قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣].
قَالَ الأَزْهَرِيُّ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ: جُنُبٌ، لأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ مَا لَمْ يَتَطَهَّرْ، فَتَجَنَّبَهَا، وَأَجْنَبَ عَنْهَا، أَيْ تَبَاعَدَ عَنْهَا.
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ، وَبُعْدِهِ مِنْهُمْ حَتَّى يَغْتَسِلَ، وَالْجَنَابَةُ: الْبُعْدُ.
٢٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي الْحَاجَةَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ لَا يَحْجُبُهُ أَوْ يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ».
[ ٢ / ٤١ ]
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ، وَلا
[ ٢ / ٤٢ ]
الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ».
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَلا لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَجَوَّزَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعِكْرِمَةُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَجَوَّزَ مَالِكٌ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، لأَنَّ زَمَانَ حَيْضِهَا قَدْ يَطُولُ، فَتَنْسَى الْقُرْآنَ، وَجَوَّزَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ آيَةٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَسْتَفْتِحَانِ الآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلا يُتِّمَانِهَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ الْحَائِضُ إِلا طَرَفَ الآيَةِ، وَلَكِنْ تَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ وَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَتُسَبِّحُ وَتُكَبِّرُ وَتَدْعُو اللَّهَ.
وَمِثْلُهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَمَكْحُولٍ: أَنَّ الْحَائِضَ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ، وَتَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَتَذْكُرُ اللَّهَ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: قُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: تَتَوَضَّأُ عِنْدَ وَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ وَتَذْكُرُ اللَّهَ؟ قَالَ: مَا وَجَدْتُ لِهَذَا أَصْلا.
[ ٢ / ٤٣ ]
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا ذِكْرُ اللَّهِ، ﷾، بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَغَيْرِهِمَا، لِمَا:
٢٧٤ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَاشَانِيُّ، أَنا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»
قَالَ الإِمَامُ: وَالأَحْسَنُ أَنْ يَتَطَّهَرَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ.
وَرُوِيَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلا عَلَى طُهْرٍ».
[ ٢ / ٤٤ ]
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ، «أَنَّهُ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّهُ».
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «السَّلامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ».
قَالَ الإِمَامُ: وَلا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ، وَلا لِلْحَائِضِ الْمَكْثُ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أَحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ» وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
[ ٢ / ٤٥ ]
وَجَوَّزَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ الْمُرُورَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ ﷾: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ.
وَجَوَّزَ أَحْمَدُ، وَالْمُزَنِيُّ الْمَكْثَ فِيهِ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ، لأَنَّ رَاوِيَهُ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ مَجْهُولٌ، وَتَأَوَّلَ الآيَةَ عَلَى أَنَّ ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] هُمُ الْمُسَافِرُونَ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةَ، فَيَتَيَمَّمُونَ وَيُصَلُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[ ٢ / ٤٦ ]