في معرفة الله ﷿ وفي حدث العالم
العالم عبارة عن كل شيء غير الله، هو جملة الأجسام والأعراض، وجميع ذلك موجود عن عدم بايجاد الله ﷿ واختراعه إياه. قال الله ﷿:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
_________________
(١) حسان بن محمد الفقيه أبو الوليد (سير ١٥/ ٤٩٢)، وسعيد بن إسماعيل أبو عثمان الحيري (سير ١٤/ ٦٢).
[ ١ / ١٢٦ ]
وسئل نبينا ﷺ عن بدء هذا الأمر فقال:
«كان الله ولم يكن شيء غيره-ثم ذكر الخلق».
فإن قال قائل: فهل في العقل دليل على حدث الأجسام؟
قيل: نعم، وقد وجدنا الأجسام لا تنفك عن الحوادث المتعاقبة عليها كالاجتماع والافتراق، والسكون والحركة، والألوان، والمطعوم والأرايح وما لم ينفكّ من الحوادث ولم يسبقها، محدث مثلها
وإن قال: وهل فيه دليل على حدث الأعراض؟
قيل: نعم. قد وجدناها تتضاد في الوجود ولا يصح وجود جميعها معا في محلّ، فثبت أن بعضها يبطل ببعض، وما يجوز عليه البطلان لا يكون إلاّ حادثا، لأن القديم لم يزل ولا يصح عليه العدم.
فإن قال: فهل فيه دليل على أن الحوادث لا بد لها من محدث؟
قيل: نعم. حقيقة المحدث ما وجد عن عدم، ولولا أن موجودا أوجده لم يكن وجوده أولى من عدمه؛ وإنه يتقدّم بعضها على بعض، فلولا أن مقدّما قدّم ما تقدم منه، لم يكن حدوثه متقدّما أولى من حدوثه متأخرا، وكذلك وجود بعضه على بعض الهيئات المخصوصة يدل على جاعل خصّه بذلك، لو لاه لم يكن بعض الهيئات بأولى من بعض، ولأنا نشاهد الأجسام يتنقل أسبابها، ويتبدل أحوالها، فلولا أن منقّلا نقلها، لم يكن انتقالها أولى من بقائها. وفي ذلك دليل على أن تعلقها بمن نقلها، وحاجتها إلى من غيّرها، أنّها مصنوعة، وأن لها صانعا غيرها، ونحن نصوّره في الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام، فإنه كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما ولحما ودما وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأنّا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر على أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، فدلّ ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوّته عن ذلك اعجز. وقد رأيناه طفلا ثم شابّا، ثم كهلا ثم شيخا. وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال (فدلّ على أن ناقلا نقله من حال إلى حال) ودبّره على ما هو عليه. ومما يبيّن ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحوّل غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا من غير صانع ولا مدبّر. والطين والماء لا
[ ١ / ١٢٧ ]
يجوز أن يصيرا بناء مشيدا من غير بان. وكما لا يجوز صانع لا صنع له. لا يجوز صنع لا من صانع. وقد نبّهنا الله تعالى في غير موضع من كتابه العزيز على ما ذكرناه من العبر، فقال ﷿:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ* وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ* وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٠ - ٢٥].
وإن قال قائل: ومن لكم بأن أثر الصّنع موجود في السماوات والأرض؟ قال الحليمي-رحمه الله تعالى-.
قيل له إن السماء جسم محدود متناه، والمحدود المتناهي لا يجوز أن يكون قديما، لأن القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده، وما لا سبب لوجوده، فلا جائز أن يكون له نهاية، لأنه لا يكون وجوده إلى تلك النهاية أولى به من وجوده دونها أو وراءها. ولأن المتناهي لا يكون خالص الوجود لأنه إلى نهايته يكون موجودا ثم يكون وراء نهايته معدوما، والقديم لا يعدم، فصحّ أن المتناهي لا يجوز أن يكون قديما، والسماء متناهية. فثبت أنها ليست بقديم.
فإن قيل: وما الدليل على أنها متناهية؟
قيل: الدليل على أنها متناهية عيانا من الجهة التي تلينا، فدل ذلك على أنها متناهية من الجهات التي نراها ولا نشاهدها لأن تناهيها من هذه الجهة قد أوجب أن لا يكون ما يلينا منها قديما موجودا إلا لسبب، فصح أن ما لا يلينا منها فهي كذلك أيضا، لأنه لا يجوز أن يكون شيء واحد بعضه قديم وبعضه غير قديم.
وأيضا فإن السماء جسم ذو أجزاء، وكلّ جزء منه محدود متناه، فدلّ ذلك
[ ١ / ١٢٨ ]
على أن جميعها محدود متناه.
-ثم ساق الكلام إلى أن قال (^١) -
وما قلته في السماء فهو في الأرض مثله وأبين، لأنّ أجزاء الأرض تقبل في العيان أنواعا من الاستحالة، وكذلك الماء والهواء لأنّ أجزاء كل واحد من هذه الأشياء يجتمع مرة ويفترق أخرى، وينتقل من حال إلى حال، فصار حكمها حكم غيرها من الأجسام التي ذكرنا في الحاجة إلى مغيّر غيّرها، وناقل نقلها، وهو الواحد القهار.
قال البيهقي﵀-
فإن قال قائل: وهل في العقل دليل على أنّ محدثها واحد؟
قيل: نعم وهو استغناء الجميع في حدوثه بمحدث واحد، والزيادة عليه لا ينفصل منها عدد من عدد ولأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظم ودلا على أحكام، كما قال الله ﷿:
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ﴾ [الأنبياء:٢٢].
ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما، وذلك أنّه لو أراد أحدهما أحياء جسم وأراد الآخر إماتته، كان لا يخلو من أن يتمّ مرادهما. وهذا مستحيل، أو لا يتم مرادهما، أو مراد أحدهما دون صاحبه.
ومن لم يتم مراده كان عاجزا. والعاجز لا يكون الها قديما وعبارة أخرى وهي أن حال الاثنين لا يخلو من صحة المخالفة، أو تعذر المنازعة، فإن صحت المخالفة أو تعذرت المنازعة بأن صحت المخالفة كان الممنوع من المراد موصوفا بالقهر، وان تعذرت المنازعة كان كل واحد منهما موصوفا بالنقص والعجز، وذلك يمنع من التثنية. وقد دعانا الله ﷿ إلى توحيده في غير موضع من كتابه بما أرانا من الآيات، وأوضح لنا من الدلالات فقال عزّ من قائل:
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ -قرأها إلى قوله- ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٣،١٦٤].
_________________
(١) المنهاج للحليمي (١/ ٢١٤ - ٢١٥).
[ ١ / ١٢٩ ]
إلى سائر ما ورد في الكتاب من الدلالات على صنعه وتوحيده.
١٠٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن الفضل الصائغ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر الرازي، ثنا سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى:
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾
لما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا ان محمدا يقول: والهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين. فأنزل الله ﷿:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ..﴾. [البقرة:
١٦٤] الآية.
يقول: إن في هذه الآيات ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
١٠٥ - حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال وجدت في كتابي للشافعي ﵀:
فيا عجبا كيف يعصى الاله أم كيف يجحده جاحد؟
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
في كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ويقال إن هذه الأبيات لأبي العتاهية.
_________________
(١) أحمد بن الفضل بن الصايغ (جرح ٢/ ٦٧). آدم بن أبي أياس (ت ٢٢١) تقريب. سعيد بن مسروق الثوري والد سفيان (ت ١٢٦) تقريب أبو الضحى هو: مسلم بن صبيح (ت ١٠٠) تقريب. أخرجه الطبري (٣/ ٢٦٩ [٢٤٠١]) عن المثنى عن إسحاق بن الحجاج عن ابن أبي جعفر عن أبيه به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٦٣) لوكيع، والفريابي، وآدم بن أبي أياس، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والمصنف في شعب الإيمان عن أبي الضحى.
[ ١ / ١٣٠ ]
١٠٦ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال سمعت أبا الحسين عبد الواحد بن أبي عبد الرحمن-ناقله أبي القاسم المذكور-يقول حكى جدي في كتبه عن شيوخه أن أبا العتاهية إسماعيل بن القاسم جاء إلى دكان سقيفة الوراق فجلس وتحدث ثم ضرب بيده إلى دفتر فكتب في ظهره:
فيا عجبا كيف يعصى الاله أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية تدلّ على أنّه واحد
ثم ألقاه ونهض. فلما كان من الغد أو بعد ذلك جاء أبو نواس فجلس وتحدث وضرب بيده إلى ذلك الدفتر فقال:
أحسن، قاتله الله! والله لوددته لي بجميع ما قلته. لمن هي؟
قلنا: لأبي العتاهية.
فقال: هو أحق به.
ثم أخذ أبو نواس الدفتر فكتب:
سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين.
يسوقه من قرار إلى قرار مكين
يجوز شيئا فشيئا في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات مخلوقة من سكون
فلما عاد أبو العتاهية نظر فيه فقال: أحسن، قاتله الله! والله لوددت أنها لي بجميع ما قلت وما أقول. لمن هي؟
فقلنا لأبي نواس.
فقال: الشيطان، ثم كتب أبو العتاهية:
فإن اك حالكا فالمسك أحوى وما لسواد جلدي من بقاء
ولكنّي عن الفحشاء ناء كبعد الأرض عن جوّ السماء
_________________
(١) أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم (سير ١٠/ ١٩٥) وانظر ديوان أبي العتاهية (ص ١٠٤) - سيبويه (١/ ١٥٣).
[ ١ / ١٣١ ]
١٠٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني، ثنا السريّ بن خزيمة، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف:١١].
قال: خلقوا في أصلاب الرجال، ثم صوّروا في أرحام النساء.
١٠٨ - حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أنبا عبد الله بن محمد بن علي بن زياد الدقيقي، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المديني، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنبا بقية بن الوليد، ثنا بحير بن سعيد عن خالد بن معدان قال: قال أبو ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ:
«قد أفلح من أخلص الله قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليما، ولسانه صادقا، ونفسه مطمئنّة، وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه مستمعة وعينه ناظرة. فأما الأذن فقمع، وأما العين فمقرّة لما يوعى القلب، وقد أفلح من جعل الله قلبه واعيا».
١٠٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٩) عن أبي جعفر محمد بن صالح بن هانئ به. وعزاه السيوطي في الدر (٣/ ٧٢) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والمصنف في شعب الإيمان عن ابن عباس ﵄.
(٢) سهل بن محمد بن سليمان أبو الطيب طبقات الشافعية (٤/ ٣٩٣)، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المديني (بيان خطأ ١٧٥)، خالد بن معدان الكلاعي أبو عبد الله ثقة تقريب. أخرجه أحمد ٥/ ١٤٧ عن إبراهيم بن أبي العباس، والأصبهاني في الترغيب (١٠١) من طريق الوليد بن عتبة كلاهما عن بقية به. وعزاه السيوطي في اللآلئ (١/ ٩٧) لابن السنى في الطب. قلت ومن طريقه أخرجه الأصبهاني في الترغيب.
(٣) أحمد بن منصور الرمادي (جرح ٢/ ٧٨). عزاه العراقي لأبي نعيم في الطب النبوي والطبراني في مسند الشاميين والمصنف في الشعب من حديث أبي هريرة كذا بالاتحاف (٧/ ٢٢٤). وقال الزبيدي: قوله رواه أبو نعيم في الطب ظاهره أنه من حديث عائشة وليس كذلك وإنما أخرجه من حديث أبي سعيد.
[ ١ / ١٣٢ ]
أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال:
القلب ملك، وله جنود، فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده. والأذنان قمع والعينان مسلحة، واللسان ترجمان، واليدان جناحان، والرّجلان بريد، والكبد رحمة، والطحال ضحك، والكليتان مكر، والرية نفس».
قال البيهقي ﵀:
هكذا جاء موقوفا، ومعناه في القلب جاء في حديث النعمان بن بشير مرفوعا.
وقد رواه عبد الله بن المبارك عن معمر بإسناده وقال رفعه.
١١٠ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو سعيد أحمد بن النسوي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم النيسابوري قال سئل الحسن بن عيسى عن حديث ابن المبارك، فقال حدثني أبو الأسود، ثنا عبد الله ثنا معمر، عن عاصم بن أبي
_________________
(١) الحسن بن عيسى بن ماسرجس الماسرجسي أبو علي (تهذيب ٢/ ٣١٣). قول البيهقي ورواه أيضا الحكم بن فضيل الخ. رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٢/ ٦٣٣ من طريق سويد بن سعيد عن الحكم بن فضيل عن عطية عن أبي سعيد. وقال ابن عدي هذا الحديث لا أعلم يرويه عن عطية غير الحكم بن فضيل والحكم هذا قد روى عن غير عطية مثل خالد الحذاء وغيره وهو قليل الرواية وما تفرد به لا يتابعه عليه الثقات. قلت: تعقبه السيوطي في اللآلئ ١/ ٩٦ بقوله: (الحكم) وثقه أبو داود وغيره. (وسويد) وإن وهاه ابن معين فقد وثقه أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة والبغوي وصالح حرزه والدارقطني وآخرون واحتج به مسلم في صحيحه وكفى بذلك، غاية أمره أنه عمي وعمره مائة سنة فاختل حفظه. وله متابع أخرجه أبو الشيخ وفي العظمة عن علي بن الصباح عن يحيى بن واقد عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي الفضل العبدي من آل حرب بن مصقلة عن عطية عن أبي سعيد به. وعطية لم ينته أمره إلى أن يحكم على حديثه بالوضع بل الترمذي يحسن له.
[ ١ / ١٣٣ ]
النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه فذكره.
ورواه أيضا الحكم بن فضيل عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا.
١١١ - أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن محمد، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن المرتفع عن عبد الله بن الزبير ﵄:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
قال: سبيل الخلاء والبول.
١١٢ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا أبو جعفر الرزاز، أنبا أحمد بن الوليد الفحام، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن ابن الزبير:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾.
قال: سبيل الخلاء والبول. كذا قال.
١١٣ - وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، ثنا السري بن خزيمة الأبيوردي، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن جريج عن محمد بن المرتفع عن ابن الزبير فذكره.
١١٤ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن عبيد الله الأديب، ثنا محمود بن محمد، ثنا عبد الله بن الهيثم، ثنا الأصمعي قال سمعت ابن السمّاك يقول لرجل:
«تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم، وتسمع بعظم، وتتكلم بلحم».
_________________
(١) ١١٣ - أبو جعفر الرزاز هو محمد بن عمرو بن البختري (ت ٣٣٩) (خط ٣/ ١٣٢) أخرجه الطبري في التفسير ٢٦/ ١٢٦ عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور للفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير والمنذري وابن أبي حاتم والمصنف في شعب الإيمان عن ابن الزبير ﵁.
(٢) عبد الله بن الهيثم هو أبو عبد الله البصري، الأصمعي هو: أبو سعيد عبد الملك بن قريب (ت ٢١٥)، وابن السماك هو: أبو العباس محمد بن صبيح العجلي (ت ١٨٣) (سير ٨/ ٣٢٨).
[ ١ / ١٣٤ ]
١١٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أبو أمية، ثنا أبو عاصم، ثنا صالح الناجي، عن ابن جريج، عن ابن شهاب في قوله تعالى:
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ [فاطر:١].
قال: حسن الصوت.
١١٦ - قال وحدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن سليمان البصري، ثنا إبراهيم بن الجنيد، عن عمر بن حفص العسقلاني، عن خليد بن دعلج، عن قتادة في قوله:
«يزيد فى الخلق ما يشاء»
قال: الملاحة في العينين.
١١٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا الحسن بن محمد بن إسحاق قال سمعت أبا عثمان الخياط يقول ثنا ذو النون بن إبراهيم المصري قال:
«إنّ الله ﷿ خلق القلوب أوعية للعلم، ولولا أنّ الله سبحانه وبحمده أنطق اللسان بالبيان، وافتتحه بالكلام، ما كان الإنسان إلاّ بمنزلة البهيمة، يومئ بالرّأس، ويشير باليد».
١١٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سالم بن
_________________
(١) أبو أمية الطرسوسي هو: محمد بن إبراهيم وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٤٤) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والمصنف في الشعب عن الزهري به.
(٢) خليد بن دعلج (تقريب) ضعيف. عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٤٤) للمصنف فقط.
(٣) أبو عثمان الخياط هو: سعيد بن عثمان (خط ٩/ ٩٩).
(٤) أخرجه أحمد في الزهد (ص ١٧٢) من طريق أبي معاوية به. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٩) من طريق قيس بن عمار الدهني عن سالم أبي الجعد عن معدان عن أبي الدرداء به
[ ١ / ١٣٥ ]
أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال:
«تفكر ساعة خير من قيام ليلة».
١١٩ - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار قال ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد:
«قيل لأم الدرداء: ما كان أفضل أعمال أبي الدرداء؟
قالت: التفكر».
١٢٠ - أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أنبا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمّي المؤدب، أنبا علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، (عن سالم)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
«تفكروا في آلاء الله-يعني عظمته-ولا تفكروا في الله».
هذا إسناد فيه نظر.
١٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا علي بن محمد المروزي، ثنا محمد بن إبراهيم الرازي، ثنا يحيى بن معاذ قال:
«جملة التوحيد في كلمة واحدة، وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا إلا
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٨) من طريق أحمد بن حنبل عن أبي معاوية به. وانظر الزهد لابن المبارك (ص ٣٠٢).
(٢) حمزة بن عبد العزيز (ت ٤٠٧) (سير ١٧/ ٢٦٤)، وعبدوس بن الحسين بن منصور أبو الفضل، ومحمد بن إدريس الرازي أبو حاتم (ت ٢٧٧) تقريب، وعلي بن ثابت هو: أبو أحمد الجزري، والوازع بن نافع (ميزان ٤/ ٣٢٧). أخرجه ابن عدي (٧/ ٢٥٥٦) من طريق الصلت بن مسعود عن الوازع به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨١) للطبراني في الأوسط وقال: فيه الوازع بن نافع وهو متروك.
(٣) علي بن محمد المروزي (ت ٣٥١) (سير ١٦/ ٤٨)، ويحيى بن معاذ هو: الرازي (ت ٢٥٨) (سير ١٣/ ١٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
واعتقدت أن الله ﷿ هو مالكه من جميع الجهات».
قال البيهقي رحمه الله تعالى:
فإن قال قائل: وايش الدليل على أنه سبحانه موجود؟
قيل: قد بينّا أنه أوجد العالم وأحدثه، والفعل لا يصح وقوعه إلاّ من ذوي قدرة. والقدرة لا تقوم بنفسها، فوجب أنها تقوم بقادر موجود.
ولأن استحالة وقوع الفعل من معدوم كاستحالة وقوعه لا من فاعل. فلما استحال فعل لا من فاعل، استحال فعل من معدوم. وفي ذلك دليل على وجوده.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سبحانه قديم لم يزل؟
قيل: قد ثبت أنه موجود، ولو كان محدثا لتعلّق بغيره لا إلى نهاية، والموجود لا ينفكّ من أن يكون قديما أو محدثا. فلما فسد كونه محدثا ثبت أنه قديم.
وإن شئت قلت: قد بيّنّا احتياج المحدثات إلى مقدّم يقدّم ما تقدّم منها، ومؤخّر يؤخّر ما تأخّر منها، ومخصّص يخصّص بعضها ببعض الهيئات دون بعض. فلو كان الذي يفعل ذلك بها مشاركا لها في الحدوث لشاركها في الحاجة إلى المقدّم المؤخّر المخصّص. ولو كان بهذا الوصف لاقتضى كلّ محدثا قبله، ويستحيل وجود محدثات واحد قبل واحد لا إلى أوّل لاستحالة الجمع بين الحدوث ونفي الابتداء فثبت أنه قديم لم يزل.
فإن قال قائل: فما الدليل على أنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض؟
قيل: لأنّه لو كان جسما لكان مؤلّفا. والمؤلّف شيئان، وهو سبحانه شيء واحد، لا يحتمل التأليف.
وليس بجوهر، لأن الجوهر هو الحامل للأعراض، المقابل للمتضادّات، ولو كان كذلك، لكان ذلك دليلا على حدوثه، وهو سبحانه تعالى قديم لم يزل.
وليس بعرض لأن العرض لا يصحّ بقاؤه، ولا يقوم بنفسه-وهو-سبحانه قائم بنفسه لم يزل موجودا ولا يصحّ عدمه.
فإن قال قائل: فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء، ما انكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟
[ ١ / ١٣٧ ]
قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصّور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر: فلما لم يلزم ذلك، لم يلزم هذا.
وبعد: فإن الشيء سمة لكل موجود، وقد سمى الله﷾- نفسه شيئا قال الله ﷿:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩].
ولم يسم نفسه جسما ولا سماه به رسول الله ﷺ، ولا اتفق المسلمون عليه ونحن فلا نسمي الله ﷿ باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه، قال الله ﷿:
﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات، ولا يتصور في الوهم؟
قيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص وامارات الحدث، والحاجة إلى محدث غيره. وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فدلّ ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنّا. وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه قائم بنفسه، مستغن عن غيره؟
قيل: لأن خالق هذا الوصف يوجب حاجته إلى غيره، والحاجة دليل الحدث، لأنها تكون إلى وقت ثم تبطل بحدوث ضدها. وما جاز دخول الحوادث عليه كان محدثا مثلها. وقد قامت الدلالة على قدمه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حيّ عالم قادر؟
قيل: ظهور فعله دليل على حياته وقدرته وعلمه، لأنّ ذلك لا يصحّ وقوعه
[ ١ / ١٣٨ ]
من ميّت ولا عاجز ولا جاهل به وإذا وقع في شيء لم يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل دل ذلك على أنّه بخلاف وصف من لا يتأتى ذلك منه، ولا يكون بخلاف ذلك إلا وهو حيّ قادر عالم.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه مريد؟
قيل: لأنه حيّ، عالم، ليس بمكره ولا مغلوب، ولا به آفة تمنعه من ذلك وكل حيّ خلا مما يضادّ العلم، ولم يكن به آفة تخرجه من الإرادة، كان مريدا مختارا قاصدا.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سميع بصير؟
قيل: لأنه حيّ، ويستحيل وجود حيّ يتعرّى عن الوصف بما يدرك المسموع والمرئي، أو بالآفة المانعة منه، ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفين بالآفة لأنها منع، والمنع يقتضي مانعا وممنوعا، ومن كان ممنوعا كان مغلوبا. وذلك صفة الحدث. والباري قديم لم يزل وهو سميع بصير، لم يزل ولا يزال.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه متكلّم؟
قيل: لأنّه حيّ ليس بساكت، ولا به آفة تمنعه من الكلام، وكل حيّ كان كذلك، كان متكلما. ولأنه يستحيل لزوم الخطاب، ووجود الأمر عمن لا يصحّ منه الكلام، فوجب أن يكون متكلما.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لم يزل حيّا، قادرا، عالما، مريدا، سميعا. بصيرا، متكلما؟
قيل: لأنه لو لم يكن كذلك لكان موصوفا بأضدادها من موت أو عجز أو آفة، ولو كان كذلك لاستحال أن يقع منه فعل، وفي صحة الفعل منه دليل على أنه لم يزل كذلك، ولا يزال كذلك.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنّه حيّ، قادر، عالم، مريد، سميع، بصير، متكلم، له الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام؟
قيل: لأنه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات
[ ١ / ١٣٩ ]
عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الصفات له.
قال الله ﷿:
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقال تعالى:
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨].
وقال: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
أي علمه قد أحاط بالمعلومات كلها-إلى سائر الآيات التي وردت في هذا المعنى. وقال:
﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
فأثبت القوّة لنفسه، وهي القدرة، وأثبت العلم، فدلّ على أنه عالم بعلم، قادر بقدرة. ولأنّه لو جاز عالم لا علم له لجاز علم لا عالم به. كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له، لجاز فعل لا لفاعل فلما استحال فاعل لا فعل له كما استحال فعل لا فاعل له، كذلك يستحيل عالم لا علم له كما يستحيل علم لا لعالم.
ولأنّ العلم لو لم يكن شرطا في كون العالم عالما لم يضرّ عدمه في كل عالم، حتى يصحّ كل عالم أن يكون عالما مع عدم العلم. وحين كان شرطا في كون بعضهم عالما وجب ذلك في كل عالم لامتناع اختلاف الحقائق من الموصوفين.
ولأن إحكام الفعل يمتنع مع عدم العلم منّا به كما يمتنع مع كوننا غير عالمين به، فكما وجب استواء جميع المحكمين في كونهم علماء، كذلك يجب استواءهم في كون العلم لهم لاستحالة وقوعه من غير ذي علم به منّا كاستحالة وقوعه من غير عالم به منّا.
ولأن حقيقة العلم ما يعلم به العالم، وبعدمه يخرج عن كونه عالما فلو كان القديم عالما بنفسه كانت نفسه علما له. ولا يجوز أن يكون العالم في معنى العلم. فإن عارضوا ما ذكرناه من الآيات بقول الله ﷿:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
[ ١ / ١٤٠ ]
قلنا: لسنا نقول إنّ الله ذو علم على التنكير، وإنما نقول أنه ذو العلم على التعريف. كما نقول انه ذو الجلال والإكرام، على التعريف ولا نقول انه ذو جلال وإكرام على التنكير.
فمعنى الآية إذا «وفوق كل ذي علم محدث من هو أعلم منه».
فإن قالوا: فيقولون ان علمه قديم وهو قديم.
قيل: من أصحابنا من لا يقول ذلك مع إثباته له أزليا. ومنهم من يقول ذلك ولا يجب به الاشتباه، لأن القديم هو المتقدم في وجوده بشرط المبالغة، والمتقدم في الوجود هو الوجود، والوجود لا يوجب الاشتباه عند أحد فكذلك المتقدم في الوجود لا يوجب الاشتباه ولأن القدم وصف مشترك. يقال «شيخ قديم» و«بناء قديم» و«عرجون قديم».
فالاشتباه لا يقع بالاشتراك في الوصف المشترك.
ولأنه لو كان الاشتباه يقع بالاشتراك في القدم، لكان يقع بالاشتراك في الحدث. فلما لم يقع بالاشتراك في الحدث، لم يقع بالاشتراك في القدم.
ولأن عندنا حقيقة المشتبهين هما الغيران اللذان يجوز على أحدهما جميع ما يجوز على صاحبه وينوب منابه، وصفات الله تعالى ليست باغيار له.
فإن قالوا: لو كان له علم لم يخل من أن يكون هو أو غيره أو بعضه؟
قيل: هذه دعوى بل ما ينكر من علم لا يجوز أن يقال هو هو لاستحالة أن يكون العلم عالما، ولا يجوز أن يقال غيره لاستحالة مفارقته له ومعنى الغيرين ما لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه.
ولا يجوز أن يقال بعضه إذ ليس الموصوف به متبعضا.
فإن قال: لو كان له علم لكان عرضا مكتسبا أو مضطرا إليه، وكان اعتقادا من جنس علومنا لأن ذلك حكم العلم المعقود.
قيل: ليس الأمر كذلك لأن العلم لم يكن علما لأنه عرض أو بصفة مما ذكرتم وإنما كان علما، لأنّ العلم به يعلم ثم يضطر فإن كان العلم محدثا، كان علمه عرضا مكتسبا أو مضطرّا إليه.
[ ١ / ١٤١ ]
وإن لم يكن محدثا لم يصحّ وصفه بما يوجب الحدث، ولما وجب أن يكون عالما غير معتقد ولا مكتسب ولا مضطر، وجب أن يكون له علم لا يصح وصفه بشيء مما ذكرتم.
فإن قالوا: لو كان عالما بعلم لكان محتاجا إلى علمه.
قيل: لا يجوز عليه الحاجة لأنه غنيّ، ليس علمه ولا سائر صفاته الذاتية أغيارا له، ولا ابعاضا حتّى يصحّ وصفه بالحاجة إلى غيره أو إلى بعضه.
فإن قالوا: فيقولون إن علمه علم بكل ما يصحّ أن يعلم.
قيل: كذلك نقول، ولذلك وصف الله تعالى علمه فقال:
﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
وأما غير الله ﷿ فإنّه لا يصح أن يكون عالما بكل معلوم، فلم يصحّ أن يكون له علم بذلك. فالله ﷾ يجب كونه عالما بكل معلوم، فكذلك يجب أن يكون علمه علما بكل ما يصح أن يعلم.
والكلام في سائر الصفات الذاتية كالكلام في العلم، ولا يجوز في شيء من ذلك أن يقال إنه يجاوره لأن المجاورة تقتضي المماسة أو المقاربة في المكان وذلك صفة الأجسام التي هي محل الحوادث ولا يقال إنها تحلّه، لأن الحلول يقتضي المجاورة، وقد قامت الدلالة على بطلانها. ولا يقال إنها تخالفه أو تفارقه، لأن المفارقة والمخالفة فرع للغيرية والتغاير بينه وبين صفاته محال.
ولا يقال إنه ملكه لأن ما يملك يصحّ أن يفعل، وصفاته أزلية لا يصح أن تفعل، ولا يقال في صفات ذاته إنها في أنفسها مختلفة ولا متفقة لأنها ليست بمتغايرة.
ولا يقال إنها مع الله أو في الله، بل هي مختصّة بذاته قائمة به لم يزل موصوفا بها ولا يزال هو موصوفا بها.
ولله تعالى صفات خبرية منها الوجه واليد.
طريق إثباتها ورود خبر الصادق بها فنثبتها ولا نكيّفها.
[ ١ / ١٤٢ ]
وأما صفات الفعل كالخلق والرزق فإنها أغيار وهي فيما لا يزال، ولا يصح وصفه بها في الأزل.
وأبى المحققون من أصحابنا أن يقولوا في الله جلّ ثناؤه أنّه لم يزل خالقا ورازقا، ولكن يقولون خالقنا لم يزل، ورازقنا لم يزل، قادرا على الخلق والرزق. لأنه لم يخلق في الأزل ثم خلق، وإذا سمّي خالقا بعد وجود الخلق، لم يوجب ذلك تغيّرا في ذاته، كما أن الرجل إذا سمّي أبا بعد أن لم يسمّ أبا، لم يوجب ذلك تغيّرا في نفسه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز القول لم يزل خالقا، رازقا على معنى أنه سيخلق وسيرزق، وبالله التوفيق.
١٢٢ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله:
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
هل تعلم للرب ﷿ مثلا أو شبها.
١٢٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس محمد بن يعقوب «ح»
_________________
(١) معاوية بن صالح الحضرمي هو: أبو عمرو (ت ١٥٨) تقريب. علي بن أبي طلحة، أرسل عن ابن عباس ولم يره (تقريب). أخرجه ابن جرير في التفسير (١٦/ ٨٠) عن علي عن عبد الله عن معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٧٩) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.
(٢) أبو الحسين بن الفضل هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل أبو الحسين الأزرق القطان سبق برقم ٨٤، وخالد بن يزيد هو الكاهلي أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٥) عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السّلام عن إسحاق بن إبراهيم عن وكيع ويحيى بن آدم قالا: ثنا إسرائيل به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٧٩) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والمصنف في الشعب.
[ ١ / ١٤٣ ]
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماتي، قالا ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغفاري، حدثنا خالد بن يزيد، ثنا اسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿:
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
قال: ليس أحد يسمّى الرحمن غيره.
[ ١ / ١٤٤ ]
(٢) الثاني من شعب الإيمان