٣٦٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ لِي أَسْمَاءَ، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي، يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ، وَالْعَاقِبُ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَعَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[ ١٣ / ٢١١ ]
٣٦٣٠ - وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ لِي أَسْمَاءَ: أَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ ".
قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: مَا الْعَاقِبُ؟ قَالَ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَوْله: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي» أَيْ: أَنَّهُ يُحْشَرُ أَوَّل النَّاسِ، كَقَوْلِهِ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ».
وَ«الْعَاقِبُ» الآخِرُ، يُرِيدُ خَاتمَ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَلذَلِك كل شَيْء خلف بعد الشَّيْء، فَهُوَ عاقب، وَقد عقب يعقب عقبا وعقوبا، وَلِهَذَا قيل لولد الرجل بعده: هُوَ عقبه.
٣٦٣١ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْخُزَاعِيُّ، أَنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْكُوفِيُّ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
[ ١٣ / ٢١٢ ]
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: لَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَأَنَا الْمُقَفَّى، وَأَنَا الْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ الْمَلاحِمِ»
وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا سُمِّيتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: «المقفي»: المتبع لِلنَّبِيِّينَ، وقَالَ شمر: المقفي وَالْعَاقِب وَاحِد، وَهُوَ الْمولي الذَّاهِب، يقَالَ: قفي عَلَيْهِ: إِذا ذهب، فَكَأَن الْمَعْنى أَنه آخر الْأَنْبِيَاء، فَإِذا قفي، فَلَا نَبِي بعده، فَإِن قيل: قد قَالَ ﵇: «أَنا نَبِي الرَّحْمَة، وَنَبِي الْمَلَاحِم» كَيفَ وَجه الْجمع بَينهمَا؟ وقَالَ ﵇: «إِنَّمَا أَنا رَحْمَة مهداة»، وقَالَ: «بعثت بِالرَّحْمَةِ».
وقَالَ جلّ ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧]، فَكيف يكون مَبْعُوثًا بِالرَّحْمَةِ، وَقد
[ ١٣ / ٢١٣ ]
بعث بِالسَّيْفِ؟ قيل: هُوَ مَبْعُوث بِالرَّحْمَةِ كَمَا ذكر، وكما أخبر الله ﷾، وَذَلِكَ أَن الله ﷾ بعث الْأَنْبِيَاء ﵈، وأيدهم بالمعجزات، فَمن أنكر من تِلْكَ الْأُمَم الْحق بعد الْحجَّة والمعجزة عذبُوا بِالْهَلَاكِ والاستئصال، وَلَكِن الله ﷾ أَمر نبيه ﵇ بِالْجِهَادِ مَعَهم بِالسَّيْفِ، ليرتدعوا عَن الْكفْر، وَلم يجتاحوا بِالسَّيْفِ، فَإِن للسيف بَقِيَّة، وَلَيْسَ مَعَ الْعَذَاب الْمنزل بَقِيَّة، وَقد رُوِيَ أَن قوما من الْعَرَب، قَالُوا: يَا رَسُول الله، أفنانا السَّيْف، فقَالَ: «ذَلِك أبقى لآخرتكم»، فَهَذَا معنى الرَّحْمَة الْمَبْعُوث بهَا ذكره الْخطابِيّ.
قلت: وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك حَدِيث عَائِشَة: إِن الله ﷾ بعث إِلَيْهِ ملك الْجبَال، فقَالَ: إِن شِئْت أَن أطبق عَلَيْهِم الأخشبين، فقَالَ رَسُول الله ﷺ: «بل أَرْجُو أَن يخرج الله من أصلابهم من يعَبْد اللَّهِ وَحده لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا».
قلت: هُوَ مَبْعُوث بِالرَّحْمَةِ أَيْضا، من حَيْثُ إِن الله وضع فِي شَرِيعَته عَن أمته مَا كَانَ فِي شرائع الْأُمَم السالفة عَلَيْهِم من الآصار والأغلال، كَمَا قَالَ ﷾ فِي كِتَابه فِي قصَّة مُوسَى ﵇: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٥٦] إِلَى قَوْله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٥٧] وَأعْطى أمته فِي الْأَعْمَار القصيرة على الْأَعْمَال الْيَسِيرَة ضعف مَا أعْطى الْأُمَم الْمَاضِيَة فِي الْأَعْمَار الطَّوِيلَة على الْأَعْمَال الْكَثِيرَة الثَّقِيلَة، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث
[ ١٣ / ٢١٤ ]
ابْن عمر: " إِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالُوا: مَا لنا أَكثر عملا وَأَقل عَطاء؟ قَالَ الله ﷾: فَذَلِك فضلي أوتيه من أَشَاء ".
فقد أكمل الله ﷾ على الْخَلَائق بإرساله الرَّحْمَة، وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة، وَأعظم عَلَيْهِم الْمِنَّة، فَلهُ الْحَمد أَولا وآخرا، وظاهرا وَبَاطنا.