٣٥٧٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، " أَنَّ رَجُلا مَدَحَ رَجُلا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلانًا وَلا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، حَسِيبُهُ اللَّهُ إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ
[ ١٣ / ١٤٩ ]
مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ غُنْدَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْله: «قطعت عنق صَاحبك»، إِنَّمَا كره ذَلِك لِئَلَّا يغتر الْمَقُول لَهُ بِهِ، فيستشعر الْكبر، وَذَلِكَ جِنَايَة عَلَيْهِ، فَيصير كَأَنَّهُ قطع عُنُقه فَأَهْلَكَهُ.
وَقَوله: «حسيبه الله»، يَعْنِي أَن الله يحاسبه على أَعماله، ويعاقبه على ذنُوبه إِن شَاءَ.
وقَالَت عَائِشَة: إِذا أعْجبك حسن عمل امْرِئ، فَقل: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٥] وَلَا يستخفنك أحد.
٣٥٧٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ أَبِي شَبِيبٍ، أَنَّ رَجُلا جَعَلَ يُثْنِي عَلَى عَامِلٍ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْمِقْدَادِ.
[ ١٣ / ١٥٠ ]
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: المداحون هم الَّذين اتَّخذُوا مدح النَّاس عَادَة، وجعلوه بضَاعَة يستأكلون بِهِ الممدوح، فَأَما من مدح الرجل على الْفِعْل الْحسن، وَالْأَمر الْمَحْمُود يكون مِنْهُ ترغيبا لَهُ فِي أَمْثَاله، وتحريضا للنَّاس على الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أشباهه، فَلَيْسَ بمداح.
وَقد اسْتعْمل الْمِقْدَاد الحَدِيث على ظَاهره فِي تنَاول عين التُّرَاب، وحثيه فِي وَجه المادح، وَقد يتَأَوَّل أَيْضا على وَجه آخر وَهُوَ أَن يكون مَعْنَاهُ: الخيبة والحرمان، أَي: من تعرض لكم بالثناء والمدح، فَلَا تعطوه واحرموه.
كني بِالتُّرَابِ عَن الحرمان، كَقَوْلِهِم: مَا فِي يَده غير التُّرَاب، وَكَقَوْلِه ﷺ: «إِذا جَاءَك يطْلب ثمن الْكَلْب، فاملأ كَفه تُرَابا».
قلت: وَفِي الْجُمْلَة الْمَدْح وَالثنَاء على الرجل مَكْرُوه.
لِأَنَّهُ قَلما يسلم المادح عَن كذب يَقُوله فِي مدحه، وقلما يسلم الممدوح، من عجب يدْخلهُ.
وَرُوِيَ أَن رجلا أثنى على رجل عِنْد عمر، فقَالَ عمر: عقرت الرجل، عقرك الله.