وأظنه علم قول الشافعي -﵀- في كتاب «مختصر البويطي»، والربيع، ورواية موسى بن أبي الجارود -﵏-، حيث قال:
«وإن اتخذ رجل أو امرأة آنية من فضة أو ذهب، أو ضببا به آنية، أو ركباه على مشجب أو سرج؛ فعليهما الزكاة، وكذلك اللجم، والركب».
هذا مع قوله -في روايتهم-:
«لا زكاة في الحلي المباح».
وحيث لم يخص به الذهب بعينه، فالظاهر: أنه أراد به كليهما جميعًا. وإن كانت الكناية بالتذكير يحتمل أن تكون راجعة إلى الذهب دون الفضة؛ كما قال الله -﷿-:
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾.
فالظاهر عند أكثر أهل العلم: أنه أراد به كليهما معًا، وإن كانت الكناية بالتأنيث يحتمل أن تكون راجعة إلى الفضة دون الذهب.
[ ٧٦ ]
وقد علم الشيخ -أبقاه الله-: ورود التحريم في [استعمال] الأواني المتخذة من الذهب والفضة عامة، ثم ورود الإباحة في تحلية النساء بهما، وتختم الرجال بالفضة خاصة، ووقف على اختلاف الصدر الأول -﵃- في حلية السيوف، واحتجاج كل فريق منهم لقوله بخبر.
فنحن وإن رجحنا قول من قال بإباحتها بنوع من وجوه الترجيحات، ثم حظرنا تحلية السقف والسرير وسائر الآلات، ولم نقسها على التختم بالفضة، ولا على حلية السيوف؛ فتصحيح إباحة تحلية الدابة بالفضة من غير ورود أثر صحيح مما يشق ويتعذر، وهو -أدام الله توفيقه- أهل أن يجتهد ويتخير.
وما استدل به من الخبر بأن:
«أبا سفيان أهدى إلى رسول الله - ﷺ - بعيرًا برته
[ ٧٧ ]
من فضة».
فغير مشتهر.
وهو إن كان، فلا دلالة في فعل أبي سفيان، إذ لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه تركها ثم ركبه، أو أركبه غيره.
وإنما الحديث المشهور عندنا: ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
«أهدى رسول الله - ﷺ - في هديه جملًا لأبي جهل، في أنفه برة فضة؛ ليغيظ به المشركين».
٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق .. .. الحديث.
وكان علي بن المديني يقول: «كنت أرى هذا من صحيح حديث ابن إسحاق؛ فإذا هو قد دلسه:
حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.
فإذا الحديث مضطرب».
[ ٧٨ ]
٦ - أخبرنا بهذه الحكاية محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن صالح الهاشمي، قال: حدثنا أبو جعفر المستعيني: حدثنا عبد الله بن علي المديني، قال: حدثني أبي، فذكرها.
وقد روي الحديث عن جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح.
[ ٧٩ ]
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
وليس بالقوي.
٧ - وقد أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: أخبرنا أبو عبد الله الصفار: حدثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي: حدثنا محمد بن المنهال: حدثنا يزيد بن زريع: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس:
«أن رسول الله - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل يوم الحديبية كان استلبه يوم بدر، وفي أنفه برةٌ من ذهب».
وكذلك رواه أبو داود السجستاني في كتاب «السنن»، عن محمد بن المنهال: «برة من ذهب»:
٨ - أخبرنا أبو علي الروذباري: أخبرنا أبو بكر بن داسة: حدثنا أبو داود.
[ ٨٠ ]
فذكره، وقال: «عام الحديبية»، ولم يذكر قصة بدر.
وقد أجمعنا على منع تحلية الدابة بالذهب، ولم ندع ظاهر الكتاب بإيجاب الزكاة فيه، وعده إذا لم يخرجها من الكنوز، بهذا الخبر.
وكذلك لا ندعه في الفضة.
وليس في الخبر -إن ثبت في الفضة- صريح دلالة في المسألة.
وبالله التوفيق والعصمة!
[ ٨١ ]