معظم الذين ترجموا للإمام أبي داود ذكروه في الطبقة الأولى من أصحابِ الإمامِ أحمد كأبي إسحاق الشيرازي والقاضي أبي الحسين ابن أبي يعلى الفراء، وعدَّه الحافظ الذهبي من نجباء أصحابه (^٢).
وبذلك جزم المحدِّثُ الشيخ محمد أنور الكشميري، والشيخُ محمد زكريا الكاندهلوي (^٣).
وعدّه أبو عاصم العبَّادي وابن باطيش في الشافعية، وتبعهما تاج الدين ابن السُّبكي، وشايعهم على ذلك طاشكُبري زاده وصِدّيق حسن خان القِنَّوجي (^٤)، وفيه نظر، فقد قال الداوودي: ولم يذكروا لذلك دليلًا.
_________________
(١) ابن أبي يعلى الفراء في "طبقات الحنابلة" ١/ ٣٤٣. وقد ذكر الرسالة برُمّتها.
(٢) الشيرازي في "طبقات الفقهاء" ص ١٧١، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" ١/ ١٥٩ - ١٦٢، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢١٥.
(٣) الكشميري في شرحه على البخارى المسمى "فيض الباري" ١/ ٥٨، والكاندهلوي في مقدمة كتابه "لامع الدراري على جامع البخاري" ص ٦٠.
(٤) ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" ٢/ ٢٩٣، وطاشكبري زاده في "مفتاح السعاده" ٢/ ٢٨٤، والداوودي في "طبقات المفسرين" ١/ ٢٠٧، وصديق حسن خان في" أبجد العلوم" ٣/ ١٢٧.
[ مقدمة / ٢٣ ]
وكونُه تفقه بالإمام أحمد وبغيره من الأئمة، ونقل عنهم، لا يعني أنه كان مقلدًا لهم، يأخذُ بأقوالهم دونما تمحيصٍ، أو نظرٍ في أدلتهم، بل كان ﵀ وقد اكتملت له أدواتُ الاجتهادِ يختارُ ويُفتي بما يؤديه إليه اجتهاده في فهم الكتابِ والسنة وما تفرَّغ عنهما. فإنَّ علماءَ ذلك العصر الذي عاش فيه أبو داود لم يكونوا يرضون لأنفسهم التقليد، لا حفاظُ الحديث، ولا أئمةُ الفقه.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأئمة الستة وآخرين: هل كانوا مجتهدين لم يقلدوا أحدًا، أم كانوا مقلدين؟ فأجابهم بقوله: أما البخاريُّ وأبو داود فإمامانِ في الفقه مِن أهلِ الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم، فهم على مذهبِ أهلِ الحديث، ليسوا مقلدين لواحدٍ بعينه مِن العلماء، ولا هُمْ مِن الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل هم لا يميلُون إلى قولِ أئمةِ الحديثِ كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد، وأمثالهم. ومنهم مَنْ له اختصاصٌ ببعضِ الأئمة كاختصاص أبي داود ونحوه بأحمد بن حنبل، وهم إلى مذاهب أهلِ الحجاز كمالكِ وأمثاله أميلُ منهم إلى مذاهِب أهلِ العراق، كأبي حنيفة والثوري (^١).
وقال العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري: وأبو داود تفقه على فقهاء العراق، وعظم مقداره في الفقه، وهما أعني البخاري وأبا داود
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٢٠/ ٤٠.
[ مقدمة / ٢٤ ]
أفقه الجماعة ﵏ وأغدق عليهم سِجال الرحمة، ولهم على الأمة أعظمُ مِنَّة بما خدموا السُّنة (^١).
وذهب الشيخُ طاهر الجزائري إلى مذهب وسط بين الفريقين فقال: وعندي أن البخاري وأبا داود أيضًا كبقية الأئمة المذكورين، ليسا مقلَّدَين لواحدِ بعينه، ولا مِن الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل يميلان إلى أقوال أئمتهم (^٢).