٥٧٨ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس: أن ابن مسعود خرج مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فسأله رسول الله ﷺ: أمعك يا ابن مسعود ماء؟ قال: معي نبيذ في إداوتي فقال رسول الله ﷺ: "أُصبب علي" فتوضأ به، وقال: "شراب، وطهور" (^١).
٥٧٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع مولى [آل] عمر، عن عبد الله بن مسعود: أنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، وأن رسول الله ﷺ احتاج إلى ماء يتوضأ به، ولم يكن معه إلا النبيذ، فقال رسول الله ﷺ: "تمرة طيبة، وماء طهور" فتوضأ به رسول الله ﷺ (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف لسوء حفظ ابن لهيعة. وأخرجه أحمد (٣٧٨٢)، وابن ماجة (٣٨٥)، والطبراني في الكبير (٩٩٦١)، والدارقطني ١/ ٧٦ من طرق عن ابن لهيعة بهذا الإسناد، ولكنه عند ابن ماجة والطحاوي من مسند ابن عباس أن النبي ﷺ قال لابن مسعود وعند الطبراني والدارقطني من مسند ابن مسعود قال الدارقطني: تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٢) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. وأخرجه أحمد (٤٣٥٣)، والدارقطني في السنن ١/ ٧٧، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٨٨) من طرق عن حماد بن سلمة به، وقال الدارقطني: علي بن زيد ضعيف.
[ ١ / ٣٧٢ ]
قال أبو جعفر: فذهب قوم (^١) إلى أن من لم يجد إلا نبيذ التمر في سَفَره توضأ به، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵁.
وخالفهم في ذلك آخرون (^٢)، فقالوا: لا يتوضأ بنبيذ التمر ومن لم يجد غيره، يتيمم، ولا يتوضأ به. وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف.
وكان من الحجة لأهل هذا القول على أهل القول الأول: أن عبد الله بن مسعود إنما روى ما ذكرنا عنه في أول هذا الباب من الطرق التي وصفنا، وليست هذه الطرق طرقا تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد، ولم يجئ أيضا المجيء الظاهر.
فيجب العمل على من يستعمل الخبر إذا تواترت الروايات به.
فهذا مما لا يجب استعماله لما ذكرنا على مذهب الفريقين الذين ذكرنا.
ولقد روي عن أبي عبيدة بن عبد الله ما يدل على أن عبد الله لم يكن مع رسول الله ﷺ ليلتئذ.
٥٨٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: قلت لأبي عبيدة: أكان عبد الله بن مسعود مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال: لا (^٣).
_________________
(١) قلت أراد بهم عكرمة والأوزاعي، وحميد صاحب الحسن بن حي، وإسحاق ﵏ كما في النخب ٣/ ١٢١.
(٢) قلت أراد بهم: عطاء بن أبي رباح، والثوري، والحسن البصري، ومالكا، والشافعي، وأحمد، وأبا عبيد، وأبا ثور، وداود ﵏ كما في النخب ٣/ ١٢٤.
(٣) رجاله ثقات. =
[ ١ / ٣٧٣ ]
٥٨١ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب عن شعبة … فذكر مثله بإسناده (^١).
فلما انتفى عند أبي عبيدة أن أباه كان مع رسول الله ﷺ ليلتئذ، وهذا أمر لا يخفى مثله على مثله، بطل بذلك ما رواه غيره مما يخبر أن رسول الله ﷺ فعله ليلتئذ، إذ كان معه.
فإن قال قائل: الآثار الأول أولى من هذا لأنها متصلة وهذا منقطع، لأن أبا عبيدة، لم يسمع من أبيه شيئا.
قيل له: ليس من هذه الجهة احتججنا بكلام أبي عبيدة، إنما احتججنا به لأن مثله، على تقدمه في العلم، وموضعه من عبد الله، وخلطته الخاصته من بعده لا يخفى عليه مثل هذا من أموره.
فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرنا، لا من الطريق الذي وصفت.
وقد روينا عن عبد الله بن مسعود من كلامه بالإسناد المتصل، ما قد وافق ما قال أبو عبيدة.
_________________
(١) = وأخرجه علي بن الجعد في مسنده (١٠٦)، والدارقطني ١/ ٧٩ (٢٤٣)، والبيهقي في السنن ١/ ١١ من طريق شعبة به. وأخرجه مسلم (٤٥٠) (١٥٠) ومن طريقه البيهقي في السنن ١/ ١١ عن علقمة عن ابن مسعود به.
(٢) رجاله ثقات.
[ ١ / ٣٧٤ ]
٥٨٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي معشر (^١)، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله، قال: لم أكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، ولوددت أني كنت معه (^٢).
٥٨٣ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، قال: سألت ابن مسعود: هل كان مع النبي ﷺ ليلة الجن أحد؟ فقال: لم يصحبه منا أحد، ولكن فقدناه ذات ليلة، فقلنا: استطير أو اغتيل؟ فتفرقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم نقول: استطير أم اغتيل؟ فقال: "إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أقرئهم القرآن" فأرانا آثارهم (^٣).
_________________
(١) في الاتحاف "أبي معاوية".
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه مسلم (٤٥٠) (١٥٢)، ومن طريقه البيهقي في السنن ١/ ١١ عن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد الله بهذا الإسناد. وأخرجه الشاشي (٣٣١)، والطبراني في الكبير (٩٩٧١) من طريق خالد بن عبد الله بهذا الإسناد.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد (٤١٤٩)، وابن خزيمة (٨٢)، وابن حبان (١٤٣٢) من طريق ابن أبي زائدة به. وأخرجه مطولا ومختصرا الطيالسي (٢٨١)، وابن أبي شيبة ١/ ١٥٥، ومسلم (٤٥٠) (١٥٠، ١٥١)، وأبو داود (٨٥)، والترمذي (١٨)، والنسائي في الكبرى (٣٩)، والشاشي (٣١٦)، وابن حبان (٦٥٢٧)، والبيهقي في السنن ١/ ١١، والبغوي (١٧٨) من طرق عن داود به.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فهذا عبد الله قد أنكر أن يكون كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن.
فهذا الباب إن كان يؤخذ من طريق صحة الإسناد، فهذا الحديث الذي فيه الإنكار أولى لاستقامة طريقه ومتنه، وثبت رواته.
وإن كان من طريق النظر، فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه، أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب، ولا بالخل، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضا كذلك.
وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودا في حال وجود الماء، أنه لا يتوضأ به لأنه ليس بماء.
فلما كان خارجا من حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في حال في حال عدم الماء.
وحديث ابن مسعود الذي فيه التوضؤ بنبيذ التمر إنما فيه: أن رسول الله ﷺ توضأ به، وهو غير مسافر لأنه إنما خرج من مكة يريدهم، فقيل: إنه توضأ بنبيذ التمر في ذلك المكان، وهو في حكم من هو بمكة، لأنه يتم الصلاة، فهو أيضا في حكم استعماله ذلك النبيذ هنالك في حكم استعماله إياه بمكة.
فلو ثبت هذا الأثر أن النبيذ مما يجوز التوضؤ به في الأمصار والبوادي ثبت أنه يجوز التوضؤ به في حال وجود الماء، وفي حال عدمه.
[ ١ / ٣٧٦ ]
فلما أجمعوا على ترك ذلك، والعمل بضده، فلم يجيزوا التوضؤ به في الأمصار، ولا فيما حكمه حكم الأمصار، ثبت بذلك تركهم لذلك الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ، من حكم سائر المياه.
فثبت بذلك أنه لا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال، وهو قول أبي يوسف، وهو النظر عندنا، والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٧ ]