قال البيهقي في معرفة السنن والآثار ١/ ١٤٧: وحين شرعت في هذا الكتاب بعث إلي بعض إخواني من أهل العلم بالحديث بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صححه لأجل رأيه، وكم من حديث صحيح ضعفه لأجل رأيه، وقال - عقب رده لكلام الطحاوي في حديث مس الذكر: أردت أن أبين خطأه في هذا وسكت عن كثير من أمثال ذلك، فبين أن الحديث لم يكن من صناعته، وإنما أخذ الكلمة بعد الكلمة من أهله ثم لم يحكمها.
قلت: هذا طعن بعدالته، واتهام له بالجهل في صناعة الحديث.
قال العيني في مقدمة نخب الأفكار ١/ ٨٥: وحاشى الله من الطحاوي يقع في مثل هذا، لأن أمانته، وإمامته، وجلالة قدره تنافي ذلك، بل هذه الصفة التي رماه بها البيهقي بعينها هو متصف بها في سننه، لأن كثيرا من الثقات قد ضعفه عند كون الحجة عليه، وكثيرا من الضعفاء وثقه عند كون الحجة له فأن أردت تصديق ذلك فعليك بكتاب الجوهر النقي في الرد على البيهقي، الذي ألفه قاضي القضاة علاء الدين التركماني، حتى ترى فيه عجائب وغرائب من أنواع ما ذكرنا، ويظهر لك ظلم الخصم وتحامله من غير حق، ولا برهان وبالله المستعان في كل شأن انتهى.
[ ١ / ٢٢ ]
وقال الحافظ عبد القادر القرشي في الجواهر المضيئة ٢/ ٤٣٠، بعد أن ذكر كلام البيهقي: حاشا الله أن الطحاوي ﵀ يقع في هذا، فهذا الكتاب الذي أشار إليه هو الكتاب المعروف بمعاني الآثار، وقد تكلمت علي أسانيده، وعزوت أحاديثه وإسناده إلى الكتب الستة، والمصنف لابن أبي شيبة، وكتب الحفاظ، وسميته بالحاوي في بيان آثار الطحاوي، وكان ذلك بإشارة شيخنا العلامة الحجة قاضي القضاة علاء الدين المارديني، والد شيخنا قاضي القضاة جمال الدين، لما سأله بعض الأمراء عن ذلك، وقال له: عندنا كتاب الطحاوي، فإذا ذكرنا لخصمنا الحديث منه يقولون لنا ما نسمع إلا من البخاري ومسلم. فقال له قاضي القضاة علاء الدين والأحاديث التي في الطحاوي أكثرها في البخاري ومسلم والسنن وغير ذلك من كتب الحفاظ فقال له الأمير: أسألك أن تخرجه، وتعزو أحاديثه إلى هذه الكتب. فقال له قاضي القضاة: ما أتفرغ لذلك، ولكن عندي شخص من أصحابي يفعل ذلك. وتكلم معه ﵀ في الإحسان إلي، وأمدني الأمير بكتب كثيرة كالأطراف للمزي، وتهذيب الكمال له، وغيرهما، وشرعت فيه، وكان ابتدائي فيه في سنة أربعين، وأمدني شيخنا قاضي القضاة بكتاب لطيف فيه أسماء شيوخ الطحاوي، وقال لي: يكفيك هذا من عندي فحصل لي النفع العظيم به، ووجدت الطحاوي قد شارك مسلما في بعض شيوخه كيونس بن عبد الأعلى، فوقع لي في كثير من الأحاديث أن الطحاوي يروي الحديث عن يونس بن عبد الأعلى، ويسوقه، ومسلم
[ ١ / ٢٣ ]
يرويه بعينه عن يونس بن عبد الأعلى بسند الطحاوي، ووالله لم أر في هذا الكتاب شيئا مما ذكره البيهقي عن الطحاوي، وقد اعتنى شيخنا قاضي القضاة علاء الدين، ووضع كتابا عظيما نفيسا على "السنن الكبير" له، وبيّن فيه أنواعا مما ارتكبها من ذلك النوع الذي رمى به البيهقي الطحاوي، فيذكر حديثا لمذهبه وسنده ضعيف فيوثقه، ويذكر حديثا على مذهبنا وفيه ذلك الرجل الذي وثقه فيضعفه، ويقع هذا في كثير من المواضع، وبين هذين العملين مقدار ورقتين أو ثلاثة، وهذا كتابه موجود بأيدي الناس، فمن شك في هذا فلينظر فيه، وكتاب شيخنا كتاب عظيم، ولو رآه من قبله من الحفاظ لسأله تقبيل لسانه الذي تفوّه بهذا، كما سأل أبو سليمان الداراني أبا دواد صاحب السنن أن يخرج إليه لسانه حتى يقبله. انتهى.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٤/ ١٩٤ بصدد الطعن في حديث رد الشمس إلى علي ﵁، الذي صححه الطحاوي في شرح معاني الآثار، وقال: والطحاوي ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة، وإنما يرجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة ويكون أكثرها مجروحا من جهة الإسناد، لا يثبت ولا يتعرض لذلك، فإنه لم تكن معرفته بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيها عالما. انتهى.
[ ١ / ٢٤ ]
قلت هذا الحكم في الإمام أبي جعفر الطحاوي صادر دون دقة، ولم يسمع أحد من أهل العلم أصدر في حقهم مثل هذا الحكم القاسي، وكيف يطعن هذا الإمام بأنه لا معرفة له بالإسناد كمعرفة أهل العلم، وقد وصفه الأئمة المشهود لهم ببراعة النقد، بأنه حافظ للحديث، عارف بطرقه خبير بنقده سندا ومتنا، وقد سبق.
وقال الشيخ العلامة محمد يوسف الكاندهلوي في مقدمة أماني الأحبار ١/ ٥٥: ظاهر كلام العلامة ابن تيمية على أنه حَكَم هذا الحكم على الإمام أبي جعفر الطحاوي، وأخرجه من أئمة النقد، لأنه صحح حديث ردّ الشمس لعلي ﵁، والإمام الطحاوي ليس بمتفرد بتصحيح هذه الرواية، وقد وافقه غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، ورجحوا قوله على قول ابن تيمية … وما ذكرنا في الفائدة العاشرة من أقوال الإمام الطحاوي في الرجال، وكلامه في نقد الأحاديث كنقد أهل العلم من كتابيه "معاني الآثار" و"مشكل الآثار"، وكتب أسماء الرجال يردّ كل الرد، ويدفع كل الدفع قول ابن تيمية هذا، ويثبت صحة ما اختاره الذهبي من ذكره في الحفاظ الذين يرجع إلى أقوالهم، والسيوطي من ذكره فيمن كان بمصر من حفاظ الحديث ونقاده، وقد شهد له الأئمة المتقدمون بجلالة قدره، كابن يونس ومسلمة بن القاسم، وابن عساكر، وابن عبد البر، وأضرابهم، وهؤلاء أقرب بالطحاوي من ابن تيمية، ومنهم من هو أعلم أعلم منه بحال علماء
[ ١ / ٢٥ ]
مصر، فإن صاحب البيت أدرى بما فيه، فجرح ابن تيمية بغير دليل لم يؤثّر في الإمام الطحاوي مع شهادة هؤلاء الأعلام.
وقد قال التاج السبكي في طبقاته ٢/ ٩ و١٢: الحذر كل الحذر أن تفهم من قاعدتهم: أن الجرح مقدَّم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت عدالته وإمامته، وكثر مادحوه ومزكّوه، وندر جارحه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، لم يلتفت إلى جرحه .. ثم قال بعد كلام طويل: قد عرفناك أن الجارح لا يقبل جرحه - وإن فسره - في حق من غلبت طاعته على معصيته، ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة دالة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة.
على أن ابن تيمية كما في الدرر الكامنة ١/ ١٥١ عن الذهبي: كان مع سعة علمه، وفرط، شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه الحرمات الدين بشرا من البشر تعتريه حدَّةٌ في البحث، وغضب وشظفٌ للخصم، تزرع له عداوةٌ في النفوس، وإلا لو لاطف خصومه، لكان كلمة إجماع، فإنّ كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بشنوفه، مقرون بندور خطئه، وأنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقا وأفعالا، وكل أحد يؤخذ قوله ويترك.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال ابن حجر في اللسان ١/ ٢٧٦: قال مسلمة بن القاسم في كتاب الصلة: قال لي أبو بكر محمد بن معاوية بن الأحمر القرشي: دخلت مصر قبل الثلاث مئة، وأهل مصر يرمون الطحاوي بأمر عظيم فظيع، ويفسر ابن حجر هذا الأمر بقوله: يعني من جهة أمور القضاء، ومن جهة ما قيل أنه أفتى به أبا الجيش من أمر الخصيان، وقال الكاندهلوي ﵀ في مقدمة أماني الأحبار ولعل كلام الحافظ يكمل من قول ابن النديم حيث قال في الفهرست (ص ٢٦٠): ويقال: إنه تعمل لأحمد بن طولون كتابا في نكاح ملك اليمي، يرخص له في نكاح الخدم. وهذا عجيب من مثل الحافظ، فقد أسس بنيانه على رواية لم يلتفت إليها أحد غيره، ومسلمة بن قاسم هذا ضعفه الذهبي في الميزان، ونسبه إلى المشبهة وذكر الحافظ في ترجمة مسلمة هذا: سئل القاضي محمد بن يحيى بن مفرج عنه فقال: لم يكن كذابا، ولكن كان ضعيف العقل. وعن عبد الله بن يوسف الأزدي - يعني ابن الفرضي - قال: كان مسلمة صاحب رأي وسر وكتاب، وحفظ عليه كلام سوء في التشبيهات. وقد ألزم مسلمة بن القاسم هذا في كتاب الصلة الإمام البخاري بسرقة كتاب شيخه علي بن المديني كما ألزم ها هنا الإمام الطحاوي، ولكن الحافظ لم يرضَ بما قاله في البخاري، ورضي عنه ها هنا بما قال في الطحاوي، وابن الأحمر الذي روى عنه مسلمة بن قاسم لم يوجد في كتب الرجال فلعله مجهول، وأهل
[ ١ / ٢٧ ]
مصر الذي روى عنهم ابن الأحمر مجاهيل، وما ذكره عنهم من أمر فظيع جرح غير مفسر.
ثم ما ذكره شارحا لكلامه - يعني من جهة أمور القضاء - فإن كان مراده أنه ولي القضاء، فساء في أموره، فلم يثبت أنه ولي القضاء حتى يصح رميه بأمور تتعلق بالجور في القضاء. وهو الذي حضّ القاضي أبا عبيد على محاسبة الأمناء، وناظره في ذلك، وإن كان مراده ما أشاع حساده من الأمنا فأغروا به نائب هارون بن أبي الجيش حتى اعتقل أبا جعفر الطحاوي بسبب اعتبار الأوقاف، وأوقعوا بين أبي عبيد القاضي، وأبي جعفر الطحاوي حتى تغير كل منهما للآخر، فالحق مع أبي جعفر الطحاوي نال ما نال من الحساد الذين يتعسفون عليه بالعدالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله يجزيه على ذلك إن شاء الله.
وأما قوله أو من جهة … الخ. فالقائل مجهول، ولا يكون الجرح عند أهل النقد هكذا، والظاهر أنه أخذ ذلك عن ابن النديم، فإنه أخذ كلامه كله، ولكن حذف هذه الجملة من أثناء كلامه، ثم شرح قول ابن الأحمر بقول ابن النديم، وابن النديم لا يجزم على ما قال، بل ذكر بصيغة التمريض بدون التحقيق على ما هو عادة المؤرخين في الجمع بين الرطب واليابس، والصحيح والسقيم، وبمثل هذا لا يثبت جرح من ثبتت إمامته، وأمانته وديانته وتثبته وثقته ومن اتفق على فضله وصدقه وزهده وورعه، وقد
[ ١ / ٢٨ ]
أعرض المتقدمون والمتأخرون عن ذكر ما ذكره الحافظ، فلم يذكروا ذلك، لا في ترجمة أبي جعفر، ولا في ترجمة أبي الجيش، فهذا دليل قوي على بطلانه، وقد ترك الحافظ ها هنا في الكلام على الإمام الطحاوي ما ذكره في مقدمة اللسان ١/ ١٦ عن ابن عبد البر: من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته، وبانت همته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي الجارح في جرحه ببينة عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات، والعمل بما فيها من المشاهدة لذلك ما يوجب قبوله.
[ ١ / ٢٩ ]