بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] الْآيَةُ، بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ
[ ١٣ / ١٧٠ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ قَالَ:
٥١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: " ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ فَرِيقٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَفَرِيقٌ: لَا نَقْتُلُهُمُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] الْآيَةُ " ⦗١٧١⦘ فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا مِمَّا لَمْ يَضْبِطُهُ شَبَابَةُ، عَنْ شُعْبَةَ، لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ، فِئَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وَفِئَةٌ تَقُولُ: لَا نَقْتُلُهُمْ، وَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْمُنَافِقُونَ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللهِ بِقَتْلٍ، وَلَا بِمَا سِوَاهُ وَكَانَ ﷺ يَحْمِلُهُمْ عَلَى عَلَانِيَتِهِمْ، وَعَلَى مَا كَانُوا يُظْهِرُونَ لَهُ مِنْ أُمُورِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ مِنْ بِاطِنِهِمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا أَعْلَمُهُ اللهُ ﷿ مِنْهُمْ، وَمَا دَلَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ، ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونُكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وَلَمْ يُغْرِهِ ﷿ بِهِمْ، وَلَا كَانَ مِنْهُ ﷺ فِيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَا كَانَ اللهُ ﷿ أَعْلَمُهُ عَنْهُمْ، مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا يُسِرُّونَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لِرَسُولِهِ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِ ﷺ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلَا تَصِلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ ⦗١٧٢⦘ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] الْآيَةُ وَمَنْ إِخْبَارِهِ بِمَصِيرِهِمُ الَّذِي يَصِيرُونَ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ بَقَوْلُ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] الْآيَةُ وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى بُعْدِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي حَدَّثَ بِهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِيهِمْ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ شَبَابَةَ إِيَّاهُ عَنْ شُعْبَةَ: كَيْفَ هِيَ
[ ١٣ / ١٧٠ ]
٥١٧٣ - فَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: " أَنَّ قَوْمًا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، فَرَجَعُوا، فَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ، وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨] "
[ ١٣ / ١٧٢ ]
٥١٧٤ - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: " لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ أُحُدًا، رَجَعَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ ⦗١٧٣⦘ يَقُولُ: لَا نَفْعَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨] " فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّنَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ: فِئَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وَفِئَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِتَرْكِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مَعَهُ إِلَى قِتَالِ أَعْدَائِهِ بِأُحُدٍ، وَرُجُوعِهِمْ إِلَى مَا سِوَاهَا، فَحَلَّ بِذَلِكَ قَتَلُهُمْ، وَصَارُوا بِهِ حَرْبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ طَلَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانُوا رَجَعُوا إِلَيْهِ، أَيُّ الْمَوَاضِعِ هُوَ؟
[ ١٣ / ١٧٢ ]
٥١٧٥ - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: " رَجَعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَقْتُلُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] " قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّهَا لَتَنْفِي الرَّجُلَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ الْفِضَّةَ " ⦗١٧٤⦘ وَكَانَ قَوْلُهُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " إِنَّهَا تَنْفِي الرَّجُلَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ الْفِضَّةَ "، يَعْنِي الْمَدِينَةَ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ رُجُوعَهُمْ كَانَ إِلَى غَيْرِهَا لَا إِلَيْهَا، وَوَجَدْنَا الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللهِ ﷿ بِعَقِبِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ، حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء: ٨٩]، وَالْمُهَاجِرُ فَإِنَّمَا كَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَا سِوَاهَا ثُمَّ نَظَرْنَا: هَلْ رُوِيَ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانُوا رَجَعُوا إِلَيْهِ؟، فَلَمْ نَجِدْ فِي ذَلِكَ غَيْرَ
[ ١٣ / ١٧٣ ]
٥١٧٦ - مَا قَدْ حَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو شُرَيْحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا قَالَ: قَالَ لَنَا الْفِرْيَابِيُّ: كُلُّ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ عَنْ وَرْقَاءَ فَهُوَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]: " قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى جَاءُوا الْمَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْخُذُوا بَضَائِعَ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُؤْمِنُونَ، فَبَيَّنَ اللهُ ﷿ نِفَاقَهَمْ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ " ⦗١٧٥⦘ فَهَذَا الَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
[ ١٣ / ١٧٤ ]