١٠٥٥ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري، عن أنس بن مالك قال: سمعته يقول: ما كان أحد أشد تعجيلا لصلاة العصر من رسول الله ﷺ إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارا من مسجد رسول الله ﷺ لأبو لبابة بن عبد المنذر أحد بني عمرو بن عوف وأبو عبس بن جبر أحد بني حارثة، دار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله ﷺ العصر، ثم يأتيان قومهما وما صلوها لتبكير رسول الله ﷺ بها (^١).
١٠٥٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: أنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث عند أحمد فانتفت شبهة تدليسه. وأخرجه أحمد (١٣٤٨٢)، عن يعقوب، عن أبيه بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في الكبير (٤٥١٥)، وفي الأوسط (٧٩٤٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٤، والحاكم ١/ ١٩٥، ٣/ ٣٥١، من طرق عن محمد بن إسحاق به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) إسناده صحيح. وهو في موطأ مالك ١/ ٣٨، ومن طريقه رواه عبد الرزاق (٢٠٧٩)، والبخاري (٥٤٨)، ومسلم (٦٢١) (١٩٤)، والبيهقي ١/ ٤٤٣.
[ ٢ / ١٦٨ ]
١٠٥٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا مالك بن أنس، قال: حدثني الزهري، وإسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء قال أحدهما وهم يصلون، وقال الآخر: والشمس مرتفعة (^١).
١٠٥٨ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: أنا مالك، عن الزهري، عن أنس، (ح)
وحدثنا يونس قال: أنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن ابن شهاب، عن أنس قال: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (^٢).
١٠٥٩ - حدثنا ابن أبي داود: قال ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس، مرتفعة قال الزهري والعوالي على الميلين والثلاثة -وأحسبه قال والأربعة- (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف لضعف نعيم بن حماد. وأخرجه النسائي في المجتبى ١/ ٢٥٢ من طريق سويد بن نصر، عن عبد الله عن مالك به.
(٢) إسناده صحيح. وهو في موطأ مالك (١١)، ومن طريقه أخرجه البخاري (٥٥١)، ومسلم (٦٢١) (١٩٣)، وأبو عوانة ١/ ٢٩٣، والبيهقي ١/ ٤٤٠، والبغوي (٣٦٥).
(٣) إسناده ضعيف لضعف نعيم بن حماد. وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٦٩)، ومن طريقه أحمد (١٢٦٤٤)، وأبو يعلى (٣٦٠٤)، وأبو عوانة ١/ ٣٥١، والبيهقي ١/ ٤٤٠. =
[ ٢ / ١٦٩ ]
١٠٦٠ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتي العوالي والشمس مرتفعة (^١).
١٠٦١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، عن ربعي، قال: ثنا أبو الأبيض، قال: ثنا أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا العصر والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي وهم جلوس في ناحية المدينة، فأقول لهم قوموا فصلوا، فإن رسول الله ﷺ قد صلى (^٢).
قال أبو جعفر: فقد اختلف عن أنس بن مالك في هذا الحديث، فكان ما روى عاصم بن عمر بن قتادة وإسحاق بن عبد الله وأبو الأبيض عن أنس بن مالك، يدل على
_________________
(١) = وأخرجه البخاري (٧٣٢٩)، وابن حبان (١٥٢٠)، والدارقطني ١/ ٢٥٣، والبيهقي ١/ ٤٤٠، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١٨١، والبغوي (٣٦٦) من طرق عن الزهري به.
(٢) إسناده صحيح وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧، وأحمد (١٣٣٣١)، ومسلم (٦٢١) (١٩٢)، وأبو داود (٤٠٤)، والنسائي ١/ ٢٥٢، وابن ماجة (٦٨٢)، وأبو يعلى (٣٥٩٣)، وابن حبان (١٥١٩، ١٥٢٢)، والبيهقي ١/ ٤٤٠ من طرق عن الليث بن سعد به.
(٣) إسناده صحيح وأخرجه أحمد (١٣٤٣٤) من طريق زائدة به. وأخرجه الطيالسي (٢١٣٢)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٢٦، وأحمد (١٢٣٣١)، والنسائي ١/ ٢٥٣، وأبو يعلى (٤٣١٨)، والبزار (٣٧٣ كشف الاستار)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١١ من طرق عن منصور بن المعتمر به.
[ ٢ / ١٧٠ ]
التعجيل بها، لأن في حديثهم أن رسول الله ﷺ كان يصليها، ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا فيجدهم لم يصلوا العصر.
ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل التعجيل.
وأما ما روى الزهري عن أنس، فإنه قال كنا نصليها مع النبي ﷺ، ثم نأتي العوالي والشمس مرتفعة فقد يجوز أن تكون مرتفعة قد اصفرت.
فقد اضطرب حديث أنس هذا، لأن معنى ما روى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله وعاصم بن عمر، وأبو الأبيض عن أنس.
وقد روي في ذلك أيضا عن غير أنس، فمن ذلك ما
١٠٦٢ - حدثنا ابن أبي داود وفهد قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: ثنا أبو واقد الليثي، قال: ثنا أبو أروى: قال كنت أصلي مع النبي ﷺ العصر بالمدينة ثم أتي الشجرة ذا الحليفة قبل أن تغرب الشمس، وهي على فرسخين (^١).
ففي هذا الحديث أنه كان يسير بعد العصر فرسخين قبل أن تغيب الشمس.
_________________
(١) إسناده ضعيف لضعف أبي واقد الليثي هو صالح بن محمد بن زائدة. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧، والبخاري في تاريخه ٩/ ٦ - ٧، والبزار (٣٧٢ كشف الاستار)، والدولابي في الـ ١/ ١٦، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٩٢٥ من طرق عن وهيب به.
[ ٢ / ١٧١ ]
فقد يجوز أن يكون ذلك سيرا على الأقدام، وقد يجوز أن يكون سيرا على الإبل والدواب. فنظرنا في ذلك، فإذا
١٠٦٣ - محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ قد حدثنا، قال: ثنا معلى وأحمد بن إسحاق الحضرمي، قالا ثنا وهيب، عن أبي واقد قال: حدثني أبو أروى، قال: كنت أصلي العصر مع النبي ﷺ، ثم أمشي إلى ذي الحليفة، فآتيهم قبل أن تغيب الشمس (^١).
ففي هذا الحديث أنه كان يأتيها ماشيا.
وأما قوله "قبل أن تغرب الشمس" فقد يجوز أن يكون ذلك وقد اصفرت الشمس ولم يبق منها إلا أقل قليل.
وقد روي عن أبي مسعود نحوًا من ذلك.
١٠٦٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن شهاب، قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: أخبرني بشير بن أبي مسعود، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف كسابقه. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ عن محمد بن إسحاق، عن وهيب به.
(٢) إسناده حسن في المتابعات من أجل عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو مكرر سابقه برقم (٨٥٨).
[ ٢ / ١٧٢ ]
فقد وافق هذا الحديث أيضا حديث أبي أروى، وزاد فيه "أنه كان يصليها والشمس مرتفعة" فذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها.
وقد روي عن أنس بن مالك أيضا ما يدل على هذا ما
١٠٦٥ - حدثنا نصار بن حرب المسمعي البصري، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن أبي الأبيض، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء محلقة (^١).
قال أبو جعفر: فقد أخبر أنس في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يصليها والشمس بيضاء محلقة فذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم يكون بين الوقت الذي كان يصليها فيه وبين غروبها مقدار ما كان يسير الرجل إلى ذي الحليفة، وإلى ما ذكر في هذه الآثار من الأماكن.
وقد روي عن أنس بن مالك، أيضا في ذلك، ما قد
١٠٦٦ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن أبي صدقة مولى أنس، عن أنس، أنه سئل عن مواقيت الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر، ما بين صلاتيكم هاتين (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه الطيالسي (٢١٣٢)، وأحمد (١٢٣٣١)، والبزار (٣٧٣) كشف الاستار، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١١ من طرق عن شعبة به
(٢) إسناده حسن من أجل أبي صدقة. وأخرجه الحاكم في الكنى كما في النخب ٥/ ٧٧ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة به.
[ ٢ / ١٧٣ ]
فذلك يحتمل أن يكون أراد بقوله: "فيما بين صلاتيكم هاتين" ما بين صلاة الظهر وصلاة المغرب، فذلك دليل على تأخير العصر.
ويحتمل أن يكون أراد فيما بين تعجيلكم وتأخيركم، فذلك دليل على التأخير أيضا، وليس بالتأخير الشديد.
فلما احتمل ذلك ما ذكرنا، وكان في حديث أبي الأبيض، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يصليها والشمس بيضاء محلقة"، دل ذلك على أنه قد كان يؤخرها. فإن قال قائل: وكيف يجوز ذلك كذلك، وقد روي عن أنس في ذم من كان يؤخر العصر؟. فذكر في ذلك ما
١٠٦٧ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى: قال: أنا عبد الله بن وهب، أن مالكا حدثه، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلت على أنس بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر، فلما فرغ من صلاته، ذكرنا تعجيل الصلاة أو ذكرها - فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين قالها ثلاثا - يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس، وكانت بين قرني الشيطان [أو على قرني الشيطان] (^١) قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيهن إلا قليلا" (^٢).
_________________
(١) من ن.
(٢) إسناده صحيح. وهو في موطأ مالك ١/ ١٥٣، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٠)، وأحمد (١٢٥٠٩)، وأبو داود (٤١٣)، وابن خزيمة (٣٣٣)، وأبو عوانة ١/ ٣٥٦، وابن حبان (٢٦١)، والبيهقي ١/ ٤٤٤، والبغوي (٣٦٨).
[ ٢ / ١٧٤ ]
قيل له: فقد بين أنس في هذا الحديث التأخير المكروه ما هو، وإنما هو التأخير الذي لا يمكن بعده أن يصلي العصر إلا أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا.
فأما صلاة يصليها متمكنا ويذكر الله تعالى فيها متمكّنا قبل تغير الشمس، فليس ذلك من الأول في شيء.
وأولى بنا في هذه الآثار لما جاءت هذا المجيء أن نحملها ونخرج وجوهها على الاتفاق، لا على الخلاف والتضاد. فنجعل التأخير المكروه فيها هو ما بينه العلاء، العلاء، عن أنس، ونجعل الوقت المستحب من وقتها أن تصلي فيه هو ما بينه أبو الأبيض، عن أنس، ووافقه على ذلك أبو مسعود. فإن قال قائل: فقد روي عن عائشة ﵂ ما يدل على التعجيل بها، فذكر ما قد
١٠٦٨ - حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن ابن شهاب، عن عروة، قال: حدثتني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر (^١).
١٠٦٩ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، سمع عروة يحدث، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة العصر والشمس في حجرتها لم يفئ الفيء بعد (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح وهو في موطأ مالك ١/ ٣، ومن طريقه أخرجه إسحاق بن راهويه (٨٧٧)، والدارمي (١١٨٦)، والبخاري (٥٢٢)، ومسلم (٦١١) (١٦٨)، وأبو داود (٤٠٧)، والبيهقي في المعرفة ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) إسناده صحيح. =
[ ٢ / ١٧٥ ]
١٠٧٠ - حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت كان النبي ﷺ يصلي صلاة العصر، والشمس طالعة في حجرتي (^١).
قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك كذلك، وقد أخر العصر لقصر حجرتها، فلم تكن الشمس تنقطع منها إلا بقرب غروبها، فلا دلالة في هذا الحديث على تعجيل العصر. وذكروا في ذلك ما.
١٠٧١ - حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، (ح)
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر قال: ثنا شعبة، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت مع أبي على أبي برزة فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر فيرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه الحميدي (١٧٠)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٢٦، وابن راهويه (٥٧٨)، وأحمد (٢٤٠٩٥)، والبخاري (٥٤٦)، ومسلم (٦١١)، وابن ماجة (٦٨٣)، وأبو يعلى (٤٤٢٠)، وابن خزيمة (٣٣٢)، وأبو عوانة ١/ ٣٥٠، ٣٥١ من طريق سفيان بن عيينة به.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه إسحاق بن راهويه (٦٣٣)، وأحمد (٢٥٦٨٥)، والبخاري (٥٤٤، ٣١٠٣)، ومسلم (٦١١) (١٧٠)، وأبو يعلى (٤٤٨٠)، وأبو عوانة ١/ ٣٥١، والبيهقي في السنن ١/ ٤٤٢ من طرق عن هشام به.
(٣) إسناده صحيح، هو مكرر سابقه برقم (٩٩١).
[ ٢ / ١٧٦ ]
قيل له: قد مضى جوابنا في هذا فيما تقدم من هذا الباب، فلم نجد في هذه الآثار لما صُحِّحَت وجمعت ما يدل إلا على تأخير العصر، ولم نجد شيئا منها يدل على تعجيلها إلا ما قد عارضه غيره فاستحببنا بذلك تأخير العصر إلا أنها تصلى والشمس بيضاء في وقت يبقى بعده هو من وقتها مدة قبل أن تغير الشمس.
ولو خلينا والنظر لكان تعجيل الصلوات كلها في أوائل أوقاتها أفضل، ولكن اتباع ما روي عن رسول الله ﷺ مما تواترت به الآثار أولى.
وقد روي عن أصحابه من بعده، ما يدل على ذلك أيضا
١٠٧٢ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن نافع: أن عمر ﵁ كتب إلى عماله: إنّ أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع صلوا العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة (^١).
١٠٧٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد قال: ثنا يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم بن أبان عن عكرمة، قال: كنا مع أبي هريرة ﵁ في جنازة فلم يصل
_________________
(١) إسناده ضعيف لانقطاعه، فإن نافعا لم يلق عمر بن الخطاب. وهو في موطأ مالك ١/ ٣٧، ومن طريقه عبد الرزاق (٢٠٣٨)، والبيهقي في السنن ١/ ٤٤٥. وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٧، ٢٠٣٩) من طريقين عن نافع، عن ابن عمر أن عمر
[ ٢ / ١٧٧ ]
العصر، وسكت حتى راجعناه مرارا، فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل بالمدينة (^١).
١٠٧٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان من كان قبلكم أشد تعجيلا للظهر، وأشد تأخيرًا للعصر منكم (^٢).
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله، وهم أصحاب النبي ﷺ يأمرهم أن يصلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة.
ثم أبو هريرة أخرها حتى رآها عكرمة على رأس أطول جبل بالمدينة، ثم إبراهيم يخبر عمن كان قبله يعني من أصحاب رسول الله ﷺ، وأصحاب عبد الله، أنهم كانوا أشد تأخيرا للعصر ممن بعدهم. فلما جاء هذا من أفعالهم، ومن أقوالهم مؤتلفا على ما ذكرناه، وروي عن رسول الله ﷺ أنه كان يصليها والشمس مرتفعة، وفي بعض الآثار: "محلقة"، وجب التمسك بهذه الآثار، وترك خلافها، وأن يؤخر العصر حتى لا يكون تأخيرها يدخل مؤخرها في الوقت الذي أخبر أنس بن مالك في حديث العلاء - أن رسول الله ﷺ قال: "تلك صلاة المنافقين" فإن ذلك الوقت هو الوقت المكروه تأخير صلاة العصر إليه، فأما ما قبله من
_________________
(١) إسناده ضعيف لضعف نعيم بن حماد. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٨ (٣٣٠٩) عن وكيع عن عمرو بن منبه عن سوار بن شيب، عن أبي هريرة به.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٢٨٩ (٣٣١٢) عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم به.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وقتها، مما لم تدخل الشمس فيه صفرة، وكان الرجل يمكنه أن يصلي فيه صلاة العصر، ويذكر الله فيها متمكنا، ويخرج من الصلاة والشمس كذلك فلا بأس بتأخير العصر إلى ذلك الوقت، وذلك أفضل لما قد تواترت به الآثار عن رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده. ولقد روي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لتعصر.
١٠٧٥ - حدثنا بذلك صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا هشيم قال: أنا خالد، عن أبي قلابة، قال: "إنما سميت العصر لتعصر" (^١).
قال أبو جعفر فأخبر أبو قلابة أن اسمها هذا إنما هو لأن سبيلها أن تعصر. وهذا الذي استحببناه من تأخير العصر من غير أن يكون ذلك إلى وقت قد تغيرت فيه الشمس أو دخلتها صفرة وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى، وبه نأخذ.
فإن احتج محتج بالتبكير لها أيضا بما
١٠٧٦ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني أبو النجاشي، قال: حدثني رافع بن خديج، قال: كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ثم ننحر الجزور فنقسمه عشر قسم، ثم نطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل
_________________
(١) إسناده صحيح. وهو عند المصنف في شرح مشكل الآثار ٣/ ٣١ بإسناده ومتنه. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩ (٣٣١٨) من طريق ابن علية، والدارقطني (٩٩٣) من طريق خارجة بن مصعب، كلاهما عن خالد الحذاء به.
[ ٢ / ١٧٩ ]
أن تغيب الشمس (^١).
قيل له: قد يجوز أن يكونوا كانوا يفعلون ذلك بسرعة عمل، وقد أخرت العصر، فليس في هذا الحديث عندنا حجة على من يرى تأخير العصر، وقد ذكرنا في باب مواقيت الصلاة في حديث بريدة أن رسول الله ﷺ لما سئل عن مواقيت الصلاة، صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة نقية، ثم صلاها في اليوم الثاني والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان أخرها في اليومين جميعا، ولم يعجلها في أول وقتها، كما فعل في غيرها.
فثبت بذلك أن وقت العصر الذي ينبغي أن يصلى فيه هو ما ذهب إليه من ذهب إلى تأخيرها (^٢)، لا ما ذهب إليه الآخرون (^٣).
آخر كتاب الأذان والمواقيت.
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧، وعبد بن حميد (٤٢٦)، وأحمد (١٧٢٧٥)، والبخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥)، وأبو عوانة ١/ ٣٥٢، وابن حبان (١٥١٥)، والطبراني في الكبير (٤٤٢١)، والحاكم ١/ ١٩٢، والبيهقي ١/ ٤٤٢، والبغوي في شرح السنة (٣٦٧) من طرق عن الأوزاعي به.
(٢) قلت: أراد بهم: عليا، وأبا هريرة، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن الخطاب ﵃، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وطاووس بن كيسان، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، وآخرين ﵏، كما في النخب ٥/ ٩٧.
(٣) قلت: أراد بهم: أنس، وعائشة ﵃، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ﵏، كما في النخب ٥/ ٩٨.
[ ٢ / ١٨٠ ]