لسنا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن كتاب الإمام أبي داود هذا يأتي في المرتبة الثالثة بعد "الصحيحين"، فقد عوّل أهلُ العلم على ما دوَّنه فيه من أحاديث وآثار، لأنه ﵀ قد تكرر منه النظر فيه والمراجعة والتثبت، وقُرىْ عليه مراتٍ عدة، حتى إنَّ تلميذه أبا علي اللؤلؤي قد قرأه عليه في مدةِ عشرينَ سنة. ولهذا قال القاضي أبو عمر الهاشميُّ تليمذُ أبي علي اللؤلؤي: والزياداتُ التي في رواية ابن داسه حذفها أبو داود آخرًا لأمرٍ رابه في الإسناد.
_________________
(١) المرجع السابق ص ٣٨.
[ مقدمة / ٥١ ]
وهذا ما دعا الإمام الحافظ زكريا الساجي -وهو من أصحاب الإمامِ أبي داود- لأن يقول: كتاب الله أصلُ الإسلام، وكتابُ أبي داود عهدُ الإسلام (^١).
وقال الإمام الخطابي: كتابُ "السنن" لأبي داود كتابٌ شريفٌ، لم يُصنف في علم الدين كتابٌ مثله، وقد رُزِقَ القبول مِنَ الناس كافّة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه وِرْدٌ، ومنه شِرْبٌ، وعليه مُعوَّل أهلِ العراق وأهلِ مصر وبلاد المغرب، وكثيرٌ من مدن أقطارِ الأرض. فأما أهلُ خراسان فقد أُولِعَ أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسنُ رصفًا وأكثرُ فقهًا (^٢).
وقال الإمامُ الخطابي أيضًا: سمعتُ ابن الأعرابي- وهو صاحبُ الإمام أبي داود- يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب، فأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحفُ الذي فيه كتابُ الله، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيءٍ من العلم بتَّة (^٣).
قال الخطابي معلقًا على قول ابن الأعرابي: وهذا كما قال، لا شكَّ فيه وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم،
_________________
(١) ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ورقة ٥٤٧.
(٢) مقدمة على شرحه "المعالم" ١/ ٦.
(٣) المرجع السابق ١/ ٨.
[ مقدمة / ٥٢ ]
وأمهاتِ السنن، وأحكام الفقه، ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه.
وقال الحافظ محمد بن مخلد الدُّوري العطار: كان أبو داود يفي بمذاكرة مئة ألف حديث، فلما صنف كتاب" السنن" وقرأه على الناس، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له أهلُ زمانه بالحفظ والتقدم فيه (^١).
وقال الحافظ أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم الأزدي الأندلسي، وقد سُئِل: أيهما أحبُّ إليك كتاب البخاري أو كتاب أبي داود؟ قال: كتاب أبي داود أحسنُهما وأملحهما (^٢).
وقال الحافظ محمد بن إبراهيم بن سعيد المعروف بابن أبي القراميد: خير كتابٍ ألف في السنن كتاب أبي داود السجستاني (^٣).
وقال الإمام الغزالي: كتاب أبي داود كافٍ للمجتهد (^٤).
وقال الحافظ أبو طاهر السِّلَفي: وكتاب أبي داود أحدُ الكتب الخمسة التي اتفق أهلُ الحل والعقد من الفقهاء والحفاظ على قبولها والحكم بصحة أصولها.
_________________
(١) أبو طاهر السلَفي في مقدمته على شرح الخطابي "معالم السنن" المطبوعة في آخر الكتاب ٤/ ٣٥٧.
(٢) ابن خير في "فهرسته " ص ١٠٧.
(٣) المرجع السابق ص ١٠٧.
(٤) السخاوي في "فتح المغيث" ١/ ٧٥. وهو بمعناه في "المستصفى" للغزالي ٢/ ٣٥١.
[ مقدمة / ٥٣ ]
وقال: وكتابُ "السنن" له صِيت في الآفاق، ولا يُرى مثلُه على الإطلاق (^١).
وقال الحافظ المنذري: كتاب "السنن" للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني أحدُ الكتب المشهورة في الأقطار، وحفظُ مُصنِّفه وإتقانُه، وتقدُّمُه محفوظٌ عن حفاظ الأمصار، وثناءُ الأئمة على هذا الكتاب وعلى مصنفه مأثور عن رواة الآثار (^٢).
وقال الإمام النووي: وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبي داود بمعرفته التامة فإن معظم الأحاديث التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه (^٣).
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره (^٤).
وقال الإمام القاسم بن يوسف التجيبي: وهذا الكتابُ هو كتابُ الفقهاء أصحاب المسائل، لأنهم يجدون فيه ما يحتاجون إليه في كل باب من أبواب الفقه، مما يشهد لهم بصحة ما ذهبوا إليه، وليس يوجد في كتب السنة مثله في هذا الفن، وقد احتوى من أحاديث
_________________
(١) أبو طاهر السلفي في مقدمة شرح الخطابي ٤/ ٣٦٢.
(٢) في مقدمة "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٤ - ٥.
(٣) في قطعة كتبها في شرح سنن أبي داود، نقله عنه السخاوي في "فتح المغيث" ١/ ٧٦.
(٤) السيوطي في "تدريب الراوي" ١/ ١٧٠.
[ مقدمة / ٥٤ ]
الأحكام على أربعة آلافٍ وثمان مئة على الأصح، انتقاها من حديثٍ كثيرٍ (^١).
وقال الإمام ابنُ قيم الجوزية: ولما كان كتاب "السنن" لأبي داودد سليمان بن الأشعث السجستاني ﵀ من الإسلام بالموضع الذي خصَّه الله به، بحيث صار حكمًا بين أهلِ الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون. فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء (^٢).
وقيل: إن الإمام أبا داود قد صنف كتابه قديمًا، وعرضه على الإمام أحمد فاستجاده واستحسنه (^٣).