قال الله ﷿:
﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١،٨٢].
وقال تعالى في وصفه يوم القيامة:
﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ قرأ إلى قوله تعالى ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨].
وقوله تعالى:
﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾
يريد به-والله أعلم-من وقفهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا، ووزنت أعمالهم، وسيق كلّ فريق إلى حيث قضي له به.
وقوله: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾.
يريد به التأبيد على ما كانت العرب تعرف من طول مقامها فكأن يعبر عن التأبيد بدوامها.
وقيل معناه ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربّك من الزيادة عليها.
و«إلاّ» بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستثنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: «لفلان عليّ ألف درهم إلاّ ألفين التي هي إلى سنة» يريد سوى الألفين وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتاب «البعث» عن الفراء وعن الحليمي رحمهما الله تعالى.
[ ١ / ٣٢٩ ]
٣٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا قرة بن خالد ح.
وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا يحيى بن أبي الحجاج، ثنا قرة بن خالد.
وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنا جدّي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو عامر العقدي، ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال:
«من لقي الله وهو لا يشرك به شيئا دخل الجنّة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النّار».
وذكر الحديث في رواية أبي طاهر وذكر النبي ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنّة، ومن لقيه يشرك به دخل النّار».
ورواه مسلم في الصحيح عن حجاج بن الشاعر وأبي أيوب سليمان بن عبد الله الغيلاني عن أبي عامر.
قال الحليمي ﵀ وإذا ظهر أنّ مآب المسلمين الجنّة، ومآب الكافرين النّار فقد قال الله ﷿:
﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧].
و﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨].
وكان المعنى ما كتب لهؤلاء ولهؤلاء، علمنا إنّ السجّين خلاف العلّيّين، كما أنّ الفجّار خلاف الأبرار؛ وسمّي الله جلّ ثناءه النّار الهاوية، ووصف الجنّة أنّها عالية، وجاء في الحديث «أنّ أرواح (خطأ) المؤمن تعلى به، وروح الكافر تهوى به» ولم نعلم أحدا قال: إنّ الجنة في الأرض، ثبت أنّ الجنة فوق السموات ودون العرش ويحتمل قول الله ﷿:
﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١].
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٩٤) عن أبي أيوب سليمان بن عبيد الله الغيلاني وحجاج بن الشاعر كلاهما عن أبي عامر العقدي-به.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أنّها تكشط عّما وراءها من الجنان ننظر آثارها، وأن يكون ذلك إزلافها في قوله:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩].
قال البيهقي ﵀.
٣٦٦ - وقد أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، قال كنّا جلوسا مع عبد الله بن سلام فذكر الحديث إلى أن قال:
(وإنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ﷺ وإنّ الجنّة في السماء، وإنّ النّار في الأرض؛ فإذا كان يوم القيامة بعث الله الخلائق أمّة أمة ونبيّا ونبيّا، ثم يوضع الجسر على جهنّم، ثم ينادي مناد أين أحمد وأمّته؟ فيقوم وتتبعه أمّته: برّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من يمين وشمال، وينجو النبي ﷺ والصالحون معه، وتتلقّاهم الملائكة وثبا، يرونهم منازلهم من الجنة: على يمينك، على يسارك، ثم ذكر مرور كلّ نبي وأمته).
قال: الحليمي ﵀ وفي ورود الأخبار بذكر الصراط وهو جسر جهنّم بيان أنّ الجنة في العلوّ، كما أنّ جهنّم في السفل إذ لو لم يكن كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر.
قال وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال:
«إنّ على جهنّم جسرا أدقّ من الشعر من السيف أعلاه نحو الجنة، دحض مزلة، بجنبيه كلاليب، وحسك النار، يحبس الله به من يشاء من عباده، الزالّون والزالاّت يومئذ كثير، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلّم، الّلهم سلّم فمن جاء بالحق جاز، ويعطون النّور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمرّ الريح ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابق ومنهم من يسير عليه، ومنهم من يهرول، ومنهم
_________________
(١) سبق برقم (١٥٠).
[ ١ / ٣٣١ ]
من يعطى نورا إلى موضع قدميه، ومنهم من يحبو حبوا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من يشاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتّى تنجو، وتنجو أوّل أوّل زمرة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، كأنّ وجوههم القمر ليلة البدر، والّذين يلونهم كأضواء نجم في السماء، حتى يبلغوا إلى الجنة برحمة الله تعالى».
قال: البيهقي ﵀ وهذا الحديث فيما:
٣٦٧ - أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا مكي بن إبراهيم، ثنا سعيد بن زربّي عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك حدّث عن النبي ﷺ فذكره.
قال: البيهقي ﵀ وهذا إسناد ضعيف غير أن معنى بعض ما روي فيه موجود في الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذكر الصراط، وقد ذكرناها في كتاب «البعث».
قال: الحليمي ﵀: قوله في الصراط إنّه أدقّ من الشّعرة معناه أنّ أمر الصراط والجواز عليه أدقّ من الشعر، أي يكون عسره ويسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلاّ الله ﷿ لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقا، وضرب المثل له بدقة الشعرة، وقوله إنّه «أحدّ من السيف» فقد يكون معناه-والله أعلم-أنّ الأمر الدقيق الذي يصدر من عند الله إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حدّ السيف، ومضيّه منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مردّ، كما أنّ السيف إذا نفذ بحدّه وقوة ضاربه في شيء، لم يكن له بعد ذلك مردّ.
قال: البيهقي ﵀ وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات الصحيحة.
وروي عن زياد النميري عن أنس مرفوعا: «الصراط كحدّ الشفرة أو كحدّ السيف». وهي أيضا رواية ضعيفة.
وروي بعض معناه عن عبيد بن عمير عن النبي ﷺ مرسلا وجاء عنه من قوله.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وروى عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: (الصراط في سواء جهنّم مدحضة من له (خطأ) كحد السيف المرهف).
وروي عن سعيد بن أبي هلال أنه قال: بلغنا أنّ الصراط يوم القيامة وهو الجسر يكون على بعض الناس أدقّ من الشعر وعلى بعضهم مثل الدار والوادي الواسع.
فيحتمل أن يكون لشدّة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك والله أعلم.
وأمّا ما قيل في رواية أنس من «أن أعلى الجسر نحو الجنة» ففيه بيان أنّ أسفله نحو طرف الأرض وذلك لما مضى بيانه من أنّ جهنّم سافلة والجنة عالية.
٣٦٨ - أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنبا محمد بن أحمد بن البراء، أنبا عبد المنعم بن إدريس، حدثني أبي، عن وهب بن منبه، قال: إذا قامت القيامة، وقضي الله بين أهل الدارين، أمر بالفلق، فيكشف عن سقر، وهو غطاؤها فيخرج منه نار، فتحرق جهنم وتأكلها، كما تأكل النار في الدنيا القطن المندوف، فإذا وصلت البحر المطبق على شفير جهنّم-وهو بحر البحور-نسفته أسرع من طرفة العين نسفا فنضب كأن لم يكن مكانه ماء قط، وهو حاجز بين جهنّم والأرضين السبع فإذا انشقت ماء ذلك البحر اشتعلت في الأرضين السبع فتدعها جمرة واحدة.
وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنّه قال ليهودي: أين جهنّم قال: تحت البحر فقال عليّ: صدق ثم قرأ:
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦].
قال: البيهقي ﵀ ويحتمل ما حكيناه عن وهب بن منبه معنى ما قال الله ﷿:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم:٤٨].
ويكون ذلك بعد ركوب الناس الصراط.
كما روينا عن عائشة انّها سألت النبي ﷺ عن ذلك وقالت فأين الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط».
[ ١ / ٣٣٣ ]
ثم قد قال بعض العلماء أن الكفار لا يجاوزون على الصراط لأنهم في معدن النار فإذ خلص المؤمنون وخلصوا على الصراط انفرد الكفار بمواقفهم وصار مواقفهم من النار.
قال غيرهم إنهم يركبون الصراط ثم قد تكون أبواب جهنم فروجا في الحشر كأبواب السطوح فهم يقذفون منها في جهنّم، ليكون غمّهم أشدّ وأفظع، وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول، وفرح المؤمنين بالخلاص أكثر وأعظم، ولعلّ قول الله ﷿:
﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩].
يكون في هذا الوقت. وما في القرآن من قول الله ﷿:
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨].
وقوله: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤].
كالدليل على هذا، لأن الإلقاء في الشيء أكثر ما يستعمل في الطرح من علّو إلى سفل والله أعلم بكيفية ذلك.
وأما المنافقون فالأشبه أنّهم يركبون الجسر مع المؤمنين ليمشوا في نورهم فيظلم الله ﷿ على المنافقين فيقولون للمؤمنين:
﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:
١٣].
فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور على قدر إيمانهم وأعمالهم فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد:
ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم الم نكن معكم نصلّي بصلاتكم ونغزو مغازيكم. ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد:١٤].
فيحتمل-والله أعلم-أنّ هذا السّور إنّما يضرب عند انتهاء الصراط ويترك له باب يخلص منه المؤمنون إلى طريق الجنّة، فذلك هو الرحمة التي في باطنه، وأما ظاهره فإنّه يلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذيه إيّاه. ما
[ ١ / ٣٣٤ ]