٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح)
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ- أَنَّهُ قال: "يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يومًا،
_________________
(١) الحارث: هو ابن مخمر أبو حبيب قاضي حمص وثقه أحمد، وقد تصحف في السنة لعبد الله بن أحمد (٦٢٣) وعند اللالكائي (١٧٠٩) إلى الحارث ابن محمَّد وجاء على الصواب في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٢٥ - ١٢٦. وهذا السند منقطع، مجاهد لم يسمع أبا الدرداء. قال الحافظ في "الفتح" ١/ ٤٦ - ٤٧: ذهب السلفُ إلى أن الإيمانَ يزيدُ ويَنْقُصُ، وأنكر ذلك أكثرُ المتكلمين، وقالوا: متى قَبِلَ ذلك كان شكًا. قال الشيخ محي الدين النووي: والأظهرُ المختارُ: أن التصديقَ يزيدُ ويَنْقُصُ بكثرة النظرِ، ووضوحِ الأدِلةِ، ولهذا كان إيمانُ الصديق أقوى مِن إيمان غيره، بحيث لا تعتريه الشُبهة، ويُؤيده أن كُل أحدِ يعلم أن ما في قلبه يتفاضَلُ، حتى إنه يكونُ في بعضِ الأحيان الإيمانُ أعظمُ يقينا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديقِ والمعرفةِ بِحَسَبِ ظهورِ البراهين وكثرتِها. وقد نقل محمدُ بنُ نصر المروزي في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نُقِلَ عن السلَفِ صرَح به عبدُ الرزاق في "مصنفه" عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاءُ الأمصار في عصرهم. وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السنة" عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عُبيد وغيرهم مِن الأئمة.
[ ١ / ٥٤ ]
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَقُولُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَأَجَلَه، ُ وَرِزقَه، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا" (١).
٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ:
وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي (٢) شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو معاوية: هو محمَّد بن خازم الضرير. وأخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢٢٧١ - ٢٢٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٨٢) من طريق الأعمش، بهذا الإسناد. وهو في "مسند أحمد" (٣٦٢٤)، و"صحيح ابن حبان" (٦١٧٤). قوله: "الكتاب"، قال السندي: أي: المكتوب الذي كتبه الملَك. والحديث لا ينافي عموم المواعيد الواردة في الآيات القرآنية والأحاديث، مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، لأن المعتبر في كلِّها الموت على سلامة العاقبة وحسن الخاتمة.
(٢) في (ذ) و(م): إنه قد وقع في قلبي.
[ ١ / ٥٥ ]
مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ جَبَل أُحُدٍ ذَهَبًا -أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ- تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَقَالَ لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ، فَسَألتُه، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا، وَقَالَ: ائْتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَاسْأَلْهُ.
فَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَو كَانَ لَكَ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا -أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا- تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأن مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ" (١).
_________________
(١) إسناده قوي، وهو موقوف من حديث أبي بن كعب، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، ومرفوع من حديث زيد بن ثابت. أبو سنان: هو سعيد بن سنان الشيباني، وابن الديلمي: هو عبد الله بن فيروز. وأخرجه أبو داود (٤٦٩٩) من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، بهذا الإسناد. وهو في "مسند أحمد" (٢١٥٨٩)، و"صحيح ابن حبان" (٧٢٧).
[ ١ / ٥٦ ]
٧٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ
عَنْ عَلِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبِيَدِهِ عُودٌ، فَنَكَتَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: لَا، اعْمَلُوا وَلَا تَتَّكِلُوا، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١).
٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْن حَبَّانَ، عَنْ الْأَعْرَجِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ
وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى
مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢٢٧٠) و(٣٦٣٨)، والنسائي في "الكبرى" (١١٦١٤) و(١١٦١٥) من طرق عن سعد بن عبيدة، بهذا الإسناد. وهو في "مسند أحمد" (٦٢١)، و"صحيح ابن حبان" (٣٣٤).
[ ١ / ٥٧ ]
أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (١).
٨٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ: أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" ثلاثًا (٢).
_________________
(١) حديث حسن، ربيعة بن عثمان -وهو التيمي المدني- صدوق حسن الحديث. الأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز. وقد اختلف في إسناد هذا الحديث وقد بينّا ذلك في تعليقنا على "المسند". وأخرجه مسلم (٢٦٦٤)، والنسائي في "الكبرى" (١٥٣٨٦) من طريق عبد الله ابن إدريس، بهذا الإسناد. وهو في "المسند" (٨٧٩١)، و"صحح ابن حبان" (٥٧٢١). وسيأتي برقم (٤١٦٨).
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٣)، وأبو داود (٤٧٠١)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٢٣) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (٣٤٠٩) و(٤٧٣٦) و(٤٧٣٨) و(٦٦١٤) و(٧٥١٥)، ومسلم (٢٦٥٢)، والترمذي (٢٢٦٩)، والنسائي (١٠٩١٨) و(١٠٩١٩) و(١٠٩٩٤) و(١١٠٦٥) و(١١١٢٢) و(١١٢٦٦) و(١١٣٧٩) من طرق عن أبي هريرة- وبعضهم يزيد فيه على بعض. وهو في "مسند أحمد" (٧٣٨٧)، و"صحيح ابن حبان" (٦١٧٩). =
[ ١ / ٥٨ ]
٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ
بِأَرْبَعٍ: بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَالْبَعْثِ (١) بَعْدَ
الْمَوْتِ، وَالْقَدَرِ" (٢).
_________________
(١) = قال الإمام الخطابي في "معالم السُّنن" ٤/ ٣٢٢: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن فَلْجَ آدم في الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه، وإنما معناه: الإخبارُ عن تقدُّم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقديرٍ منه، وخلقِ لها خيرها وشرها. والقدر: اسم لما صار مقدورًا عن فعل القادر، كما الهدمُ والقبضُ والنشر أسماء لما صدر عن فعل الهادم والقابض والناشر، يقال: قدَرْتُ الشى وقدرتُه خفيفة وثقيلة بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه: الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن. وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليه. وقال ابن أبي العز في "شرح الطحاوية" ١/ ١٣٦: الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم ﵇ بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة، فإن القدر يُحتج به عند المصائب، لا عند المعايب.
(٢) المثبت من (س)، وفي (ذ) و(م) والنسخ المطبوعة: وبالبعث. بالباء.
(٣) رجاله ثقات رجال الصحيح، غير شريك -وهو وإن كان سيئ الحفظ- قد =
[ ١ / ٥٩ ]
٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى جِنَازَةِ غُلَامٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. قَالَ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِم" (١).
_________________
(١) = توبع، لكن قال الدارقطني في "العلل" ٣/ ١٩٦ لما سئل عن حديث ربعي هذا: حدث به شريك وورقاء وعمرو بن أبي قيس عن منصور، عن ربعي، عن علي، وخالفهم سفيان الثوري وزائدة وأبو الأحوص وسليمان التيمي، فرووه عن منصور، عن ربعي، عن رجل من بني أسد، عن علي، وهو الصواب. وأخرجه الترمذي (٢٢٨٣) من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (٢٢٨٤) من طريق النضر بن شميل، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن رجل، عن علي. وقال الترمذي: حديث أبي داود عن شعبة عندي أصح من حديث النضر، وهكذا روى غير واحد عن منصور عن ربعي، عن علي. وهو في "مسند أحمد" (٧٥٨)، و"صحيح ابن حبان" (١٧٨)، وانظر تفصيل تخريجه فيهما.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه مسلم (٢٦٦٢)، وأبو داود (٤٧١٣)، والنسائي ٤/ ٥٧ من طريق عائشة بنت طلحة، به. =
[ ١ / ٦٠ ]
٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ
_________________
(١) = وهو في "مسند أحمد" (٢٤١٣٢)، و"صحيح ابن حبان" (١٣٨) و(٦١٧٣). قوله: "أو غير ذلك " إلخ، قال السندي في حاشيته على "مسند أحمد": أي: لا يَحسُن الجزمُ في حق أحد، ولو صغيرًا. قال الإمام النووي في "شرح مسلم" ١٦/ ٢٠٧ - ٢٥٨ وهو بصدد شرح حديث أبي هريرة: "كل مولود يولد على الفطرة": أجمع من يُعْتَدُّ به مِن علماء المسلمين على أن مَنْ مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، لأنه ليس مكلفًا، وتوقف فيه بعضُ من لا يُعتد به، لحديث عائشة هذا. وأجاب العلماءُ بأنه لعله نهاها عن المسارعةِ إلى القطع مِن غير أن يكونَ عندها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: "أعطه إني لأراه مؤمنًا" قال: "أو مسلمًا" الحديث [أخرجه مسلم (١٥٠)]، ويُحتمل أنه - ﷺ - قال هذا قبل أن يعلم أن أطفالَ المسلمين في الجنة فلما علم قال ذلك في قوله - ﷺ -[فيما أخرجه البخاري (١٢٤٨) من حديث أنس، وسيأتي عند ابن ماجه (١٦٠٥)]: "مَا مِنْ مسلم يموتُ له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخله اللهُ الجنة بفضل رحمته إياهم" وغير ذلك من الأحاديث. والله أعلم. وأما أطفالُ المشركين، ففيهم ثلاثةُ مذاهب: قال الأكثرون: هُمْ في النار تبعًا لآبائهم، وتوقفت طائفةٌ فيهم، والثالث -وهو الصحيحُ الذي ذهب إليه المحققون-: أنَهم من أهلِ الجنة، ويُستدل له بأشياء: منها حديثُ إبراهيم الخليل ﵇ حين رآه النبي - ﷺ - في الجنة وحولَه أولادُ الناس، قالوا: يا رسولَ الله، وأولاد المشركين، قال: "وأولادُ المشركين" رواه البخاري في "صحيحه" (٧٠٤٧)، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قولُ الرسول - ﷺ -:"حتى يبلغ"، وهذا متفق عليه. والله أعلم.
[ ١ / ٦١ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] (١).
٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ عُثْمَانَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِيهِ
أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ لَهَا شَيْئًا مِنْ الْقَدَرِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ" (٢).
_________________
(١) إسناده حسن، زياد بن إسماعيل -وهو القرشي المخزومي- ضعفه ابن معين، وقال يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشئ، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق سيئ الحفظ. وصحح حديثه هذا مسلم والترمذي وابن حبان، وباقي رجاله ثقات. وأخرجه مسلم (٢٦٥٦)، والترمذي (٢٢٩٦) و(٣٥٧٤) من طريق وكيع، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهو في "مسند أحمد" (٩٧٣٦)، و"صحيح ابن حبان" (٦١٣٩). وقال الزجاج في "تفسيره" ٥/ ٩٢: معنى "بقَدَرٍ"، أي: كل شيء خلقاه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ونُصِبَ "كل شيء" بفعل مضمر، المعنى: إنا خلقنا كل شى خلقناه بقدر.
(٢) إسناده ضعيف جدًا، يحيى بن عثمان قال فيه البخاري وابن معين وابن حبان: منكر الحديث، وزاد الأخير: لا يجوز الاحتجاج به. ويحيى بن عبد الله بن أبي مليكة لين الحديث. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٧٤٤ - زوائد الهيثمي)، والعقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٤١٩ - ٤٢٠، والآجري في "الشريعة" ص ٢٣٥، وابن عدي في "الكامل" ٧/ ٢٦٧٨ من طريق يحيى بن عثمان، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٦٢ ]
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ: حَدَّثَنَاهُ خازِمُ (١) بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْقَدَرِ، فَكَأَنَّمَا يُفْقَأُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنْ الْغَضَبِ، فَقَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُمْ، أَوْ لِهَذَا خُلِقْتُمْ؟ تَضْرِبُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بِهَذَا هَلَكَتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ".
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِمَجْلِسٍ تَخَلَّفْتُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَتَخَلُّفِي عَنْهُ (٢).
_________________
(١) تصحف في (ذ) ومطبوعة محمَّد فؤاد عبد الباقي إلى: حازم، بالحاء المهملة، والتصويب من (س) و(م)، وهو كذلك على الصواب في "التدوين في أخبار قزوين" للرافعي ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦، و"الإرشاد" للخليلي ص ٦٢٣، و"تاريخ بغداد" ٨/ ٣٣٨، وهو خازم بن يحيى بن إسحاق أبو إسحاق الحلواني، قال الرافعي: ورد قزوين وحدَّث بها سنة ثلاث وسبعين ومئتين، وسمع منه إسحاق بن محمَّد وعلي ابن مهرويه وأبو الحسن القطان. وقال فيه الخليلي في "الإرشاد": ارتحل إلى الشام وإلى خراسان، وكان حافظًا يعرف هذا الشأن، وكتب عنه شيوخ البلد ورضوه.
(٢) إسناده حسن. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٣٠٨) من طريق عمرو ابن شعيب، بهذا الإسناد. وذكر فيه: يتنازعون في القدر، كما عند المصنف. وهو هكذا في "مسند أحمد" (٦٦٦٨). وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٦٧)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" ص ٤٣، والطبراني في "الأوسط" (٥١٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٥٨)، والبغوي =
[ ١ / ٦٣ ]
٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ" فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الْجَرَبُ فَيُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا؟! قَالَ: "ذَلِكُمْ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ " (١).
_________________
(١) = (١٢١) من طريق عمرو بن شعيب أيضًا، لكن دون ذكر القدر، وقال بعضُهم: يتمارون في القرآن، بدل القدر. وأخرج بنحوه مسلم (٢٦٦٦)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠٩٥)، والطبراني في "الأوسط" (٢٤٧٢)، واليهقي في "الشعب" (٢٢٥٩) من طريق عبد الله بن رباح الأنصاري، عن عبد الله بن عمرو. وعندهم أن الاختلاف وقع في آية. وفيه أن عبد الله بن عمرو كان شاهدًا حاضرًا حين وقع هذا الاختلاف، فلعلهما حادثتان مختلفتان في معنى متفِق. وفي "المسند" (٦٨٤٦) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله - ﷺخرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آيةَ، وهذا ينزع آيةَ، فذكر الحدث. قوله: "بهذا أُمرتم، أولهذا خلقتم"، قال السندي في "حاشيته على مسند أحمد": لعل المراد بالبعث: الخلق والإحداث من العدم إلى الوجود، وقد علم أن بحثهم كان في القدر، فالمراد: هذا البحث عن القدر والاختصام فيه هل هو المقصود من خلقكم؟ أو: هو الذي وقع التكليف به حتى اجترأتم عليه؟ يريد: أنه ليس بشيء من الأمرين، فأيُّ حاجة إليه؟
(٢) صحيح لغيره، وهذا -كما قال البوصيري- إسناد ضعيف لضعف يحيى ابن أبي حية، ولكونه روى عن أبيه بصيغة العنعنة، فإنه كان يدلس. وهو في "مصنف ابن أبي شيبة" ٩/ ٣٩ - ٤٠. وسيأتي عن ابن أبي شيبة وحده برقم (٣٥٤٠). =
[ ١ / ٦٤ ]
٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى (١)، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ:
لَمَّا قَدِمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْكُوفَةَ، أَتَيْنَاهُ فِي نَفَرٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ
الْكُوفَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فقَالَ: أَتَيْتُ
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٦٨٤)، والمزي في "تهذيب الكمال" ٧/ ٤٨٨ في ترجمة حي بن أبي حية الكلبي الكوفي والد أبي جناب يحيى بن أبي حية، من طريق أبي جناب، به. وهو في "مسند أحمد" (٤٧٧٥). ويشهد له -دون قوله: " ذلكم القدر"- غيرُ ما حديث، انظر تخريجها عند حديث ابن مسعود في "المسند" برقم (٤١٩٨). وأخرج البخاري (٥٧٥٣)، والنسائي في "الكبرى" (٩٢٣٢) من طريق سالم ابن عبد الله بن عمر، والبخاري (٥٧٧٢)، ومسلم (٢٢٢٥) (١١٦)، والنسائي (٩٢٣٣) من طريق سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، كلاهما عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة". قوله "لا عدوى"، قال البيهقي: هو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل الله غير الله تعالى، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح مَن به شئ مِن هذه العيوب سببًا لحدوث ذلك. "ولا طيرة"، قال السندي: هي بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن: التشاؤم بالشئ، وأصله أنهم كانوا في الجاهلية إذا خرجوا لحاجة فإن رأوا الطير طار عن يمينهم، فرحوا به، واستمروا، وإذا طار عن يسارهم، تشاءموا به ورجعوا، وربما هيجوا الطير لتطير، فيعتمدوا ذلك، فكان يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر. "ولا هامة"، قال: بتخفيف الميم، وجُوِّز تشديدها: طائر كانوا يتشاءمون به.
(٢) في النسخ المطبوعة زيادة الجرّار في اسمه، وتصحف في بعضها إلي: الخزاز، بمعجمات. والجرّار أصح.
[ ١ / ٦٥ ]
النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ" أَسْلِمْ تَسْلَمْ". قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ فَقَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَتُؤْمِنُ بِالأَقْدَارِ كُلِّهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِهَا وَمُرِّهَا" (١).
٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِيِّ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ، تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ" (٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًا، عبد الأعلى بن أبي المساور متروك، وكذبه ابن معين. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٣٥)، والطبراني في "الكبير" ١٧/ (١٨٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١١/ ٦٨ - ٦٩ من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور، بهذا الإسناد. وقصة قدوم عدي على النبي - ﷺ - قد صحت بغير هذه السياقة، انظر تخريجها في "مسند أحمد" (١٨٢٦٠).
(٢) صحيح موقوفًا، وهذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن أبان الرَّقاشي لكنه مُتابَع، وباقي رجاله ثقات، وقد اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أرجح. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢٨) من طريق أسباط بن محمَّد، بهذا الإسناد. ورواه سعيد بن إياس الجريري عن غنيم بن قيس فاختلف عليه في وقفه ورفعه، فرواه عنه موقوفًا شعبة كما في "مسند ابن الجعد" (١٤٧٢)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٦١، وخالد بن عبد الله الواسطي عند مسدَّد في "مسنده" فيما قاله البوصيري في "الزوائد"، وإسماعيل ابن عُلية فيما قاله الإمام أحمد بإثر الحديث (١٩٧٥٧). وسعيد بن إياس الجريري كان قد اختلط، إلا أن رواية هؤلاء عنه قبل اختلاطه، فهي صحيحة.
[ ١ / ٦٦ ]
٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِي يَعْلَى، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارِيَةً أَعْزِلُ عَنْهَا؟ قَالَ: سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا".
فَأَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ حَمَلَتْ الْجَارِيَةُ! فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: مَا قُدِّرَ لِنَفْسٍ شَيْءٌ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ" (١).
_________________
(١) = ورواه عنه مرفوعًا يزيد بن هارون عند أحمد (١٩٧٥٧)، وعبد بن حميد (٥٣٥)، وابن أبي عاصم (٢٢٧)، والبزار (٣٠٣٧)، والروياني في "مسنده" (٥٦٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٥٣). ويزيد روى عن الجريري بعد اختلاطه. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٥٨) عن عاصم الأحول، عن رجل من بني سدوس، عن أبي موسى موقوفًا. والرجل المبهم هو أبو كبشة السدوسي، قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف. ورواه عن عاصم أيضًا موقوفًا علي بن مسهر عند ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٨٥ - ٣٨٦، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٦٣، وأبو معاوية محمَّد بن خازم عند هناد في "الزهد" (١٢٣٧). وخالفهم عبد الواحد بن زياد فرواه عنه مرفوعًا عند أحمد (١٩٦٦١)، والبزار (٣١٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٧٥٢). ومن وقفه أكثر عددًا وأحفظ. الفَلاة: الأرض الخالية من العمران.
(٢) إسناده صحيح. علي بن محمَّد: هو ابن إسحاق الطنافسي، وخاله يعلى: هو ابن عبيد الطنافسي، والأعمش: هو سليمان بن مهران. وأخرجه عبد الرزاق (١٢٥٥٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٠، وأبو يعلى (١٩١٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٣٥ من طريق الأعمش، بهذا الإسناد. وهو في "مسند أحمد" (١٤٣٦٢)، و"صحيح ابن حبان" (٤١٩٤). وفي الباب عن أنس بن مالك، عند أحمد (١٢٤٢٠). العَزْل: هو الإنزال خارج الفَرج عند الجِماع.
[ ١ / ٦٧ ]
٩٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ
عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ للخَطِيئَة (١) يَعْمَلُهَا" (٢).
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: بخطيئة.
(٢) حسن لغيره دون قوله: "إن الرجل ليُحرم الرزقَ للخطيئة يعملها"، وهذا إسناد ضعيف، عبد الله بن أبي الجعد لم يروِ عنه غير اثنين، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، ثم هو كوفي، وثوبان شامي، فيغلب على الظن أنه لم يسمع منه، وكيع: هو ابن الجراح، وسفيان: هو الثوري، وعبد الله بن عيسى: هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وهو في "الزهد" لوكيع (٤٠٧). وأخرجه تامًا ومختصرًا ابن المبارك في "الزهد" (٨٦)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٤١ - ٤٤٢، والنسائي في "الكبرى" (١١٧٧٥)، والطبراني في "الكبير" (١٤٤٢)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٠٦٩)، والحاكم ١/ ٤٩٣، والبغوي في "شرح السنة" (٣٤١٨) من طرق عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. وهو في "مسند أحمد" (٢٢٣٨٦)، و"صحيح ابن حبان" (٨٧٢)، وفيهما تمام تخريجه، وذِكرُ شواهده. وسيتكرر عند المصنف برقم (٤٠٢٢). قال ابن حبان في "صحيحه": قوله - ﷺ - في هذا الخبر لم يُرِد به عمومه، وذاك أن الذنبَ لا يَحرِمُ الرزق الذي رُزق العبد، بل يكدر عليه صفاءَه إذا فكر في تعقيب الحالة فيه، ودوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنه رده لقِلَّة حِسِّه بألمه، والبرُّ يطيبُ العيش حتى كأنه يُزاد في عمره بطيب عيشه، وقلة تعذر ذلك في الأحوال.
[ ١ / ٦٨ ]
٩١ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَفَّافُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْعَمَلُ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَمُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِي أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ؟ قَالَ: "بَلْ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (١).
٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِنَّ مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُكَذِّبُونَ بِأَقْدَارِ اللَّهِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ، وَإِنْ لَقِيتُمُوهُمْ فَلَا تُسَلِّمُوا عَلَيْهِم" (٢).
_________________
(١) حديث صحيح، هشام بن عمار وعطاء بن مسلم الخفاف، وإن كان فيهما ضعف قد توبعا عند مُسدَّد في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" (٣٠٧)، فقد رواه مسدَّد عن إسماعيل ابن عُلية، عن روح بن القاسم، عن أبي الزبير، عن سراقة. وأخرجه مسلم (٢٦٤٨) من طريق أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، قال: يا رسول الله فذكره. وهو في "مسند أحمد" (١٤١١٦) ضمن حديث مطول، و"صحيح ابن حبان" (٣٣٦).
(٢) إسناده ضعيف جدًا، مسلسل بالمدلسين، محمَّد بن المصفّى وبقية بن الوليد يدلسان تدليس التسوية، وابن جريج وأبو الزبير مدلسان ولم يصرحا بالتحديث. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢٨)، والطبراني في "الصغير" (٦١٥)، وفي "الأوسط" (٤٠٥٨) و(٤٤٥٢)، والآجري في "الشريعة" ص ١٩٠ - ١٩١، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢٤٤) من طريق بقية بن الوليد، بهذا الإسناد. وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود (٤٦٩١). وهو في "مسند أحمد" (٥٥٨٤) وإسناده ضعيف، وانظر تتمة الكلام على إسناده هناك.
[ ١ / ٦٩ ]