ألّف أبو شجاع الدَّيْلَمي (رحمه الله تعالى) كتابه (الفردوس)، نصيحةً للأمة؛ حيث قال في مقدمة كتابه (الفردوس)، (١/ ٢٦): ". . . أما بعد: فإنِّي لما رأيت أهل زماننا هذا، خاصة أهلَ بلدنا أعرضوا عن الحديث وأسانيده، وجهلوا معرفة الصحيح والسقيم، وتركوا الكتب التي صنفها الأئمة قديمًا وحديثًا، في الفرائض والسنن، والحلال والحرام، والآداب والوصية، والأمثال والمواعظ، واشتغلوا بالقصص وبالأحاديث المحذوفة عنها أسانيدها، التي لم يعرفها ناقلو الحديث، ولم تقرأ على أحد من أصحاب الحديث، سيّما الموضوعات التي وضعها القُصّاص، لينالوا بها القطيعات في المجالس بالطرقات؛
أثبتُّ في كتابي هذا عشرة آلاف حديث، [وكثيرًا من الأحاديث
[ ١ / ١٠٢ ]
القصار] (^١) على سبيل الاختصار، من الصحاح والغرائب، والأفراد والصُّحف المروية عن النبي - ﷺ -، لعلي بن موسى الرضا، وعمرو بن شعيب، وبهز بن حكيم، وأبان بن أبي عياش، وحميد الطويل، وغيرها من مسموعاتي عن مشايخي ﵏، سفرًا وحضرًا، في السنن والآداب، والمواعظ والأمثال، والفضائل والعقوبات وغيرها.
وحذفت أسانيدها، وجعلتها مبوَّبة أبوابا على حروف المعجم، ومفصلة فصولا حسب تقارب ألفاظ النبي - ﷺ -، وذكرت على رأس كل حديث منها راويه عن النبي - ﷺ -، وسميتها: "الفردوس بمأثور الخطاب" وخرجتها على كتاب [أبي عبد الله محمد سلامة بن جعفر] (^٢) بن علي القُضاعي المصري (^٣)؛
_________________
(١) في طبعة درا الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م، بتحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، (١/ ٧)، "أثبت في كتابي هذا عشرة آلاف حديث أحاديث التضاد" وعلق عليه في الحاشية بقوله: "العبارة غير مفهومة". والمثبَت هنا من طبعة دار الفكر، بيروت، ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م، (١/ ٢٦).
(٢) في طبعة درا الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م، بتحقيق سعيد بن بسيوني زغلول: "القاضي أبي عبد الله محمد بن جعفر بن علي القُضاعي المصري" منسوبًا إلى جده جعفر. والمثبَت هنا من طبعة دار الفكر، بيروت، ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م، (١/ ٢٦).
(٣) هو كتاب لطيف لشهاب الدين أبي عبد الله، محمد بن سلامة بن جعفر بن =
[ ١ / ١٠٣ ]
إلا أنه ﵀ ذكر ألف كلمة ومائتي كلمة، ولم يذكر رواتها، وذكرت أنا في كتابي هذا بعون الله وقوته الحديث بالتمام، ليشتغل بها كل معرض عن الحديث، ومشتغل باله بِلا شيء.
ولعمري إن من أدمن النظر في كتابي هذا يجد فيه من الفوائد ما لا يجد في عدة كتب، ويكون في انفراده له صاحبا، وبالحزن عن قلبه ذاهبًا، ولنظره إلى الباطن راقبا، وأنا أسأل الله البر الرحيم أن لا يجعله وبالا يوم القيامة.
وشرطي مع نظر في كتابي هذا أن لا يقرأه حتى يترحّم عليّ، وعلى والديّ، (نفعنا الله ﷿ وإياهم به)، وحسبنا الله ﵎ وحده، وحسبنا الله ونعم المعين، فبدأت بباب الألف، وبالله التوفيق" (^١). انتهى كلامه (رحمه الله تعالى).
قال الحافظ ابن حجر (﵀) في آخر مقدمة "تسديد القوس" (ل/ ٢) - تعليقًا على كلام الدَّيْلَمي في سبب تأليفه للكتاب -: "وقد بالغ
_________________
(١) = علي القضاعي، جمع فيه أحاديث قصيرة من أحاديث الرسول - ﷺ -، وهي مائتان وألف حديث، في الحِكَم والوصايا، محذوفة الأسانيد، مرتبة على الكلمات، من غير تقيد بحرف. انظر مقدمة "مسند الشهاب".
(٢) انظر "فردوس الأخبار" (١/ ٦ - ٨)، طبعة دار الكتب العلمية؛ وطبعة دار الفكر (١/ ٢٥ - ٢٧)، ومقدمة هذا الكتاب "زهر الفردوس"، (١/ أ).
[ ١ / ١٠٤ ]
أبو شجاع في الحطِّ على أهل زمانه والغضِّ من أهل بلده لإقبالهم على أحاديث القُصّاص من الموضوعات والمناكير، وإعراضهم عن الأحاديث المذكورة في كتب الأئمة المشهورة، وأنَّه وضع هذا الكتاب نصيحة للأمة؛ ولعمري لقد أجاد إلا أنه ساق النوعين مساقا واحدًا، فشاركهم فيما عابه عليهم".