«إنها ترجيحات لا تقوم الحجة بها، سوى (مرسل سعيد بن المسيب»).
والشيخ -أدام الله عزه- تبع في إطلاق هذه اللفظة صاحب «التلخيص».
ولو نظر في رسالتي: «القديمة»، و«الجديدة» للشافعي -﵀-، وأبصر شرطه في قبول المراسيل، وتذكر المسائل التي بناها على مراسيل غيره حين اقترن بها الشرط، ولم يجد فيها ما هو أقوى منها -وهو أدام الله توفيقه أعلم بتلك المسائل مني-؛ لقال بسوى مرسل سعيد بن المسيب، ومن كان في مثل حاله من كبار التابعين؛ ليكون قوله موافقًا لجملة قول الشافعي في «الرسالتين».
[ ٨٧ ]
ونص قوله في كتاب «الرهن الصغير» حين قيل له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعًا، ولم تقبلوه عن غيره؟
قال: «لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعًا، إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثره عن أحد فيما عرفنا عنه، إلا عن ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله، قبلنا منقطعه».
وإنما ترك الشافعي مراسيل من بعد كبار التابعين: كالزهري، ومكحول، والنخعي، ومن في طبقتهم، ورجع به قول بعض أصحاب النبي - ﷺ - إذا اختلفوا.
وترك من مراسيل كبار التابعين:
- ما لم يقترن به ما يشده من الأسباب التي ذكرها في كتاب «الرسالة».
- أو وجد من الحجج ما هو أقوى منها.
[ ٨٨ ]
- وليس الحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن سيرين بدون كثير منهم، وإن كان بعضهم أقوى مرسلًا منهما، أو من أحدهما.
وقد قال الشافعي -﵀- (بمرسل الحسن) حين اقترن به ما أكده:
قال الشافعي في كتاب «أحكام القرآن»، في باب «النكاح بالشهود»:
- روي عن الحسن بن أبي الحسن: أن رسول الله - ﷺ - قال:
«لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدلٍ».».
- ثم قال:
«وهذا، وإن كان منقطعًا دون النبي - ﷺ -، فإن أكثر أهل العلم يقول به.
ويقول:
«الفرق بين النكاح والسفاح: الشهود».
[ ٨٩ ]
«وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي - ﷺ -».
فأكد مرسله:
- بقول من انضم إليه من الصحابة -﵃-.
- وبأن أكثر أهل العلم يقول به.
[ ٩٠ ]
كما أكد (مرسل ابن المسيب) في (النهي عن بيع اللحم بالحيوان):
[ ٩١ ]
- بقول الصديق -﵁-.
- وبأنه روي من أوجه أخر مرسلًا.
ثم قال:
«وإرسال ابن المسيب عندنا حسن».
[ ٩٢ ]
وقال (بمرسل الحسن) في كتاب «الصرف»، في النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، فيكون له زيادته، وعليه نقصانه:
- فقال:
«ومن باع طعامًا بكيل، فصدقه المشتري بكيله، فلا يجوز».
- قال:
«وإنما لم أجز هذا؛ لما وصفت من حديث الحسن، عن النبي - ﷺ -».
ثم أكده بما ذكره من المعنى.
وقال (بمرسل طاوس اليماني) في كتاب: «الزكاة»، و«الحج»، و«الهبة»، وغير ذلك.
[ ٩٣ ]
وبمرسل: عروة بن الزبير، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، وغيرهم من كبار التابعين، في مواضع من كتبه، حين اقترن به ما أكده، ولم يجد ما هو أقوى منه.
وترك عليهم من مراسيلهم ما لم يجد معه ما يؤكده، أو وجد ما هو أقوى منه؛ كما لم يقل:
- بمرسل سعيد بن المسيب حيث روى عنه -بإسناد صحيح-:
«أن النبي - ﷺ - فرض زكاة الفطر مدين من حنطةٍ».
[ ٩٤ ]
- ولا بمرسله أن النبي - ﷺ - قال:
«لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفي، ولا بأس بالشرك في الطعام قبل أن يستوفي».
- ولا بمرسله أن النبي - ﷺ - قال:
«دية كل ذي عهد [في عهده] ألف دينار».
- ولا بمرسله أن النبي - ﷺ - قال:
[ ٩٥ ]
«من ضرب أباه، فاقتلوه».
- ولا بسائر ما روي عنه من مراسيله التي لم يقترن بها من الأسباب -التي ذكرها الشافعي في «الرسالتين» جميعًا- ما يشدها، أو وجد في معارضتها ما هو أقوى منها.
وإذا كان الأمر على هذا؛ فتخصيص مرسل ابن المسيب بالقبول دون من كان في مثل حاله من كبار التابعين، على أصل الشافعي، لا معنى له، والله أعلم.
[ ٩٦ ]
ورأيته نقل فيما أملاه عن كتاب «اختلاف مالك والشافعي» في ترجيح قول الأئمة على قول غيرهم من الصحابة:
«أن الشافعي عدهم فيه أربعة».
وفي النسخة المسموعة عندنا: «أنه عدهم في «الكتاب» ثلاثة».
ثم في «الرسالة القديمة» ذكرهم في موضعين؛ فعدهم:
- في أحد الموضعين ثلاثة.
- وفي الموضع الآخر أربعة.
وصاحب «التلخيص» غفل عن الموضع الذي عدهم فيه من كتاب «القديم» أربعة.
[ ٩٧ ]
هذا، وقد طالت الرسالة، وعساه تأخذه الملالة من قراءتها، فقطعتها، واقتصرت على ما أودعتها.
ولولا:
- رغبة أكثر البشر في إظهار شيء مما عندهم من العلم للناس على العموم، ثم لإمامٍ مثله على الخصوص.
- وورود الأثر بها عن عمر وابن عمر -﵄- في قصة النخلة.
- ثم ما عرفته من رغبة الشيخ -أدام الله توفيقه- في علم الحديث وميله إلى أهله.
- ثم حرصي على أن يكون رواية ما يرويه، وحكاية ما يحكيه في كتبه، لائقةً بسائر علومه.
لما صدعته بها مع كثرة أوراده في ليله ونهاره.
والاعتماد على كثير فضله، وكمال عقله، في حمله الأمر فيها على أجمله، فهو أهل ذلك فيها ومستحقه.
والله يؤيده ويوفقه، وعن جميع [المكاره] في الدنيا والآخرة يقيه ويحفظه!
والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
[ ٩٨ ]