٣٥٩٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، أَنا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّهُ لَيَسْتَحِي.
يَعْنِي كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ،
[ ١٣ / ١٧١ ]
عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَيُقَالَ: اسْتَحْيَا يَسْتَحْيِي، وَاسْتَحَى يَسْتَحِي.
٣٥٩٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٥٩٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَنا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ، أَنا إِسْحَاقُ الدَّبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا شَانَهُ، وَلا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ».
[ ١٣ / ١٧٢ ]
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قلت: الْحيَاء مَحْمُود، وَهُوَ مِن الْإِيمَان، كَمَا أخبر النَّبِيّ ﷺ، فَإِن الْحيَاء يمْنَع الرجل عَن الْمعاصِي، كالمؤمن يمنعهُ إيمَانه مِن الْمعاصِي، خوفًا مِن اللَّه ﷿.
وَرُوِيَ عَن عمرَان بْن حُصَيْن، قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ: «الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير».
قلت: أما الْحيَاء فِي التَّعَلُّم، والبحث عَن أَمر الدّين، فمذموم، قَالَتْ عَائِشَة: «نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار، لم يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدّين».
وَقَالَ مُجَاهِد: «لَا يتَعَلَّم الْعلم مستح وَلَا مستكبر».
٣٥٩٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ.
نَا ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ
[ ١٣ / ١٧٣ ]
مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَوله: «مِن كَلَام النُّبُوَّة الأولى»، مَعْنَاهُ: اتِّفَاق كلمة الْأَنْبِيَاء صلوَات اللَّه عَلَيْهِم عَلَى اسْتِحْسَان الْحيَاء، فَمَا مِن نَبِي إِلَّا ندب إِلَيْهِ، وَبعث عَلَيْهِ.
وَقَوله: «فافعل مَا شِئْت»، فِيهِ أقاويل، أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ معنى الْخَبَر، وَإِن كَانَ لَفظه لفظ الْأَمر، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذا لم يمنعك الْحيَاء، فعلت مَا شِئْت مِمَّا تدعوك إِلَيْهِ نَفسك مِن الْقَبِيح، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب أَبِو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلام، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى: مَعْنَاهُ الْوَعيد، كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، أَي: اصْنَع مَا شِئْت، فَإِن اللَّه مجازيك.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيّ: مَعْنَاهُ: أَن تنظر إِلَى مَا تُرِيدُ أَن تَفْعَلهُ، فَإِن كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يستحيا مِنْهُ، فافعله، وَإِن كَانَ مِمَّا يستحيا مِنْهُ، فَدَعْهُ، وَالله أعلم.
وروى هَذَا الحَدِيث جرير، عَن مَنْصُور، بِإِسْنَادِهِ، ثمَّ قَالَ جرير: مَعْنَاهُ: أَن يُرِيد الرجل أَن يعْمل الْخَيْر، فيدعه حَيَاء من النَّاس، كَأَنَّهُ يخَاف مَذْهَب الرِّيَاء، يَقُول: فَلَا يمنعك الْحيَاء من الْمُضِيّ لما أردْت.
قَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ شَبيه بِالْحَدِيثِ الآخر: " إِذا جَاءَك الشَّيْطَان وَأَنت تصلي، فقَالَ: إِنَّك ترائي فزدها طولا ".
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحسن:
[ ١٣ / ١٧٤ ]
مَا أحد أَرَادَ شَيْئا من الْخَيْر إِلَّا سَارَتْ فِي قلبه سورتان، فَإِذا كَانَت الأولى مِنْهُمَا لله، فَلَا تهيدنه الْآخِرَة.
قَالَ أَبُو عبيد: إِنَّمَا وَجهه عِنْدِي على جِهَة الذَّم لترك الْحيَاء.