
[ ١ / ١٨٨ ]
٤٨٤ - حدثنا موسى أبو عمران الجصاص، قال: سمعت أبا سليمان الداراني، يقول: ينبغي للعبد المعنى بنفسه أن يميت العاجلة الفانية الزائلة، المنغصة بالآفات من قلبه، ويذكر الموت وما بعده من الأهوال، والخسران والندامة، والوقوف بين يدي الله ﷿ وسؤاله إياه، والممر على الصراط، ⦗١٨٩⦘ والنار، فإنه يخف عليه التجافي عن دار الغرور:
[ ١ / ١٨٨ ]
٤٨٥ - حدثني موسى أبو عمران، قال: سمعت أبا سليمان، يقول: الدنيا تطلب الهارب منها، وتهرب من الطالب لها، فإن أدركت الهارب منها جرحته، وإن أدركت الطالب لها قتلته.
[ ١ / ١٨٩ ]
٤٨٦ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، قال: قال الحسن:
خباث كل عيدانك، قد مصصناه فوجدناه مرًا.
[ ١ / ١٨٩ ]
٤٨٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قال بشر بن الحارث:
من هوان الدنيا على الله ﷿ أن جعل بيته وعرًا.
[ ١ / ١٨٩ ]
٤٨٨ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو معاوية الأسود: الخلق كلهم يسعى في أقل من جناح ذبابة، فقال له رجل، وما أقل من جناح ذبابة؟ قال: الدنيا.
[ ١ / ١٨٩ ]
٤٨٩ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن شيخ مولى لبني هاشم، قال: قال الحسن: إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكونون إذا أهنتموها.
[ ١ / ١٨٩ ]
٤٩٠ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن شيخ من فزارة، قال: سمعت أبا خالد الصوري وكان من أطول الناس صمتًا، يقول: اللهم أخرجني من جوار إبليس إلى جوارك.
[ ١ / ١٨٩ ]
٤٩١ - وأنشدني الحسين بن عبد الرحمن: لعمرك ما الدنيا بدار لأهلها ولو عقلوا كانوا جميعًا على وجل
فما تبحث الساعات إلا على البلى ولا تنقضي الأيام إلا على ثكل
[ ١ / ١٩٠ ]
٤٩٢ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا زهير بن عباد، أخبرنا عبد الله بن حكيم بن أبي داهري، عن مجاعة بن الزبير، عن الحسن قال: لا يكون الرجل زاهدًا في الدنيا حتى لا يجزع من ذلها، ولا ينافس أهلها فيها.
[ ١ / ١٩٠ ]
٤٩٣ - وحدثني محمد بن إدريس، أخبرني أحمد بن عبد الله بن عياض، أخبرنا عبد الوهاب بن همام، أخبرنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: قرأت في كتاب شعيا أنه قيل ليونس بن متى:
يا يونس إذا أحب العالم الدنيا نزعت مناجاتي من قلبه.
[ ١ / ١٩٠ ]
٤٩٤ - أنشدني أبو عبد الله قوله: رويدًا بني الدنيا ألم تر أنهم إلى أجل تسعى إليه مقادره
أراها إذا ربت لها ابنًا ولم تدع له أربًا دست له ما يحاذره
فكن عند صفو الدهر للدهر حاذرًا فلا صفو إلا سوف يكدر آخره
قال أبو بكر: أنشدني علي بن عبد الله:
لما توعد الدنيا به من شرورها يكون بكاء الطفل ساعة يوضع
وإلا فما يبكيه منها وإنها لأفسح مما كان فيه وأوسع
[ ١ / ١٩٠ ]
٤٩٥ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أخبرني الحسن بن عبد الله ⦗١٩١⦘ الرازي عن بكار الربذي عن عمه موسى بن عبيدة الربذي، عن أبي سعيد مولى ابن عامر قال: قال داود ﵇:
الدنيا غرارة ترفل بالمطمئن، وتفجع الآمن.
[ ١ / ١٩٠ ]
٤٩٦ - حدثني عون بن إبراهيم، حدثني أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبادة أبو مروان، قال: أوحى الله ﷿ إلى موسى ﵇:
يا موسى ما لك ولدار الظالمين، إنها ليست لك بدار، أخرج منها همك، وفارقها بعقلك، فبئست الدار هي، إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار له، يا موسى إني مرصد للظالم حتى أديل منه المظلوم.
[ ١ / ١٩١ ]
٤٩٧ - قال أبو بكر: قال محمد بن علي بن شقيق: عن أبيه قال: أخبرنا عبد الله، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن هارون بن زيد قال: سئل الحسن عن قوله ﷿ ﴿ثمنا قليلا﴾ [البقرة: ٤١] ما الثمن القليل؟ قال: الدنيا بحذافيرها.
آخر كتاب ذم الدنيا والحمد لله رب العالمين وصلواته على نبينا محمد خاتم المرسلين.
[ ١ / ١٩١ ]