في قوله ﷿: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ يقول: عطاشا.
والأخبار تدل على أنّ العطاش يعمّ الناس في ذلك اليوم إلاّ أنّ المجرمين لا يسكن عطشهم، ولكنه يزداد حتى يوردوا النار، فيشربون الحميم شرب الهيم نعوذ بالله من عذاب الله، وأمّا المتّقون، ومن شاء الله من المخلّطين المؤمنين فإنهم يسقون من حوض نبينا ﷺ وقد ذكرنا صفة الحوض وصفة مائه في «كتاب البعث والنشور».
٣٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا أبو غسّان، حدثني أبو حازم، ثنا سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ:
«إنّي فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا» وذكر الحديث.
أخرجاه في الصحيح.
قال البيهقي ﵀: ويشبه أن يكون عطش المتقين لكي إذا سقوا من حوض المصطفى ﷺ وجدوا لذّة الماء إذ الرّيّان لا يستلذّ الماء كما يستلّذه العطشان والله أعلم.
فصل
قال البيهقي ﵀:
ذكر الله ﷿ في كتابه ما يكون في الأرض من زلزالها، وتبديلها، وتغيير هيئتها ومدّها، وما يكون في الجبال وتسييرها ونسفها وما يكون في البحار وتفجيرها وتسجيرها، وما يكون في السماء وتشقيقها وطيّها،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ١٤٩ - ١٥٠) ومسلم (٤/ ١٧٩٣) من طريق أبي حازم-به.
[ ١ / ٣٢١ ]
وما يكون في الشمس من تكويرها، وفي القمر من خسفه، وما يكون في النجوم من انكدارها وانتثارها، وما يكون من شغل الوالدة عن ولدها ووضع الحوامل ما في بطونها.
واختلف أهل العلم في وقت هذا الكوائن فذهب بعض أهل التفسير إلى أنّ ذلك يكون بعد النفخة الأولى وقبل الثانية، وروي ذلك الحديث الذي ذكرناه بإسناده عن محمد بن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الصّور.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أنّ ذلك إنّما يكون بعد النفخة الثانية، وخروج الناس من قبورهم، ووقوفهم يوم القيامة قبلها ينظرون ليكون ذلك رعب لعرضهم وأشدّ لحالهم، وعلى هذا يدلّ سياق أكثر الآيات التي وردت في هذه الكوائن، وكذلك روي عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرنا إسناده في صفة القيامة، وقد ذكرنا أحد الحديثين في كتاب «البعث والنشور» آخره. وعلى مثل ذلك يدلّ أكثر الأحاديث فمنها حديث أبي سعيد الخدري وغيره في بعث النار.
٣٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، وأبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني بالكوفة، قالا: ثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، أنبا وكيع-ح.
وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ يقول ﵎ يوم القيامة:
«قم يا آدم ابعث بعث النّار، فيقول لبّيك وسعديك والخير في يديك.
وما بعث النّار؟ قال: فيقول: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. قال فحينئذ يشيب المولود وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب شديد».
فيقولون وأيّنا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله ﷺ «تسعمائة وتسع وتسعون
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع-به. وأخرجه البخاري (٨/ ١٣٧) ومسلم (١/ ٢٠١) من طريق جرير عن الأعمش-به.
[ ١ / ٣٢٢ ]
من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد» فقال الناس: الله أكبر. فقال النبي ﷺ «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة؛ والله إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله أنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبّر الناس فقال رسول الله ﷺ:
«ما أنتم يومئذ في الناس إلاّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض».
رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع.
قال البيهقي ﵀: وأخرجاه من حديث جرير عن الأعمش وفي حديثه «أبشروا فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل».
وروينا في حديث عمران بن حصين وأنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قرأ قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:
١،٢]. إلى آخر الآيتين.
ثم قالا: معنى ما رواه أبو سعيد غير أنّ في حديثهما قال:
«اعملوا وأبشروا والّذي نفس محمد بيده إنّ معكم لخليقتين ما كانتا مع أحد قط إلاّ كثّرتاه مع من هلك من بني آدم وبني إبليس». وقالوا: ومن هما قال: «يأجوج ومأجوج».
وروينا عن عائشة أنّها قالت يا رسول الله ﷺ أرأيت قول الله ﷿:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
أين الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط».
وفي حديث ثوبان عن النبي ﷺ زيادة قال: «هم في الظلمة دون الجسر والجسر هو الصراط» وأمّا قوله:
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٤].
فمعناه قد ألقت ما فيها.
وقوله تعالى:
[ ١ / ٣٢٣ ]
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ [الزلزلة:١،٢].
معناه وقد أخرجت الأرض أثقالها وسياق الآية تدل (خطأ) على ذلك وقوله:
﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة:١٣].
فمعناه النفخة الآخرة والله أعلم.
فصل