قال البيهقي ﵀: الدعاء قول للقائل يا الله، أو يا رحمن، أو يا رحيم وما أشبه ذلك وهو أيضا نداء قال الله ﷿:
﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا، إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم:
١،٢].
قال: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء:٨٩].
وفي آية أخرى:
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ﴾ [آل عمران:٣٨].
ومعنى «رب» يا ربّ فثبت أنّ الدعاء نداء، والنداء دعاء غير أنّ له أركانا
_________________
(١) عزاه السيوطي في جمع الجوامع (٣٣٩٥) إلى المصنف وابن عساكر في تاريخ دمشق اه. وعيسى بن موسى ضعيف كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٨٥).
(٢) أخرجه المصنف من طريق ابن عدي (٢/ ٦٦٥) وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا أعلم يرويه بهذا الإسناد غير حماد بن واقد عن إسرائيل عن أبي إسحاق.
[ ٢ / ٤٣ ]
وأولاهن: أن يكون المرغوب فيه ممّا يبلغ قدر السائل أن يسأله، وتفسيره أنّه ليس لأحد أن يتشبّه بإبراهيم ﵇ فيدعو الله جلّ ثناؤه أن يريه كيف يحيي الموتى، ولا أن يتشبّه بموسى ﵇ فيقول:
﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
ولا أن يتشبّه بعيسى ﵇ فيقول:
﴿رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة:١١٤].
ولا لأحد أن يسأل الله تعالى إنزال ملك عليه فيسأله عن خبر من أخبار السماء، أو إحياء أبويه، لأنّ نقض العادات إنّما يكون من الله تعالى لتأييد من يدعو إلى دينه، لا لشهوات العباد ومناهم، إلاّ أن يكون السائل نبيّا فيجمع إجابته إيّاه أمنيته وتأييده بما يصدّق دعوته، ولكنّه إن دعا كما دعا نوح ﵇ فقال:
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح:٢٦].
جاز، وإنّما يبعثه عليه بعض أعداء الله؛ وكذلك إن حدثت له ضرورة من جوع أو برد شديد أو غير ذلك في بادية هو مأذون له في دخولها من جهة الشرع، أو أصابه عمى ولا قائد له فدعا الله أن يكشف ما به الضّرّ مطلقا، كان ذلك جائزا، وإن كان في إصابته إيّاه نقض العادة. وقد يفعل به ذلك من غير مسألته جزاء له لتوكلّه وقوة إيمانه.
قال ومن أركانه: أن لا يكون عليه في سؤال ما يسأل حرج.
ومنها: أن يكون له في السؤال غرض صحيح.
ومنها: أن يكون حسن الظنّ بالله ﷿ عند الدّعاء فتكون الإجابة على قلبه أغلب من الردّ.
ومنها: أن يدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف:٨٠].
ومنها: أن يسأل ما يسأل بجدّ وحقيقة، ولا يأخذ دعاء مؤلّفا فيسرده سردا وهو عن حقائقه غافل.
[ ٢ / ٤٤ ]
ومنها: أن لا يشغله الدعاء عن فريضة لله تعالى حاضرة فيفوّتها.
ومنها: أن يكون دعاؤه سؤالا بالحقيقة لا اختبارا لربّه جلّ ثناؤه.
ومنها: أن يّصلح لسانه إذا دعا فلا يخاطب ربّه جلّ ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقرينه نسبة إلى قلّة الحياء وسوء الأدب، أو ركاكة العقل.
ومنها: أن لا يدعو ضجرا مستعجلا يضمر أنّه إن أجيب في الوقت الذي يريد، وإلاّ يئس وترك، بل يدعو متعبّدا متخشّعا يضمر أنّه لا يزال يدعو ويتضرّع إلى أن يجاب، وكلّما زادت الإجابة عنده تراخيا زاد الدّعاء تتابعا وتواليا.
ومنها: أنّ حاجته إذا عظمت لم يسألها الله ﷿ مستعظما إيّاها في ذات الله تعالى بل يسأله الصغيرة والكبيرة سؤالا واحدا ويرى منّة الله تعالى في إجابته إليها عظيمة.
وأمّا آدابه فمنها: أن يقدّم التوبة أمام الدعاء.
ومنها: الجد في الطلب والإلحاح.
ومنها: المحافظة على الدعاء في الرخاء دون تخصيص حال الشدّة والبلاء.
ومنها: أن يعزم إذا سأله.
ومنها: أن يدعو ثلاثا.
ومنها: أن يقتصر على جوامع الدعاء ما لم تعرض له حاجّة بعينها فينصّ عليها.
ومنها: افتتاح الدعاء وختمه بالصّلاة على رسول الله ﷺ.
ومنها: أن يدعو وهو طاهر.
ومنها: أن يدعو وهو مستقبل القبلة.
ومنها: أن يدعو في دبر صلواته ..
ومنها: أن يرفع اليدين حتّى يحاذي بهما المنكبين إذا دعا.
ومنها: أن يخفض صوته بالدعاء.
ومنها: أن يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الدعاء.
ومنها: أن يحمد الله ﷿ إذا عرف الإجابة.
ومنها: أن لا يخلي يوما ولا ليلة من الدعاء.
[ ٢ / ٤٥ ]
قال: ويتحرّى للدعاء الأوقات والأحوال والمواطن التي يرجى فيها الإجابة تماما.
فأمّا الأوقات فمنها: ما بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء.
ومنها: ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة إلى أن تغرب الشمس.
ومنها: الدعاء في الأسحار.
ومنها: عند فيئ الأفياء.
ومنها: الدعاء يوم عرفة.
وأما الأحوال فمنها: حال النداء للصلاة.
ومنها: حين فطر الصائم.
ومنها: عند نزول الغيث.
ومنها: عند التقاء الصفّين.
ومنها: عند اجتماع المسلمين على الدعاء.
ومنها: أدبار المكتوبات.
ومنها: عند القيام من المجلس.
وأما المواطن فالموقفان، والجمرتان، وعند البيت، والملتزم خاصة، وعلى الصّفا والمروة.
وقد ذكر الحليمي ﵀: تفسير كل فصل من هذه الفصول، وأشار إلى دلالته من الكتاب والسنّة والأثر، ونحن قد ذكرنا بعض ما حضرنا من ذلك في «كتاب الدّعوات» فأغنى ذلك عن إعادتها ها هنا وبالله التوفيق.
١١٢٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أبو يحيى زكريا بن داود، ثنا يونس بن أفلح، ختن يحيى، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن زيد العمّي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
«خمس دعوات يستجاب لهن: دعوة المظلوم حين يستنصر، ودعوة
_________________
(١) عزاه الحافظ في فتح الباري (١١/ ١٣٧) إلى الطبري من طريق سعيد بن جبير-به. وعبد الرحيم بن زيد العمي كذبه ابن معين كما في التقريب.
[ ٢ / ٤٦ ]
الحاجّ حين يصدر، ودعوة المجاهد حين يقفل، ودعوة المريض حين يبرئ، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب-ثم قال: وأسرع هذه الدعوات إجابة، دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب».
وقد ذكرنا في هذا الباب أحاديث صحيحة في آخر «كتاب الدعوات».
١١٢٦ - وقد روينا عن ابن موهب عن عمّه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«ما من مؤمن ينصب وجهه لله يسأله مسألة إلاّ أعطاه إيّاها: إمّا عجّلها له في الدنيا وإمّا أخرها له في الآخرة ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ودعوت فلا أراه يستجاب».
حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلّويه، ثنا محمد بن المنجل، عن ابن أبي فديك، عن ابن موهب فذكره.
١١٢٧ - وروينا عن مالك، عن زيد بن أسلم أنّه كان يقول: ما من داع إلاّ كان بين إحدى ثلاث: إمّا أن يستجاب، وإمّا أن يؤخرّ عنه، وإمّا أن يكفّر عنه.
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك فذكره.
١١٢٨ - ورواه علي بن علي الرفاعي وليس بالقوي عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٨) عن وكيع عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن عمه عبيد الله ابن عبد الله بن-[وهب خطأ]-موهب عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٤٨) رواه أحمد ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. تنبيه في مسند أحمد (وهب) بدلا من (موهب) وهو خطأ.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢١٧).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٨) والبخاري في الأدب (٧١٠) والحاكم (١/ ٤٩٣) من طريق علي- به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٤٧ ]
«ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها مأثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إمّا أن يستجيب له دعوته، أو يصرف عنه من الشّرّ مثلها، أو يدّخر له من الأجر مثلها».
١١٢٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الله بن إسحاق البغوي، ثنا أبو زيد بن طريف، ثنا محمد بن عبيد الصابوني، ثنا أبو أسامة، عن ابن عوف، عن سليمان التيمي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله ﷺ:
«ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلاّ أعطاه الله إحدى ثلاث إمّا يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإمّا أن يدفع عنه من السوء مثلها».
قال الإمام أحمد ﵀: فعلى هذا هو شاهد لحديث الرفاعي إن كان حفظه هذا الصابوني ولا أراه حفظه وقد.
١١٣٠ - أخبرناه محمد بن موسى، أنا أبو عبد الله الصفار، ثنا ابن أبي الدنيا، ثنا محمد بن يزيد، ثنا أبو أسامة، ثنا علي بن علي، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ مثله حرفا بحرف وهذا هو الصحيح عن أبي أسامة، عن علي بن علي وروايته عن ابن عوف خطأ والله تعالى أعلم.
١١٣١ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسين علي بن محمد المصري، ثنا عبد الله بن أبي مريم، ثنا الفريابي، ثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن عبادة بن الصامت حدّثهم أنّ رسول الله ﷺ قال:
«ما على الأرض من مسلم يدعو بدعوة إلاّ أعطاه الله إيّاها، أو كشف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم».
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٣) عن محمد بن عبد الله الصفار-به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. تنبيه: سقط من إسناد الحاكم (أبو أسامة) فيصحح.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٧٣) من طريق الفريابي محمد بن يوسف-به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
[ ٢ / ٤٨ ]
١١٣٢ - أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن علي بن إبراهيم بن معاوية، ثنا أبو حامد أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، قال: بلغني أنّ العبد المسلم إذا دعا ربّه فلم يستجب له كتبت له حسنة.
١١٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى العدل، قالا: ثنا محمد بن أيوب، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا أبو عاصم العبّاداني، عن الفضل بن عيسى، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال:
«يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه، فيقول: عبدي! إنّي أمرتك أن تدعوني؟ ووعدتك أن استجيب لك، فهل كنت تدعوني؟ فيقول:
نعم، يا ربّ. فيقول: أما إنّك لم تدعني بدعوة إلاّ استجبت لك، أليس دعوتني في يوم كذا وكذا لغمّ نزل بك أفرّجه عنك ففرجته عنك؟ فيقول: نعم يا ربّ، فيقول: أنّي عجّلتها لك في الدنيا. ودعوتني يوم كذا وكذا لغمّ نزظل بك أن أقرّج عنك فلم تر فرجا؟ قال: نعم يا ربّ، فيقول: أنّي ادّخرت لك بها في الجنّة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم يا ربّ. فيقول: فإني عجّلتها لك في الدنيا ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها فلم تر قضاءها؟ فيقول: نعم يا ربّ، فيقول: إنّي ادّخرتها لك في الجنّة كذا وكذا. قال رسول الله ﷺ: فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المومن إلاّ بيّن له إمّا أن يكون عجّل له في الدنيا، وإمّا أن يكون ادّخر له في الآخرة قال: فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجّل له شيء من دعائه».
١١٣٤ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا عبيد بن
_________________
(١) أبو حامد أحمد بن محمد هو: ابن أحمد بن بالويه العوصي.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٤) بنفس الإسناد وقال الحاكم: هذا حديث تفرد به الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر ومحل الفضل بن عيسى محل من لا يتوهم بالوضع. ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٥٧) والنسائي (٣/ ٣٨) كلاهما عن محمد بن بشار عن صفوان بن-
[ ٢ / ٤٩ ]
شريك، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، قال: حسبت أنّه عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة:
أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا يدعو وهو يشير بإصبعيه فأخذ بإحدى يديه وقال:
«أحّد أحّد».
ورواه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان من غير شكّ وقال في متنه فقال رسول الله ﷺ هكذا وأشار بالسبابة.
١١٣٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو قلابة، ثنا محمد بن إبراهيم-قال أبو قلابة كان أبوه يهوديا فأسلم وحسن إسلامه وقرأ القرآن-قال ثنا محمد بن مسعر-قال أبو قلابة: وقد رأيته وكان ابن عيينة يعظّمه شديدا-قال: ثنا داود العطار عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:
«لقد بارك الله لرجل في حاجة أكثر الدّعاء فيها أعطيها أو منعها».
قال: فحدّثت به منكدر بن محمد بن المنكدر فقلت: أسمعت هذا من أبيك؟ قال: لا ولكن دخلت مع أبي وأبي حازم على عمر بن عبد العزيز فقال عمر لأبي: يا أبا بكر مالي أراك كأنّك مهموم قال: فقال له أبو حازم: أجل لدين عليه، قال: فقال له عمر: فتح لك فيه الدعاء؟ قال: نعم، قال: فقد بارك الله لك فيه.
١١٣٦ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو الفضل بن محمد بن عقيل، أنا جعفر الفريابي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمارة، ومالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله:
إنّ الله لا يقبل إلاّ الناخلة من الدعاء، ولا يسمع من مسمّع ولا من مراء ولا من داع إلا دعاء ثبت قلبه.
_________________
(١) عيسى عن ابن عجلان-به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه الخطيب (٣/ ٢٩٩) من طريق محمد بن يعقوب-به.
[ ٢ / ٥٠ ]
١١٣٧ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو الحسن محمد بن الحسن السراج، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا نصر بن علي، ثنا عمر بن علي، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: كان الربيع بن خثيم يأتي علقمة في يوم الجمعة فأتاه فقال سمعت قسّا أو قال رجلا من أهل الكتاب وهو يقول ما أكثر الدعاء وأقلّ الإجابة! وذلك أنّ الله تعالى لا يقبل إلا الناخلة من الدّعاء، قال:
فتعجّب علقمة لتعجّب الربيع قال: فقال عبد الرحمن بن يزيد وما تعجّبك؟ أو ما سمعت عبد الله يقول إنّ الله تعالى لا يقبل من مسمّع، ولا لاعب ولا لاه إلاّ من دعا ثبت القلب.
١١٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن بكر المروزي ببيت المقدس، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء قالت:
إنّما الوجل في قلب ابن آدم كاحتراق السعفة أما يجد لها قشعريرة؟ قالوا بلى، قال: فادعوا إذا وجدتم ذلك فإنّ الدعاء يستجاب عند ذلك.
١١٣٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو محمد بن المقرئ، قالا: ثنا أبو العباس هو الأصم، ثنا الخضر، عن سيار، ثنا جعفر، ثنا ثابت البناني قال:
قال فلان: إنّي لأعلم حين يذكرني ربّي قالوا واعلم حين يذكرك ربك؟ قال:
نعم، إذا ذكرته ذكرني، قال؛ وإنّي لأعلم حين يستجيب لي ربّي. قالوا: وتعلم حين يستجيب لك ربّك؟ قال: نعم إذا وجل قلبي، واقشعرّ جلدي، وفاضت عيناي، وفتح لي في الدعاء فثمّ أعرف إني قد استجيب لي.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وقد مضى (^١) في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنّه قال:
«تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشدّة».
١١٤٠ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن خميرويه، أنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة، عن عاصم
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٢٤) من طريق جعفر-به.
(٢) -سبق برقم ١٠٧٤.
[ ٢ / ٥١ ]
الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال:
إذا كان الرجل يدعو الله في السرّاء، فنزلت به الضرّاء فيدعو فتقول الملائكة: صوت معروف من آدمي ضعيف كان يدعو في السرّاء، فيشفعون له؛ وإذا كان الرجل لا يدعو الله في السرّاء فنزلت به الضرّاء فدعا فيقول الملائكة صوت منكر من آدمي ضعيف كان لا يدعو الله في السرّاء فنزلت به الضرّاء فلا يشفعون له.
١١٤١ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء:
ادع الله في يوم سرّائك لعلّه يستجيب لك في يوم ضرّائك.
١١٤٢ - بإسناده أخبرنا معمر عن قتادة أنّ أبا الدرداء قال:
من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر الدّعاء يوشك أن يستجاب له.
١١٤٣ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو الحسن السرّاج، ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا الشعبي، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد؛ وعلي بن يزيد، ويونس، عن الحسن أنّ أبا الدرداء كان يقول:
أكثروا الدعاء فإنّه من أكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له.
١١٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن بالويه، ثنا محمد بن شاذان، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا أبو حمزة العطار قال: سمعت الحسن وسئل عن قوله ﷿:
﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣].
قال: كان يكثر الصلاة في الرّخاء.
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد (/٢/ ٥٦ دار الفكر الجامعي) من طريق حماد بن زيد عن أيوب-به.
(٢) عزاه السيوطي في الدر (٥/ ٢٨٩) إلى ابن أبي حاتم والحاكم والمصنف. أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٨٤) بنفس الإسناد.
[ ٢ / ٥٢ ]
١١٤٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا علي بن حمشاذ، ثنا موسى بن هارون، ثنا أبو موسى الأنصاري، ثنا حسين بن زيد، عن عمر بن علي، قال:
سمعت علي بن الحسين يقول:
لم أر للعبد مثل التقدم في الدعاء فإنّه ليس كلما نزلت بليّة يستجاب له عنها.
قال: وكان علي بن الحسين إذا خاف شيئا اجتهد في الدعاء.
١١٤٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الفضل محمد بن إبراهيم بن الفضل، يقول: سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق يقول: سمعت إبراهيم بن السري السقطي يقول: سمعت أبي يقول:
كن مثل الصبي إذا اشتهى على أبويه شهوة فلم يمكّناه، فقعد يبكي عليها فكن أنت مثله، فإذا سألت ربّك ولم يعطكه فاقعد فابك عليه.
١١٤٧ - [أخبرنا] أبو زكريا بن أبي إسحاق أنا أبو القاسم الحسن بن محمد العسكري، ثنا محمد بن خلف، ثنا يعقوب بن إسحاق قال: سمعت أبي يقول سمعت ابن عيينة يقول:
لا تتركوا الدعاء ولا يمنعكم منه ما تعلمون من أنفسكم فقد استجاب الله تعالى لإبليس وهو شرّ الخلق قال:
﴿فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:
٣٦،٣٧].
١١٤٨ - أخبرنا أبو محمد السكري ببغداد، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن سماك قال:
سمعت وهبا يقول:
الداعي بلا عمل كالرّامي بلا وتر.
١١٤٩ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، حدثني سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، قال:
قال محمد بن واسع:
[ ٢ / ٥٣ ]
يكفي من الدعاء مع الورع اليسير كما يكفي القدر من الملح.
١١٥٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر القطان، ثنا أحمد بن يوسف، ثنا محمد بن يوسف، قال: ذكر سفيان عن عمرو بن ميمون، عن طاوس قال:
يكفي الصدق من الدعاء كما يكفي الطعام من الملح.
١١٥١ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: في قوله ﷿:
﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
قال: أدعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة.
١١٥٢ - أخبرنا أبو حازم الحافظ، قال: سمعت محمد بن إسماعيل العلوي، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل بن موسى، يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: إلهي أسألك تذلّلا فأعطني تفضّلا.
١١٥٣ - وبإسناده قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول:
كيف امتنع بالذنب من الدعاء، ولا أراك تمتنع بالذنب من العطاء.
١١٥٤ - أخبرنا أبو حازم قال: سمعت أحمد بن الخليل الحافظ، يقول:
سمعت أحمد بن يعقوب المقرئ، يقول: سمعت أبا العباس بن حمكويه يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن معاذ الرازي يقول:
لا تستبطئنّ الإجابة إذا دعوت وقد سددت طرقها بالذنوب.
١١٥٥ - وقد أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الخليل هذا ثنا أحمد بن الحسن بن يعقوب فذكره.
١١٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو محمد بن أبي حامد المقرئ،
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٦٨) عن أبي القاسم عبد السّلام بن محمد المخرمي عن الشبلي-به.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٥١) عن محمد عن الحسن عن يحيى-به.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٥٣) من طريق أبي العباس بن حكويه-به.
(٤) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٣٦٢) من طريق سيار-به.
[ ٢ / ٥٤ ]
قالا: ثنا أبو العباس هو الأصم، ثنا الخضر بن أبان، ثنا سيار بن حاتم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا مالك بن دينار قال: بلغنا أنّ بني إسرائيل خرجوا إلى مخرج لهم فقيل لهم: يا بني إسرائيل تدعوني بألسنتكم وقلوبكم بعيدة عني، باطل ما ترهبون.
١١٥٧ - وبهذا الإسناد ثنا مالك بن دينار قال: بلغني أنّ بني إسرائيل خرجوا مخرجا لهم فأوحى الله إليهم تخرجون إلى الصعيد، وترفعون إليّ أكفّا سفكتم بها الدماء وملأتم بها بطونكم من الحرام، الآن حين اشتدّ غضبي عليكم ولم تزدادوا منّي إلاّ بعدا.
١١٥٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد القرشي، ثنا عبد الرحمن بن صالح، ثنا الأشجعي، عن أبي كدينة، عن ليث قال:
أوحى الله تعالى إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل أنّ قومك يدعونني بألسنتهم، وقلوبهم منّي بعيدة، رفعوا إليّ أيديهم يسألونني الخير وقد ملأوا بها بيوتاتهم من السّحت، الآن حين اشتدّ غضبي عليهم؟.
١١٥٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا علي بن محمد المصري، ثنا سليمان بن شعيب، ثنا أسد بن موسى، ثنا الفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
«يا أيّها النّاس إنّ الله ﷿ طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإنّ الله ﷿ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون:٥١].
وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة:
١٧٢].
ثم ذكر الرجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء يا ربّ! يا
_________________
(١) أبو كدينة هو يحيى بن الملهب البجلي روى عن ليث بن أبي سليم روى عنه الأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن.
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣) من طريق أبي أسامة عن فضيل-به.
[ ٢ / ٥٥ ]
ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام فأنّى يستجاب له».
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن فضيل بن مرزوق.
١١٦٠ - حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أنا أبو حامد بن الشرقي، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، ثنا إبراهيم بن سليمان الزيات، ثنا سفيان الثوري، عن فضيل بن مرزوق فذكره بإسناده غير أنّه لم يقل في أوّله يا أيّها الناس.
١١٦١ - أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم البزاز، ثنا الحسن بن عبد العزيز، ثنا سنيد بن داود، عن المعتمر عن أبيه قال: قال لقمان لابنه:
يا بنيّ أكثر من قول ربّ اغفر لي فإنّ الله ساعات لا يردّ فيها سائل.
١١٦٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الخضر بن أبان، ثنا سيار بن حاتم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا ثابت قال:
عبد الله رجل سبعين سنة فكان يقول في دعائه ربّ اجزني بعملي، ربّ إجزني بعملي، فمات فأدخل الجنّة فكان فيها سبعين سنة فلمّا استكملها قيل له: اخرج فقد استكملت عملك فأسقط في يديه فجعل يقول: أيّ شيء كان أوثق في الدنيا؟ فلم يجد شيئا كان أوثق في الدنيا من دعاء الله والتضرع إليه فجعل يقول: ربّ سمعتك-وأنا في الدنيا-وأنت تقيل العثرات، فأقل اليوم عثرتي فترك فيها. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٥٦ ]
(١٣) الثالث عشر من شعب الإيمان