قال الحليمي رحمه الله تعالى: من الناس من ذهب إلى أنّ الأحياء العقلاء النّاطقين فريقان: إنس وجنّ؛ وكل واحد من الفريقين صنفان: أخيار
[ ١ / ١٦٣ ]
وأشرار فأخيار الإنس يدعون أبرارا، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل، وأشرارهم يدعون فجّارا، ثم ينقسمون إلى كفّار وغير كفّار.
وأخيار الجنّ يسمّون ملائكة، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل.
وأشرارهم يدعون شياطين، ثم قد يستعار هذا الاسم لفجار الإنس تشبيها لهم بفجار الجنّ.
وقد يحتمل هذا التفسير وجها آخر، وهو: أنّ الجنّ منهم سكان الأرض ومنهم سكان السماء. فالذين هم سكان السّماء: يدعون الملأ الأعلى، ويدعون الملائكة. والذين هم سكّان الأرض هم الجن بالإطلاق وينقسمون إلى أخيار وفجار ومؤمنين وكافرين.
وإنّما قيل للملأ الأعلى ملائكة لأنّهم مستصلحون للرسالة التي تسمّى الولا.
وأكثر الناس على أنّ الملك أصله مالك، وإنّ ملأك مقلوب، وأنه قيل لواحد الملائكة مالك بمعنى أنّه موضع للرسالة بكونه مصطفى مختارا للسماء أن يسكنها إذ كانت الرسالة منها تأتي سكان الأرض.
ومن ذهب إلى هذا قال: أخبر الله ﷿ أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس فلو لم يكن من الملائكة، لم يكن لاستثنائه منهم معنى، ثم قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. فأبان أن المأمورين بالسجود كانوا طبقة واحدة إلا أنّ إبليس لما عصى ولعن صار من الجن الذين يسكنون الأرض.
وأيضا إن الله ﷿ أخبر عن الكفار الذين قالوا إنّ الملائكة بنات الله، فقال تعالى:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨].
فدلّ ذلك على أن الملائكة من الجن وأنّ النسب الذي جعلوه بين الله تعالى وبين الجن قولهم: الملائكة بنات الله: تعالى عما قالوا علوا كبيرا.
وأيضا فإن الإنس هم الظاهرون والجنّ هم المجتنّون والملائكة مجتنون.
[ ١ / ١٦٤ ]
وأيضا فإن الله تعالى لما وصف الخلائق قال:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن:١٤،١٥].
فلو كانت الملائكة صنفا ثالثا لما كان يدع أشراف الخلائق فلا يتمدّح بالقدرة على خلقه.
قال ومن خالف هذا القول قال: إنّ سكان الأرض ينقسمون إلى إنس وجنّ، فأما من خرج عن هذا الحد لم يلحقه اسم الإنس وإن كان مرئيا ولا اسم الجنّ وإن كان غير مرئي.
والذي يدل على أنّ الملائكة غير الجنّ أنّ الله ﷿ لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أخبر الله ﷿ عن سبب مفارقته الملائكة فقال:
﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠].
فلو كان كلّهم جنّا لاشتركوا في الامتناع عن السجود، ولم يكن في أنّ إبليس كان من الجن ما يحمله على أن لا يسجد. وفي هذا ما أبان انّ الملائكة خير، والجن خير وانهما فريقان شتى. وإنّما دخل إبليس في الأمر الذي خوطبت به الملائكة لأنّ الله تعالى قد أذن له في مساكنة الملائكة ومجاورتهم بحسن عبادته وشدة اجتهاده فجرى في عدادهم، فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم، دخل في الجملة الملك الأصلي والملحق بهم غير ان مفارقته الملائكة في أصل جبلته حملته على مفارقتهم في الطاعة فلذلك قال الله ﷿:
﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠].
وأما قول الله ﷿:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨].
فيحتمل أن ذلك تسميتهم الأصنام الهة، ودعواهم أنها بنات الله ﷿، وتقرّبهم بعبادتها إلى الله ﷿، وذلك حين كان شياطين الجن
[ ١ / ١٦٥ ]
يدخلون أجوافها ويكلّمونهم منها، فكانوا ينسبون ذلك الكلام إلى الله ﷿، فقال الله تعالى:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾.
لأنّهم يسمّون الأصنام لمكان تكليم الجنة إياهم من أجوافها آلهة وادعوا أنّها بنات الله فأثبتوا بين الله تعالى وبين الجنة نسبا جهلا منهم.
١٤١ - قال البيهقي ﵀ وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التفسير لهذه الآية.
أنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨].
قال: قال كفار قريش: الملائكة بنات الله تعالى فقال لهم أبو بكر الصديق (﵁): فمن أمهاتهم؟ فقالوا بنات سروات الجن، فقال الله ﷿:
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨].
يقول: إنها ستحضر للحساب قال: والجنّة هي الملائكة.
وروينا عن قتادة أنه قال: جعلوا الملائكة بنات الله من الجن وكذب أعداء الله.
وعن أبي عمران الجوني قال: قالت اليهود: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة.
وروينا عن الكلبي أنه قال: يقول ذلك لقولهم الملائكة بنات الله يقول الله ﷿:
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ٦٩) من طريق ورقاء به، وفي الدر المنثور (٥/ ٢٩٢) عزاه السيوطي لآدم بن أبي أياس، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والمصنف في الشعب عن مجاهد.
[ ١ / ١٦٦ ]
محضرون النار الذين قالوا الملائكة بنات الله.
قال: ويقال نزلت هذه الآية في الزنادقة وذلك أنهم قالوا خلق الله الناس والدواب والأنعام فقال إبليس لأخلقنّ خلقا أضرهم فخلق الحيات والعقارب والسباع فذلك قوله تعالى:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨].
قالوا هو إبليس أخزاه الله، تعالى الله عما يشركون.
١٤٢ - أخبرناه أبو عبد الرحمن الدهان، أنا الحسين بن محمد بن هارون، أنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان، عن الكلبي فذكره.
قال الحليمي رحمه الله تعالى: وأما قول الله ﷿.
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن:١٤،١٥].
فإنما هو بيان ما ركبه من خلق متقدم فلم تدخل الملائكة في ذلك لأنهم مخترعون، قال الله ﷿ لهم: «كونوا»، فكانوا كما قال للأصل الذي منه خلق الجن والأصل الذي خلق منه الإنس هو التراب والماء والنار والهواء: «كن» فكان، فكانت الملائكة في الاختراع كأصول الجنّ والإنس لا كأعيانهم فلذلك لم يذكروا معهم. (والله أعلم).
قال البيهقي رحمه الله تعالى: وأبين من هذا كله في أن الملائكة صنف غير الجن حديث عائشة (﵂).
١٤٣ - وذلك ما أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو حامد بن الشرقي، ثنا محمد بن يحيى، وأبو الأزهر وحمدان السلمي، قالوا: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (رضي الله
_________________
(١) أبو حامد بن الشرقي هو: أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري (سير ١٥/ ٣٧)، ومحمد بن يحيى هو الذهلي، وحمدان السلمي هو: أحمد بن يوسف السلمي. أخرجه مسلم ص (٢٢٩٤).
[ ١ / ١٦٧ ]
عنها) قالت: قال رسول الله ﷺ:
«خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مّارج من نّار وخلق آدم ممّا وصف لكم».
رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق.
وفي فصله بينهما في الذكر دليل على أنه أراد نورا آخر غير نور النار والله تعالى أعلم.
١٤٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر القطان، ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس ﵄ قال:
«إنّ من الملائكة قبيلة يقال لها الجنّ وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السّماء والأرض فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما».
قال البيهقي رحمه الله تعالى فهذا إن ثبت يدل على مفارقة هؤلاء القبيلة غيرهم من الملائكة في التسمية.
وزعم مقاتل بن سليمان: أن خلق إبليس وخلق هؤلاء وقع من نار السموم ومن مارج من نار، وهم كانوا خزّان الجنة، رأسهم إبليس؛ وكانوا أهل السماء الدنيا فهبطوا إلى الأرض حين اقتتلت الجن الذين كانوا سكان الأرض، وهم الذين أوحى الله ﷿ إليهم:
﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].
وزعم الكلبي: أنهم كانوا خزّان الجنان، يقال لذلك الجنة (الجن) اشتق لهم اسم من الجنة، وكان مع إبليس أقاليد الجنان وخلقه من مارج من نار وهي نار لا دخان لها فاقتتل الجن بنو الجان فيما بينهم، فبعث الله تعالى إبليس من السماء الدنيا في جند من الملائكة، فهبطوا إلى الأرض فأخرجوا الجن بني
_________________
(١) إبراهيم بن الحارث البغدادي (سير ١٣/ ٢٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
الجانّ منها، وألحقوهم بجزائر البحر وسكنوا الأرض وهم الذين قال الله ﷿ لهم.
﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
ولم يعن به الملائكة الذين في السّماء،
قال البيهقي رحمه الله تعالى فعلى هذا يحتمل إن كان خلق هؤلاء أيضا وقع من مارج من نار، أن يكونوا إنما يسمّون الجن لما ذكره الكلبي أو لموافقتهم الجن في أصل الخلقة، وخلق غيرهم من الملائكة (وقع من نور)، كما روينا من حديث عائشة. وقوله:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨].
يحتمل أن يكون المراد به هذه القبيلة التي يقال لها الجن دون غيرهم من الملائكة).
والله تعالى أعلم قال الحليمي رحمه الله تعالى: ومما يدلّ على مفارقة الجن الملائكة أنّ الله ﷿ أخبر أنّه يسأل الملائكة يوم القيامة عن المشركين فيقول لهم:
﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]
فيقول الملائكة:
﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١].
فثبت بهذا أن الملائكة غير الجن.
فقال الشيخ ﵀ ويحتمل أن يكون هذا التبري من الملأ الأعلى الذين كانوا لا يسمون جنّا. والله أعلم.
١٤٥ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا
_________________
(١) أبو إسحق هو: عمرو بن عبد الله السبيعي. أخرجه ابن جرير في التفسير (١٤/ ٢١) من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم به.-
[ ١ / ١٦٩ ]
أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أبي إسحق، عن عمرو بن عبد الله الأصم، عن ابن مسعود ﵁ قال:
«إنّ ناركم هذه التي توقدون لجزء من سبعين جزءا من نار جهنّم وإنّ السّموم الحارّ الّتي خلق الله تعالى منها الجانّ لجزء من سبعين جزءا من نار جهنّم».
١٤٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحق، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
«كان اسم إبليس عزازيل وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأربعة الأجنحة ثمّ أبلس بعد».
١٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
«كان إبليس من خزّان الجنّة وكان يدبّر أمر سماء الدّنيا».
١٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس
_________________
(١) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٩٨) للطيالسي، والفريابي، وابن ج رير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والمصنف في الشعب عن ابن مسعود ﵁.
(٢) حنبل بن إسحاق (ت ٢٧٣) (سير ١٣/ ٥١)، سعيد بن سليمان هو أبو عثمان الواسطي (تقر يب)، عباد هو: ابن العوام أبو سهل الواسطي (تقريب)، وسفيان بن حسين هو: ابن الحسن أبو محمد (تقريب)، ويعلى بن مسلم هو ابن هرمز. عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠) لابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والمصنف في الشعب.
(٣) حبيب بن أبي ثابت (ت ١٢٩) (تقريب). عزاه ال سيوطي في الدر المنثو ر (١/ ٥٠) لوكيع وابن المنذر، والمصنف في الشعب.
(٤) يعقوب هو: ابن سفيان القمي. أخرجه المصنف في الأسماء والصفات ص (٣١٦ و٣١٧) بنفس الإسناد، ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄.
[ ١ / ١٧٠ ]
الأصم، ثنا السري بن يحيى، ثنا عثمان بن زفر، ثنا يعقوب القمّي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله:
﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠] قال: كان من الجنانين الّذين يعملون في الجنّة.
قال الحليمي ﵀: ثم إن الملائكة يسمّون روحانيين-بضم الراء- وسمّى الله ﷿ جبريل ﵇ «الرّوح الأمين» و«روح القدس».
وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ:٣٨].
فقيل: إن المراد به جبريل ﵇. وقيل: إنه ملك عظيم سوى جبريل يقوم وحده صفا والملائكة صفا.
ومن قال هذا قال: الرّوح جوهر، وقد يجوز أن يؤلف الله سبحانه أرواحا، فيجسّمها، ويخلق خلقا ناطقا عاقلا.
وقد يجوز أن تكون أجسام الملائكة على ما هي عليه اليوم مخترعة، كما اخترع عيسى وناقة صالح (﵉).
وقال بعض الناس إن الملائكة روحانيّون-بفتح الراء-بمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظلل ولكنهم في فسحة وبساطة.
وقد قيل إن ملائكة الرحمة هم الروحانيون، وملائكة العذاب هم الكرّوبيون فهذا من الكرب، وذاك من الروح والله تعالى أعلم.
قال البيهقي ﵀: وذكر وهب بن منبه أن الكروبيين سكان السماء السابعة يبكون وينتحبون.
وقد ذكرنا الأخبار التي وردت في تفسير الروح والملك الذي يسمّى روحا في الثالث عشر من كتاب «الأسماء والصفات».
وقد تكلم الناس قديما وحديثا في المفاضلة بين الملائكة والبشر. فذهب ذاهبون إلى أنّ الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى إنّ الملأ الأعلى مفضّلون على سكان الأرض ولكل واحد من القولين وجه.
[ ١ / ١٧١ ]
١٤٩ - وقد أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو زرعة الرازي، حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد ربّه بن صالح القرشي، ثنا عروة بن رويم، عن الأنصاري أنّ النبي ﷺ قال:
«لمّا خلق الله آدم (﵇) وذرّيّته، قالت الملائكة يا ربّ خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدّنيا ولنا الآخرة فقال الله ﵎»:
«لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان».
قال البيهقي ﵀ وقال فيه غيره عن هشام بن عمار بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري وفي ثبوته نظر.
ومن قال في الملائكة هم قبيلان أشبه أن يقول في هذا: أراد القبيل الذي كان منهم إبليس دون الملأ الأعلى وهم الأشراف والعظماء والله تعالى أعلم.
وروينا عن عبد الله بن سلام أنّه قال:
إنّ أكرم خليقة الله تعالى على الله سبحانه أبو القاسم ﷺ قال بشر قلت رحمك الله فأين الملائكة قال: (فنظر إليّ وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما الملائكة؟ إنّما الملائكة) خلق كخلق الأرض، وخلق السّماء، وخلق السّحاب، وخلق الجبال، وخلق الرّياح، وسائر الخلائق وإنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ﷺ.
وذكر الحديث.
١٥٠ - أخبرناه أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن ابن سلام فذكره.
_________________
(١) الأنصاري قيل هو جابر بن عبد الله الأنصاري كما في تهذيب الكمال (ص ٩٢٧).
(٢) مهدي بن ميمون هو الأزدي أبو يحيى، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب هو التيمي، وبشر بن شغاف، وابن سلام هو عبد الله بن سلام كلهم من رجال (التقريب). أخرجه المصنف في دلائل النبوة (٥/ ٤٨٥) بنفس الإسناد.
[ ١ / ١٧٢ ]
١٥١ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله التّرقفي، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة قال سمعت ابن عباس رضي يقول:
«إنّ الله ﷿ فضّل محمّدا ﷺ على أهل السّماء وعلى الأنبياء قالوا يا ابن عبّاس ما فضله على أهل السّماء؟ قال لأنّ الله ﷿ قال لأهل السّماء:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
وقال لمحمد ﷺ:
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١،٢].
قالوا يا ابن عباس! ما فضله على الأنبياء؟ قال لأنّ الله ﷿ يقول:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤].
وقال الله تعالى لمحمد ﷺ:
﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء:٧٩].
فأرسله الله تعالى إلى الإنس والجن.
وكذلك رواه إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه وليس بالقوي.
ومن قال بالقول الآخر عارضه بقوله ﷿:
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
_________________
(١) عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري أبو محمد (ت ٤١٧) (سير ١٧/ ٣٨٦)، وعباس بن عبد الله الترفقي هو أبو محمد (ت ٢٦٧) (سير ١٣/ ١٢)، وحفص بن عمر هو ابن ميمون العدني، والحكم بن أبان هو أبو عيسى، وعكرمة، وإبراهيم بن الحكم بن ابان الأربعة من رجال التقريب. أخرجه المصنف في دلائل النبوة (٥/ ٤٨٦ - ٤٨٧) بنفس الإسناد.
[ ١ / ١٧٣ ]
إلاّ أن يقول قائل: الخطاب وقع إليه والمراد به غيره، أو يقول إن كان هو المراد به فقد أمنه بالآية التي قرأها ابن عباس فيما روي عنه.
١٥٢ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا أبو قتيبة، ثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة (﵁) قال:
«المؤمن أكرم على الله من الملائكة».
كذا رواه أبو المهزم عن أبي هريرة موقوفا وأبو المهزم متروك.
١٥٣ - أخبرنا الاستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر من أصله، ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد العمروي إملاء، ثنا أبو بكر محمد بن حمويه بن عباد السراج، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الغفار بن عبيد الله، ثنا عبيد الله بن تمام السلمي، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
«ما من شيء أكرم على الله من ابن آدم قال قيل يا رسول الله! ولا الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشّمس والقمر».
تفرد به عبيد الله بن تمام.
_________________
(١) أبو المهزم هو يزيد بن سفيان. -أخرجه ابن ماجة (٣٩٤٧) من طريق الوليد بن مسلم عن حماد بن سلمة به. وانظر الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر رقم (٧٨٠) بترقيمي. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف يزيد بن سفيان أبي المهزم.
(٢) عبد القاهر بن طاهر أبو منصور (سير ١٧/ ٥٧٢)، وأحمد بن محمد بن أحمد هو العمرزي أبو العباس، ومحمد بن حيويه بن عباد هو أبو بكر السراج، وعبيد الله بن تمام السلمي قال في الجرح روى أحاديث منكرة. -أخرجه الطبراني كما في ابن كثير (٥/ ٩٥)، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٤/ ٤٥) من طريق عبيد الله بن تمام به. وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدا. وانظر الكاف الشاف رقم (٧٨٠) بترقيمي، والديلمي (٦٣٣١) بترقيمي. وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٢) للطبراني في الكبير وقال الهيثمي فيه عبيد الله بن تمام.
[ ١ / ١٧٤ ]
قال البخاري: عنده عجائب. ورواه غيره عن خالد الحذاء موقوفا على عبد الله بن عمرو وهو الصحيح.
١٥٤ - أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا ابن أبي قماش، ثنا وهب بن بقية عن خالد الحذاء عن بشر بن شغاف عن أبيه-قال- قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول:
ليس شيء أكرم على الله ﷿ من ابن آدم قلت الملائكة؟ قال أولئك بمنزلة الشّمس والقمر أولئك مجبورون.
١٥٥ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الدّيبلي، ثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا الحارث بن عبيد الأيادي، عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:
«بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفيّ فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطّير فقعدت في أحدهما، وقعد في الآخر فسميت وارتفعت
_________________
(١) وهب بن بقية هو الواسطي أبو محمد (ت ١٩٦).
(٢) عبد الله بن يوسف الأصبهاني أبو محمد (ت ٤٠٩) (تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٤٩)، محمد بن علي بن زيد الصائغ أبو عبد الله (ت ٢٨٧) (سير ١٣/ ٤٢٨)، أبو عمران الجوني هو عبد الملك. أخرجه البزار (كشف الأستار) ١/ ٤٧ (٥٨) أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣١٦) من طريق سعيد بن منصور به. وقال البزار: وهذا لا نعلم رواه إلاّ أنس ولا رواه عن أبي عمران إلاّ الحارث، وكان بصريا مشهورا. والحديث في مجمع الزوائد (١/ ٧٥) وقال الهيثمي رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. وقول المصنف: «ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني » الخ. أخرجه البغوي في شرح السنة (١٣/ ٢٤٧) من طريق حماد بن سلمة به. وقال البغوي هذا مرسل اه. ومحمد بن عمير بن عطارد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
[ ١ / ١٧٥ ]
حتّى إذا سدّت الخافقين وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمسّ السّماء مسست فالتفتّ، فإذا جبريل ﵇ كأنّه حلس لا طئ فعرفت فضل علمه بالله ﷿ عليّ».
ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد عن النبي ﷺ وقال: ﷺ:
«فوقع جبريل مغشيّا عليه كأنّه حلس فعرفت فضل خشيته على خشيتي فأوحي إليّ: نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا؟ أو إلى الجنّة؟ فأومأ إليّ جبريل وهو مضطجع أن تواضع. فقلت: لا، بل نبيّا عبدا».
١٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، ثنا أبو السّريّ موسى بن الحسن بن عباد، ثنا حبيش بن مبشر الفقيه، قال كنّا عند يزيد بن هارون-فذكر قصة، ثم قال يزيد ثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«لّما أسري بي كنت أنا في شجرة وجبريل في شجرة، فغشينا من أمر الله بعض ما غشينا، فخرّ جبريل ﵇ مغشيّا عليه وثبتّ على أمري فعرفت فضل إيمان جبريل على إيماني».
١٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو أسامة عبد الله بن أسامة الكلبي، ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، ثنا ابن
_________________
(١) موسى بن الحسن بن عباد أبو السري (ت ٢٨٧) (سير ١٣/ ٣٧٨)، وحبيش بن مبشر (ت ٢٥٨)، يزيد بن هارون (ت ٢٠٦). أخرجه ابن عساكر عن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي عن أبيه كما في الكنز ١٢/ ٤١٢ [٣٥٤٤٨].
(٢) عبد الله بن أسامة الكلبي أبو أسامة (الجرح ٥/ ١٠)، ومحمد بن عمران بن أبي ليلى، وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، والحكم هو ابن عتيبة أبو محمد الكندي، ومقسم هو ابن بجرة ويقال ابن نجدة أبو القاسم. الأربعة من رجال (التقريب). أخرجه الطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، والمصنف في الشعب بسند حسن كما في الدر المنثور (١/ ٩١ و٩٢).
[ ١ / ١٧٦ ]
أبي ليلى عن الحكم. عن مقسم، عن ابن عباس قال:
«بينما رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇ يناجيه إذ انشقّ أفق السّماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض، ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله ﷺ، فقال يا محمد! إنّ ربّك يقرئك السّلام ويخيّرك بين أن تكون نبيّا ملكا، وبين أن تكون نبيّا عبدا، قال رسول الله ﷺ: فأشار جبريل إليّ بيده أن تواضع، فعرفت أنّه ناصح فقلت عبدا نبيّا، فعرج ذلك الملك إلى السّماء. فقلت يا جبريل! قد كنت اردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة، فمن هذا يا جبريل؟ قال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه، صافنا قدميه، لا يرفع طرفه، بينه وبين الربّ سبعون نورا، ما منها نور يدنو منه إلاّ احترق، بين يديه اللّوح المحفوظ فإذا أذن الله من السّماء أو في الأرض، ارتفع ذلك اللّوح يظرب جبينه، فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، قلت يا جبريل على أيّ شيء أنت؟ قال على الرّياح والجنود. قلت على أيّ شيء ميكائيل؟ قال على النّبات. قلت:
على أيّ شيء ملك الموت؟ قال على قبض الأنفس، وما ظننت أنّه هبط إلا بقيام السّاعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة».
قوله بينه وبين الرب سبعون نورا يحتمل أن يريد بينه وبين عرش الرب.
١٥٨ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أنا أبو حفص عمر بن محمد الجمحي بمكة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط قال:
«يدّبر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل فأمّا جبريل فوكّل بالرّياح والجنود، وأمّا ميكائيل فوكّل بالقطر والنّبات، وأمّا ملك الموت فوكّل بقبض الأرواح، وأمّا إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم».
١٥٩ - أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسن، أنا حاجب بن أحمد، ثنا
_________________
(١) حاجب بن أحمد هو: ابن يرحم بن سفيان بن نصر بن عبد الله أبو محمد الطوسي، أبو معاوية هو: محمد بن حازم الضرير. أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ٧١) من طريق الأعمش به.
[ ١ / ١٧٧ ]
محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال عبد الله:
«إنّ من السّموات لسماء ما فيها موضع شبر إلاّ وعليها جبهة ملك أو قدماه ثمّ قرأ:
﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥،١٦٦].
١٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى، قالا ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا حميد الطويل، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبي، أنّه سأل كعبا عن قوله الله:
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
«فقال: هل يؤذيك طرفك؟ قال: لا، قال: فهل يؤذيك نفسك؟ قال:
لا، قال: فإنّهم ألهموا التّسبيح، كما ألهمتم النّفس والطّرف».
١٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن المخارق، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله:
_________________
(١) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٩٣) لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والمصنف في الشعب.
(٢) يحيى بن أبي طالب (تهذيب الكمال ص ٨٧٠) فيمن روى عنه عبد الوهاب، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث ثقة (تقريب)، وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل (تقريب). أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والمصنف في الشعب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن كعب، كما في الدر المنثور (٤/ ٣١٥). وأخرجه الطبري في التفسير (١٧/ ١٠) من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس عن كعب به.
(٣) أخرجه الطبري في التفسير (١٧/ ١٠) من طريق أبي معاوية به.
[ ١ / ١٧٨ ]
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾
«أما شغلهم رسالة؟ أما شغلهم عمل؟ فقال: من هذا؟ فقال: غلام من بني عبد المطّلب فأخذني فضمّني وقال: يا ابن أخي! إنّه جعل لهم التّسبيح كما جعل لكم النّفس ألست تأكل وتشرب وتجيء وتذهب وتتكلّم وأنت تتنفّس؟ فكذلك جعل لهم التّسبيح».
قال البيهقي: ومن قال فالأول زعم أنهم خلقوا بلا شهوة فمن يعبد الله وطينه معجون بالهوى والشهوة كانت عبادته أفضل، ألا ترى من ابتلي من الملائكة بالشهوة كيف وقع في المعصية؟ وذكر قصة هاروت وماروت.
١٦٢ - أخبرنا الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، أنا
_________________
(١) موسى بن جبير هو الأنصاري مولى بني سلمة، وسعيد بن سلمة هو ابن أبي الحسام. -أخرجه أحمد ٢/ ١٣٤ عن يحيى بن أبي بكير به. وقال ابن كثير في التفسير ١/ ١٩٨ بعد أن ساقه بإسناد أحمد: وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكير به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء روى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف ونافع وعبد الله بن كعب بن مالك روى عنه ابنه عبد السّلام وبكر بن مضر وزهير بن محمد وسعيد بن سلمة وعبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب روى له أبو داود وابن ماجة وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا فهو مستور الحال وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر عن النبي ﷺ. وروي له متابع من وجه آخر عن نافع كما قال ابن مردويه حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا هشام حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا سعيد بن سلمة عن موسى بن سرجس عن نافع عن ابن عمر سمع النبي ﷺ يقول فذكره بطوله. قلت: قال شاكر ﵀ في تحقيق مسند أحمد (٩/ ٣١) عن هذه المتابعة إنها ضعيفة فإن عبد الله بن رجاء الغداني ثقة صدوق من شيوخ البخاري لكنه كان كثير الغلط والتصحيف. وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام ضعفه النسائي وقال أبو حاتم سألت ابن معين عنه فلم يعرفه حق معرفته. وموسى بن سرجس لم يعرف حاله. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٦٨،٦/ ٣١٣ و٣١٤ وقال في الموضع الأول-
[ ١ / ١٧٩ ]
أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، ثنا العباس بن محمد الدوري وإبراهيم بن الحارث البغدادي، قالا: ثنا يحيى بن بكير، ثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالوا ربّنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله تعالى للملائكة: هلمّوا ملكين من الملائكة حتّى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف تعملون قالوا ربّنا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثّلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتّى تكلّما بهذه الكلمة في الإشراك، قالا: لا والله لا نشرك بالله أبدا فذهبت عنهم ثمّ رجعت بصبيّ تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتّى تقتلا هذا الصّبيّ، فقالا: لا والله لا نقتله، فذهبت عنهما ثمّ رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتّى تشربا هذا الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصّبيّ، فلمّا أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما ممّا أبيتما عليّ إلاّ وقد فعلتماه حين سكرتما، فخيّرا عند ذلك بين عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدّنيا».
كذا رواه زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع.
ورواه سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير.
١٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أنا محمد بن يونس بن موسى، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح خلا موسى بن جبير وهو ثقة وكذلك قال في الموضع الثاني إلا أنه لم ينسبه فيه للبزار.
(٢) محمد بن يونس بن موسى أبو العباس البصري (ت ٢٨٦)، وموسى بن عقبة هو ابن أبي عياش القرشي أبو محمد المدني (ت ١٤١). تفرد المصنف بإخراجه في الشعب كما في الدر المنثور (١/ ٩٧).
[ ١ / ١٨٠ ]
«أشرفت الملائكة على الدّنيا فرأت بني آدم يعصون، فقالوا يا ربّ، ما أجهل هؤلاء! ما أقلّ معرفة هؤلاء بعظمتك! فقال الله تعالى: لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني، قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال: فاختاروا منكم ملكين، قالوا: فاختاروا هاروت وماروت، ثمّ أهبطا إلى الدنيا، وركّبت فيهما شهوات بني آدم، ومثّلت لهما امرأة فما عصما حتّى واقعا المعصية، فقال الله ﷿ لهما فاختارا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال ما تقول؟ قال: أقول إنّ عذاب الدّنيا ينقطع وإنّ عذاب الآخرة لا ينقطع فاختارا عذاب الدّنيا فهما اللّذان ذكرهما الله ﷿ في كتابه».
﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] الآية.
ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفا عليه وهو أصح فإنّ ابن عمر إنما أخذه عن كعب.
١٦٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف، قال ذكر سفيان عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر عن كعب قال:
«ذكرت الملائكة بني آدم وما يأتون من الذّنوب قال فاختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما إنّي أرسل رسولي إلى النّاس وليس بيني وبينكم رسل، انزلا، فلا تشركا بي شيئا، ولا تسرقا ولا تزنيا».
قال عبد الله: قال كعب: فما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا فيه ما حرم عليهما. وهذا أشبه أن يكون محفوظا.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري به كما في تفسير ابن كثير (١/ ١٩٩) وقال ابن كثير: ورواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عصام عن مؤمل عن سفيان الثوري به. ورواه ابن جرير أيضا حدثني المثنى حدثنا المعلى وهو ابن أسد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار فذكره. فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الاسنادين المتقدمين وسالم أثبت في أبيه من مولاه عمر فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل والله أعلم.
[ ١ / ١٨١ ]
وروي في ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.
ومن قال بالقول الآخر أشبه أن يقول إذا كان التوفيق للطاعة والمعصية من الله ﷿، وجب أن يكون الأفضل من كان توفيقه له وعصمته إياه أكثر، ووجدنا الطاعة التي وجودها بتوفيقه، وعصمته من الملائكة أكثر فوجب أن يكونوا كذلك.
وذكر الحليمي ﵀ توجيه القولين ولم أنقله، واختار تفضيل الملائكة، وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به وبالله التوفيق.
١٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، وعن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال:
«إنما قوله جبريل وميكائيل كقوله عبد الله وعبد الرّحمن».
١٦٦ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مكرم البزار ببغداد، ثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن الأعمش به كما في تفسير ابن كثير (١/ ١٩٠).
(٢) عبد الصمد بن علي بن [محمد بن] مكرم البزار أبو الحسين (خط ١١/ ٤١)، وإسحاق بن محمد الفروي (ت ٢٢٦)، عبد الملك بن قدامة الجمحي (ضعيف) (تقريب). أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٨٧ و٨٨)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة رقم (٢٥٥) كلاهما من طريق إسحاق بن محمد الفروي به. وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه وقال الذهبي منكر غريب وما هو على شرط البخاري، عبد الملك ضعيف تفرد به وقال ابن كثير في التفسير (٨/ ٢٩٧): هذا حديث غريب جدا بل منكر نكارة شديدة وإسحاق الفروي روى عنه البخاري وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني وقال أبو حاتم الرازي: «كان صدوقا إلا أنه ذهب بصره فربما لقن وكتبه صحيحة وقال مرة هو مضطرب وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضا والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه ولا عرّف بحاله ولا تعرض لضعف بعض رجاله؟! غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلا بنحوه ومن طريق آخر عن الحسن البصري مرسلا قريبا منه.
[ ١ / ١٨٢ ]
ثنا إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن عبد الله بن عمر:
«أنّ عمر بن الخطّاب جاء والصّلاة قائمة فذكر قصّة امتناع أبي جحش الليثي عن الصّلاة مع النّبيّ ﷺ وفيها أنّ النبيّ ﷺ قال: اجلس حتّى أحدّثك بغنى الرّبّ ﵎ عن صلاة أبي جحش إنّ لله في سمائه ملائكة خشوعا لا يرفعون رؤوسهم حتّى تقوم السّاعة، فإذا قامت (السّاعة) (^١)، رفعوا رؤوسهم، قالوا ربّنا ما عبدناك حقّ عبادتك، وإنّ لله في السّماء الثّانية ملائكة سجودا، لا يرفعون رؤوسهم حتّى تقوم السّاعة فإذا قامت السّاعة، رفعوا رؤوسهم، ثمّ قالوا ربّنا ما عبدناك حقّ عبادتك».
قال البيهقي رحمه الله تعالى قد أخرجته بطوله في مناقب عمر ﵁.
١٦٧ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، ثنا ابن أبي مريم، ثنا عبد الله بن فرّوخ، أخبرني أسامة بن زيد، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
«إنّ لله ﷿ ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشّجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى».
_________________
(١) في نسخة (القيامة).
[ ١ / ١٨٣ ]
(٤) الرابع من شعب الإيمان
وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا
محمد ﷺ