بما أن الإمامَ ابنَ ماجه كانت له رحلةٌ واسعة، شَمِلَتْ مناطقَ عديدةً مِن بلاد خراسان وما وراء النهر، كما شَمِلَتْ أهمَّ حواضر العلم في بلاد الشام والعراق ومصر والحجاز، فلم يكن غريبًا أن
[ مقدمة / ١٢ ]
يكونَ له شيوخ كثيرون من تلك البلاد، أخذ عنهم، وروى عنهم، وأفاد منهم، قال الحافظ المِزي في ترجمته من "تهذيب الكمال": سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرِها من البلاد جماعةً يطولُ ذكرهم، قد ذكرنا منهم في كتابنا هذا مَن وقفنا عليه منهم. اهـ.
وقد استقصى الشيخ محمَّد عبد الرشيد النعماني في كتابه "الإمام ابن ماجه وعلم الحديث" -وهو باللغة الأُردية- أسماءَ شيوخِ ابن ماجه الذين روى عنهم في "سننه" و"تفسيره"، ورتبهم على بلادهم، فبلغ عددهم (٣١٠)، وكلهم مُترجَمون في "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وفروعه مثل: "تهذيب التهذيب" و"تقريب التهذيب" و"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" وغيرها.
وصنَّف الإمام الحافظ ابن عساكر صاحب "تاريخ دمشق" المتوفى سنة (٥٧١ هـ) معجمًا يَشْتَمِلُ على ذكرِ أسماءِ شيوخ الأئمةِ الستة، وهو مطبوعٌ باسم "المُعجَم المُشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبَل".
قلنا: وقد قمنا باستقصاء عددهم في "السُّنن" وحدَها فبلغوا (٣٠٣) شيخٍ تقريبًا، منهم مَن ليس له سوى حديث أو حديثين أو ثلاثة.
وقد شارك ابنُ ماجه البخاريَ ومسلمًا في كثيرٍ من شيوخهما كمحمد بنِ بشار بُندار، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب محمَّد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وغيرهم.
[ مقدمة / ١٣ ]
ومن الشيوخ الذين أكثر ابنُ ماجه عنهم هؤلاء الأربعة الذين شارك البخاري ومسلمًا في الرواية عنهم، وأكثَرَ أيضًا عن محمَّد بن يحيى الذهلي، وعليِّ بنِ محمَّد الطنَافسي، وعبدِ الرحمن بن إبراهيم الدمشقي المعروف بدُحَيْم، ومحمد بن رُمْح المصري، ومحمد بن الصَّبَّاح الجَرْجَرَائي، وهشام بن عمار. ونترجم لهم هنا تراجمَ مُوجَزة:
١ - الإمام الحافظ راوية الإسلام أبو بكر محمَّد بن بشار بن عثمان البصري، الملقَّب بُندارًا، ومعناه: الحافظ، جمع حديث بلده وحفظه، ووصفه ابن خُزيمة بأنه إمامُ أهل زمانه في العلم والأخبار، ولد سنة ١٦٧، ولم يرحل مبكرًا برًّا بأمه، ثم رحل بعدَ موتها، وقال: كَتَب عني خمسةُ قُرون، وحدَّثتُ وأنا ابن ثماني عشرة سنة، توفي سنة ٢٥٢ (١). وهو شيخُ الستة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٢ - الإمامُ الحافظُ عديمُ النظير أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة العَبْسي مولاهم الكوفي، صاحبُ "المسند" و"المصنف" وغيرهما، كان أحفظَ أهلِ زمانه، قال أبو عبيد القاسم بن سَلام: أحسنُهم وضعًا لكتابٍ أبو بكر بن أبي شيبة. توفي سنة ٢٣٥ (٢). وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
_________________
(١) "تهذيب الكمال" للمزي ٢٤/ ٥١١ - ٥١٨، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٢/ ١٤٤ - ١٤٩. وأراد بالقُرون -والله أعلم- جمعَ القَرن، ومن معانيه: عشر سنين، والمعنى أنه قد أُخذ عنه الحديثُ خمسين سنة.
(٢) "تهذيب الكمال" ١٦/ ٣٤ - ٤١، و"تذكرة الحفاظ" للذهبي ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
[ مقدمة / ١٤ ]
٣ - الحافظ أبو كُرَيب محمَّد بن العلاء بن كريب الهَمْداني الكوفي، وُلِدَ سنةَ ١٦١، وكان عارفًا بحديثِ أهلِ الكوفة، مِنْ أحفظِ أهل زمانه، توفي سنة ٢٤٨ وله ٨٧ عاما (١). وهو شيخ الستة.
٤ - الحافظُ الحجة محمَّد بن عبد الله بن نُمير، أبو عبد الرحمن الهَمْداني ثم الخارفي مولاهم الكوفي، ولد سنة نَيف وستين ومئة، وكان رأسًا في العلم والعمل، كان أحمدُ يُعظمه، وقال أبو حاتم: ثقة يُحتج بحديثه. توفي سنة ٢٣٤ (٢). وهو شيخُ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
٥ - الإمامُ الحافظُ البارعُ إمام أهل الحديث بخُرَاسان أبو عبد الله محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذُّهلي مولاهم النيسابوري، وُلِدَ سنةَ بضع وسبعين ومئة، جمع علمَ الزهري وصنَّفه وجوَّده، وكان أحمدُ يُثني عليه ويَنْشُرُ فضلَه، وقال عنه أبو حاتم: إمام أهل زمانه، وقال ابن أبي داود: كان أميرَ المؤمنين في الحديث. توفي سنة ٢٥٨ (٣). وحدَّث عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٦ - الإمامُ الحافظُ المتقنُ أبو الحسن عليُّ بن محمَّد الطنافسيُّ الكوفي، ابنُ أخت الطنافسيين علماءِ الكوفة محمَّد ويعلى وعمر وإبراهيم، سكن قزوين، قال أبو حاتِمٍ: كان ثقةً صدوقًا، هو أحبُّ
_________________
(١) "تهذيب الكمال" ١٦/ ٢٤٣ - ٢٤٧، و"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٩٤ - ٣٩٨.
(٢) "تهذيب الكمال" ٢٥/ ٥٦٦ - ٥٦٩، و"السير" ١١/ ٤٥٥ - ٤٥٧.
(٣) "تهذيب الكمال" ٢٦/ ٦١٧ - ٦٣١، و"السير" ١٢/ ٢٧٣ - ٢٨٥.
[ مقدمة / ١٥ ]
إليَّ مِن أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح، وأبو بكر أكثرُ منه حديثا وأفهمُ. توفي سنة ٢٣٣ (١). وانفرد ابن ماجه من بين الستة بالرواية عنه.
٧ - الإمام الحافظُ القاضي الفقيه أبو سعيد عبدُ الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي، وُلِدَ سنة ١٧٠، وكان يُلقَّب بدُحيمٍ اليتيم، قال أبو حاتم: كان دُحيم يُميِّزُ ويَضْبِطُ وهو ثقة. وقال الذهبي: عُنِيَ بهذا الشأن، وفاق الأقرانَ، وجمع وصنَف، وجرَّح وعدَّل، وصحَّح وعلَّل، وكان على مذهب الأوزاعي. توفي سنة ٢٤٥ (٢). وهو شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
٨ - الإمام المحدَث محمَّد بن الصباح بن سفيان، أبو جعفر الجَرْجَرَائي، مولى عمر بن عبد العزيز، وجَرْجَرايا: قرية بينَ واسط وبغداد، كان أحمد يُجِلُّه ويُعظمُه، توفي بجرجرايا سنة ٢٤٠ (٣). وهو شيخُ أبي داود وابن ماجه.
٩ - الحافظ الثبت أبو عبد الله محمَّد بن رُمح بن المهاجر بن المحرر التُّجِيبي مولاهم المصري، كان معروفًا بالإتقانِ الزائدِ والحفظ، قال النسائي: لو كان كتَبَ عن مالك لأثبتُّه في الطبقة الأولى مِن أصحابه، يعني لحفظه وإتقانه. وقال الذهبي: أنا أتعجبُ من البخاري كيف لم يرو عنه، فهو أهل لذلك، بل هو أتقن من
_________________
(١) "تهذيب الكمال" ٢١/ ١٢٠ - ١٢٢، و"السير" ١١/ ٤٥٩ - ٤٦١.
(٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ٣٤/ ١٦٣ - ١٧١، و"السير" ١١/ ٥١٥ - ٥١٨.
(٣) "تهذيب الكمال" ٢٥/ ٣٨٤ - ٣٨٦، و"السير" ١٠/ ٦٧٢ - ٦٧٣.
[ مقدمة / ١٦ ]
قتيبة بنِ سعيد رحمهما الله. توفي سنة ٢٤٢ (١). وهو شيخ مسلم وابن ماجه.
١٠ - الإمامُ الحافظُ المقرئُ أبو الوليد هشامُ بنُ عمار بن نُصَير ابن مَيْسرة السُّلَمي الدمشقي، ولد سنة ١٥٣، وكان من أوعية العلم، وحدَّث عنه الكبار، توفي سنة ٢٤٥ (٢). وهو من شيوخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.