ترجّح - والله أعلم - أن الكتاب اسمه "زَهر الفِردوس"؛ وأما تسميته ب "الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس" فهي إما وصف له، وإمّا اسم سابق له غيَّره الحافظ فيما بعد؛ وذلك للأسباب التالية:
١ - أن السخاوي - وهو من أعرف النَّاس بالحافظ ابن حجر، ومن أكثر طلاّبه ملازمة له، حيث لم يفارقه إلى وفاته - ذكره في "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٦٧) ب "زهر الفردوس" ضمن تراث شيخه العلمي، ولم يسمه بالغرائب.
٢ - أنّ هذا الاسم هو المثبت على غلاف النسخة المنقولة عن نسخة الحافظ، وكذلك النسخة المصرية.
٣ - أن العلماء الذين استقوا من كتب الحافظ في مؤلفاتهم سموه "زهر الفردوس" ولم نقف على من يعزو إلى "الغرائب الملتقطة" إلا الشيخ الألباني، وهو يعزو إليه بالاسمين.
[ ١ / ١٢٥ ]
وإليك أمثلة على ذلك:
١ - أورد السيوطي في "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" (١/ ٧) حديث أنس مرفوعًا: "إياك وكل أمر يعتذر منه"؛ وقال: "حسنه الحافظ ابن حجر في "زهر الفردوس". وهذا الحديث هو الرقم (١٥٦)، و(١٩٩٥)؛ لكن الموضع الثاني ليس فيه قول الحافظ المذكور؛ ولعلّه موجود في نسخة أخرى مقروءةٍ على ابن حجر، وعليها تعليقاته، كما يأتي من كلام الشيخ الألباني.
قال الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٣/ ٤٠٨، ح ١٤٢١)، في حديث "أذكر الموت في صلاتك ": "أخرجه الدَّيْلَمي في "مسند الفردوس" (١/ ١/ ٥١ - مختصره) من طريق أبي الشيخ لكن نقل عنه السيوطي في "الجامع الكبير" (١/ ٤٧/ ١) أنه حسنه في "زهر الفردوس" يعني مختصره هذا، فلعل ذلك وقع في نسخة الحافظ التي هي بخطه، أو بعض النسخ التي قرئت عليه، وألحق بها فوائد جديدة".
٢ - وأورد في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٢٣) حديث "اللهم لا تطع فينا تاجرا ولا مسافرًا؛ فإن تاجرنا يحب الغلاء ومسافرنا يكره المطر"؛ فقال: يحيى بن عبيد الله ليس بشيء؛ قلت: وكذا أبو عصمة، قاله الحافظ ابن حجر في "زهر الفردوس" (^١).
_________________
(١) انظر: الحديث رقم ٦٠٩.
[ ١ / ١٢٦ ]
٣ - ثم أورد للحديث السابق شاهدًا من حديث عبد الله بن جراد، وقال: "قال في "زهر الفردوس": يعلى متروك".
٤ - وقال في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢٢٥)، - في حديث "ائتزروا كما رأيت الملائكة تأتزر عند ربها إلى أنصاف سُوقها" -: "قال الحافظ ابن حجر في "زهر الفردوس": المُثَنّى ضعيف".
وهو كما قال السيوطي؛ فهذا الحديث موجود برقم (١٤١).
٥ - ذكر ابن عراق في مقدمة "تنزيه الشريعة" (١/ ٥): "زهر الفردوس" ضمن موارده في كتابه.
٦ - وقال في "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٠٧، ح ٨٢)، في حديث "فضل حملة القرآن على الذي لم يحمله كفضل الخالق على المخلوق": (مي) من حديث ابن عباس وفيه محمد بن تميم، قال الحافظ ابن حجر الشافعي في "زهر الفردوس": "هذا كذاب".
وهو كما قال؛ فهذا هو الحديث (٢١٢٧)، لكن بلفظ: "كذِب". أي: أن الحديث كذب، وليس وصفَ الراوي بالكذب.
٧ - وقال في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٨٠، ح ١٠٦)، في حديث الحسن، "سألت حذيفة عن علم الباطن ما هو؟ ": "قال الحافظ ابن حجر
[ ١ / ١٢٧ ]
الشافعي في "زهر الفردوس": هذا موضوع، والحسن ما لقي حذيفة أصلًا". وهو - كما قال - برقم (١٦٩٣).
٨ - وقال في "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٩٦، ح ١٤٧)، في حديث ابن مسعود ﵁، قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا عبد الله أتاني مَلَك فقال يا محمد سَل من أرسلنا قبلك من رُسُلِنا ": "قد أورده الحافظ ابن حجر في "زهر الفردوس" من جهة الحاكم ".
٩ - لما ذكر المتقي الهندي في "كنز العمال" (٢٧١١) حديث: "إن الله تعالى ليسمع إلى قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " الحديث؛ قال بعد عزوه إلى أبي نعيم: "وقال الحافظ ابن حجر في "زهر الفردوس": كأنَّ الصواب: على أحد بني فضيل وعبد الله، ضعفه الدارقطني". انظر: الحديث رقم (٧٤١).
١٠ - قال المناوي في "الفيض": "قال الحافظ ابن حجر في "زهر الفردوس": لكن قول الأصبهاني لعله يعضده ما خرجه البخاري بلفظ أتاني جبريل فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك -يعني العقيق - وقل عمرة في حجة" (^١).
١١ - وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٣/ ٣٧١، ح ١٢٢٧)، في
_________________
(١) فيض القدير (٣/ ٣٠٩).
[ ١ / ١٢٨ ]
حديث "علم الباطن سِرٌّ من أسرار الله ﷿": "موضوع من رواية الدَّيْلَمي عن علي! وهو عنده (٣/ ٢٩٠ - زهر الفردوس)، من طريق ابن شاهين ". انظر: الحديثين: (١٦٩٣، ٢٠٠٦).
١٢ - وقال في "الضعيفة" (١٤/ ٢٤٩، ح ٦٦٠٣): "لا تغيروا هذا الشّيب، فمن كان مغيِّرًا لا محالة، فبالحِناء والكتم": منكر أخرجه الدَّيْلَمي (٣/ ١٥٠ - الغرائب الملتقطة -).
١٣ - وقال في "الصحيحة"، (ح ٣٣٦٣)، في تخريج حديث "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب، (وفي لفظ:) للبركة": "الذي في نسختي المصورة من "زهر الفردوس" آخر المجلد (ص ٣٥٦): "واليمين الغموس تذهب بالمال، وتدع الديار بلاقع".
١٤ - وقال في "الضعيفة" (٢/ ١٩، ح ٥٣٥)، في حديث "حمل العصا علامة المؤمن، وسنة الأنبياء": "موضوع. أخرجه الدَّيْلَمي في "مسند الفردوس" (٢/ ٩٧ - زهر الفردوس) ".
١٥ - وقال في "الضعيفة" (٥/ ٦٠، ح ٢٠٤٠)، في حديث "نِعم العونُ على الدين قوت سنة": "ضعيف والحديث رواه الدَّيْلَمي في "مسند الفردوس". . . ثم رأيته في "زهر الفردوس" (٤/ ٩٤) ".
١٦ - جمع ناسخ النسخة الثانية لدار الكتب المصرية، المنقولة من نسخة "يني جامع" بين الاسمين، حيث قال في آخر حرف الفاء - بعد نقله
[ ١ / ١٢٩ ]
كلام الحافظ ابن حجر، وكلام ناسخ نسخة "يني جامع": "آخر حرف الفاء. وعنده انتهى المجلد الأول من "الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس". . . - قال: "وقد وقع الفراغ من نسخ كتاب "زهر الفردوس" لابن حجر العسقلاني، في صباح يوم الأربعاء، ١٤ محرّم، سنة ١٣٥٧ هـ".
فدلّ ذلك على أن الاسمين لهذا الكتاب، وأن "الغرائب الملتقطة" وصف له. والله أعلم.
وفي قسم مخطوطات الحديث بجامعة أم القرى بمكة المكرَّمة، بالأرقام: (٥٥٣، ٥٥٤، ٥٥٦، ٨١٨) وردت تسمية الكتاب ب "الفوائد الملتقطة من مسند الفردوس" ولم نقف على ما يدل على أن المؤلف سماه بهذا الاسم. ومع هذا، فإن إطلاق الفوائد على الأحاديث الغرائب موجود عند بعض الأئمة المتقدمين (^١). وقد يؤيده قول الحافظ في مقدمة الكتاب: فهذا تعليق من مسند الفردوس لأبي منصور الديلمي لأحاديث تستفاد (^٢).
_________________
(١) قال أبو عروبة الحراني في راوٍ: كان حديثه كلها فوائد. وفسر ذلك ابن عدي بقوله: أي غرائب. "الكامل" لابن عدي، (٢/ ٣٧٤).
(٢) الغرائب الملتقطة، (أ/ ١).
[ ١ / ١٣٠ ]
وذلك مع الانتباه لاحتمال وقوع التصحيف في قراءة خط المؤلف على غلاف نسخة الأصل لتشابه الرسم بين "الغرائب" و"الفوائد".
وهناك تسمية أخرى ذكرها الكتاني في "الرسالة المستطرفة" وهي: "زوائد الفردوس" ولعل هذا من باب تسمية الكتاب بموضوعه، والله أعلم.
* * *