يظهر من ثناء العلماء على أبي شِجاع الدَّيْلَمي (﵀)، أنه كان على عقيدة أهل السنة والجماعة، وطريق سلف الأمة؛ حيث وصفه يحيى بن
_________________
(١) = العربية المحفوظة بالكتبخانة الخديوية (٥/ ٦٤) ونسخة في فهرست دار الكتب المصرية (٥/ ٢٠٩) تاريخ الأدب العربي (٦/ ١٣٠).
(٢) تاريخ الأدب العربي (٦/ ١٣٠) وهو مخطوط، توجد نسخة منه في مخطوطات مكتبة متحف الجزائر برقم (١/ ٤٩٧)
(٣) الرياض النضرة (١/ ١٤٢)
(٤) الأنساب (٥/ ٦٢١)
[ ١ / ٤٧ ]
عبد الوهاب بن منده، وابن الصلاح، والذهبي بكونه صلبا في السنة؛ وهذا هو الأصل الذي لا يُحاد عنه حتى يثبت خلافُه (^١).
ويقوّي ما ذهبنا إليه بعض عبارته في الرواة التي تدل على صحة معتقده، وسلامة مذهبه من الانحراف. وإليك شيئًا من ذلك:
قال في ترجمة أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني: "أدركته ولم يُقضَ لي عنه السّماع، وكان في الحديث ثقةً، ويُتَّهم بمذهب الأشعرية" (^٢).
وقال في ترجمة أبي الفرج الهمَذاني عبد الغفار بن الحسين بن أحمد: "سمعت منه وما كان مائلًا إلى المبتدعة" (^٣).
وقال في ترجمة مكي بن جبير بن عبد الله بن مكي بن أحمد أبو محمد الهمذاني الشعار: "كنّا نسمع بقراءته من مشايخ البلد ومن القادمين، وكان حسن السيرة شديدًا في السنة، متعصبًا لأهل الأثر، مؤمنًا، متواضعًا" (^٤).
_________________
(١) انظر "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة، (١/ ٢٨٥، رقم ٢٥٣)، "السير" (١٩/ ٢٩٥، رقم ١٨٦)، "العبر" (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
(٢) الوافي في الوفيات (٦/ ٣٤٥)
(٣) لسان الميزان (٤/ ٤١)
(٤) تاريخ الإِسلام (٣٤/ ٣٠٨)
[ ١ / ٤٨ ]
وقال في طاهر الجصاص: "كان طاهر يذهب مذهب أهل الملامة" (^١).
ومع ما سبق من بيان علاقته (﵀) بالسنة النبوية، والكلام في المذاهب العقدية، نُقل عنه ما يدلّ على أنه تأثر بالتصوف، وخاصّةً فيما يتعلق بزيارة القبور؛ وذلك أنه يطلق - في الثناء على بعض الرواة - عبارات الصوفية؛
كقوله في ترجمة أبي علي، أحمد بن محمد بن علي بن مزدين الصوفي النهاوندي القومساني: "ثقة، شيخ الصوفية، ومقدّمهم في الجبل، له آيات وكرامات ظاهرة، وقبره بقرية أنبط (^٢) يزار، والدعاء عند قبره مستجاب" (^٣)؛
_________________
(١) تأريخ الإِسلام للذهبي (٢٨/ ٤٤٧). والملامة: من اللوم، ويقال عنهم أيضًا الملامتية، ويقصد بهم الذين لا يظهرون للناس أعمالا وأسرارا ويظهرون ارتكاب المعاصي بحجة عدم لفت الأنظار إلى صلاحهم. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (٢/ ١١٦٢).
(٢) قال ياقوت: إنبط: بالكسر ثم السكون، بوزن إثمد، ويروى: أنبط بوزن أحمد: من قرى همذان، بها قبر الزاهد أبي علي أحمد بن محمد بن القومساني، "معجم البلدان": (١/ ٢٥٨)
(٣) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٦٩)
[ ١ / ٤٩ ]
وقوله في ترجمة أبي بكر بن لال: "ما رأيت أحسن منه، والدعاء عند قبره مستجاب" (^١).
وقوله في ترجمة أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد الأَرْدَستاني: "سمعت عدّة يقولون: ما من رجل له حاجة من أمر الدنيا والآخرة يزور قبره ويدعو إلا استجاب الله له. قال: وجربت أنا ذلك فكان كذلك" (^٢).
وقد علّق الذهبي على هذا الكلام فقال: "والدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والأولياء، وفي سائر البقاع، لكن سبب الإجابة حضور الداعي، وخشوعه وابتهاله، وبلا ريب في البقعة المباركة، وفي المسجد، وفي السَّحر، ونحو ذلك، يتحصل ذلك للداعي كثيرا، وكل مضطر فدعاؤه مجاب" (^٣). وهذا توجيه طيب يعتذر به لمثل هؤلاء الأئمة ﵏.
وفي النهي عن تحرّي الدعاء عند القبر يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (﵀): "إن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور أو كمن يزورها
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٧٦)
(٢) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٢٨) تاريخ الإِسلام (٢٩/ ١٣٨)
(٣) المصدر نفسه (١٧/ ٧٧)
[ ١ / ٥٠ ]
فيسلم عليها، ويسأل الله العافية له وللموتى، كمَا جَاءَت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به.
الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه فِي غيره، فهذا النوع منهي عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إِلَى التحريم أقرب" (^١).
ولعلَّ السبب فِي تأثّره بالصوفية كثرة شيوخه الصوفيين. لكنّ أصل معتقده هو ما ذكرناه من أنْه كَانَ على مذهب أهل الحديث، والأصل فِي أهل الحديث سلامة المعتقد ما لم يظهر خلافه. والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٦٧٦ - ٦٧٧.
[ ١ / ٥١ ]
الفصل الثاني
ترجمة أبي منصور الديلمي، صاحب كتاب "مسند الفردوس"
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول - اسمه ونسبه
المبحث الثاني - مولده ونشأته العلمية ووفاته
المبحث الثالث - شيوخه
المبحث الرابع - تلاميذه
المبحث الخامس - ثناء العلماء عليه
المبحث السادس - مؤلفاته
المبحث السابع - عقيدته
[ ١ / ٥٣ ]