قال الحليمي ﵀: محبّة الله اسم لمعان كثيرة.
أحدها: الاعتقاد أنّه، عزّ اسمه، محمود من كلّ وجه، لا شيء من صفاته إلاّ وهو مدحه له.
الثاني: الاعتقاد أنّه محسن إلى عباده، منعم متفضّل عليهم.
والثالث: اعتقاد أنّ الإحسان الواقع منه أكبر وأجلّ من أن يقضي قول العبد وعمله وإن حسنا وكثرا شكره.
والرابع: أن لا يستقلّ العبد قضاياه، ويستكثر تكاليفه.
والخامس: أن يكون في عامة الأوقاف مشفقا وجلا من إعراضه عنه،
[ ١ / ٣٦٥ ]
وسلبه معرفته الّتي أكرمه بها وتوحيده الذي حلاّه وزيّنه به.
والسادس: أن تكون آماله منعقدة به لا يرى في حال من الأحوال أنّه غني عنه.
السابع: أن يحمله تمكّن هذه المعاني في قلبه على أن يديم ذكره بأحسن ما يقدر عليه.
والثامن: أن يحرص على اداء فرائضه والتقرّب إليه من نوافل الخير مما يطيقه.
والتاسع: أن يسمع من غيره ثناء عليه، وعرف منه تقرّبا إليه وجهادا في سبيله سرّا أو إعلانا مالاه ووالاه.
والعاشر: أنه إن سمع من أحد ذكرا له أعانه بما يخل عنه أو عرف منه غيّا عن سبيله سرّا أو علانية باينه، وناواه.
فإذا استجمعت هذه المعاني في قلب أحد فاستجماعها هو المشار إليه باسم محبة الله تعالى جده، وهي وإن لم تذكر مجتمعة في موضع فقد جاءت متفرّقة عن النبي ﷺ فمن دونه، فمن ذلك يعني ما:
٤٠٨ - أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين الأبهري الصوفي بهمدان، ثنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن الحسن بن شاذان الصوفي ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا يحيى بن معين، ثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي يعني ابن عبد الله بن عباس وعن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:
«أحبّوا الله لما يغذوكم به من النّعمة وأحبّوني لحب الله وأحبّوا أهل بيتي لحبّي».
قال الحليمي ﵀: وهذا يحتمل أن يكون عامة لأنعمه كلها، وأن
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) والحاكم (٣/ ١٥٠) والطبراني (١٠/ ٣٤٢) من طريق يحيى بن معين-به. وقال الترمذي حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يكون اسم الغذاء في الطعام والشارب حقيقة، ولما عداهما من التوفيق والهداية ونصب أعلام هذه المعرفة وخلوّ الحواس والعقل مجازا، أو يكون جميع ذلك بالاسم مرادا فقد جاء عنه ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه فقد وجد حلاوة الإيمان» وفي بعض الروايات «طعم الإيمان».
وإنما يكون الطعم للأغذية وما يجري مجراها فإذا جاز وصف الإيمان بالطعم جازت تسميته غذاء. فيدخل الإيمان في جميع نعم الله ﷿ في هذا الحديث. والله أعلم.
٤٠٩ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفّار ثنا عبيد بن شريك، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن ابن عجلان، عن واقد بن سلامة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنّه قال:
«ألا أخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشّهداء بمنازلهم من الله ﷿ على منابر من نّور يكونون عليها» قالوا من هم؟ قال: «الّذين يحبّبون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده، وهم يمشون على الأرض نصحاء» قال قلنا: يحبّبون الله إلى عباد الله فكيف يحبّبون عباد الله إلى الله؟ قال: «يأمرونهم بحبّ الله وينهونهم» يعني عما كره الله «فإذا أطاعوهم أحبّهم الله».
قال البيهقي ﵀: وجاء عنه ﷺ قال: علامة حبّ الله حبّ ذكر الله علامة بغض الله بغض ذكره» وهذا إنما بلغنا بإسناد فيه ضعف.
٤١٠ - أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا أبو بكر عمر بن جعفر المعلى النرسي، ثنا المعلي بن مهدي، ثنا يوسف بن ميمون، عن أنس بن مالك قال: سمعت النبي ﷺ يقول:
«علامة حبّ الله حبّ ذكر الله وعلامة بغض الله بغض ذكر الله».
قال البيهقي ﵀: وروي عن وجه آخر عن زياد بن ميمون وزياد منكر الحديث.
_________________
(١) أخرجه أبو سعيد النقاش في معجمه وابن النجار والمصنف عن أنس (كنز العمال ٥٥٦٥).
(٢) أخرجه المصنف فقط كما في الكنز (١٧٧٦).
[ ١ / ٣٦٧ ]
وروي من وجه آخر ضعيف عن أنس بن مالك-والله أعلم-وروينا بمثلها عن السلف والصالحين.
٤١١ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد الله بن عثمان، أنا عبد الله بن المبارك، أنا أبو بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال:
«حبّك الشيء يعمي ويصمّ».
قال البيهقي ﵀: وقد روي هذا موقوفا.
٤١٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، ثنا الحسن بن مكرم، ثنا يزيد بن هارون، أنا حريز بن عثمان، عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه قال:
«حبّك الشيء يعمي ويصمّ».
قال البيهقي ﵀: وكذلك رواه سعيد بن أبي أيوب عن حميد بن مسلم الدمشقي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه موقوفا وهو في تاريخ البخاري.
قال الحليمي ﵀: فقد يفهم من هذا أنّ من أحبّ الله تعالى لم يعدّ المصائب التي يقضيها عليه إساءة منه إليه، ولم يستثقل وظائف عبادته، وتكاليفه المكتوبة عليه كما أنّ من أحبّ أحدا من جنسه لم يكد يبصر منه إلاّ ما يستحسنه، ويزيده إعجابا به ولا يصدّق من خبر المخبرين عنه إلاّ ما يتّخذه سببا للولوع به والغلوّ في محبّته.
٤١٣ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن الحسين، قال حدثني هشام بن عبيد الله، حدثني ابن لهيعة، ثنا عبد الحميد بن عبد الله بن إبراهيم القرشي، عن أبيه، قال لمّا نزل بالعباس بن عبد المطلب الموت قال لابنه: يا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥١٣٠) وأحمد (٥/ ١٩٤،٦/ ٤٥٠) من طريق أبي بكر بن أبي مريم-به.
[ ١ / ٣٦٨ ]
عبد الله إنّي موصيك بحب الله ﷿ وحبّ طاعته وخوف الله وخوف معصيته، فإنّك إذا كنت كذلك لم تكره الموت متى أتاك، وأني استوصيك الله يا بنيّ ثم استقبل القبلة فقال لا إله إلا الله ثم شخص بصره فمات.
٤١٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الخضر بن أبان، ثنا سيار، ثنا جعفر، ثنا مالك بن دينار قال بلغنا أنّ داود نبي الله ﷺ كان يقول في دعائه:
«الّلهمّ اجعل حبّك أحبّ إليّ من سمعي وبصري ومن الماء البارد».
٤١٥ - وبإسناده قال: سمعت مالكا قال أوحى الله ﷿ إلى بني إسرائيل إني لا أقبل قولكم ولكن أقبل همكم وهواكم. من كان هّمه وهواه في محبتي كان صمته عندي تقديسا وتسبيحا ووقارا.
٤١٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني الحسن بن رشيق إجازة، حدثنا علي بن يعقوب بن سويد الوراق ثنا محمد بن إبراهيم البغدادي، ثنا محمد بن سعيد الخوارزمي، قال: سمعت ذا النون المصري وسئل عن المحبة قال: أن تحبّ ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير لله وترفض كلّ ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومة لائم، مع العطف للمؤمنين الغلظة على الكافرين واتّباع سنّة رسول الله ﷺ في الدين.
٤١٧ - حدثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد ﵀، ثنا علي بن الحسن الفقيه، ثنا أبي قال: سمعت المعروف بعميّ البسطامي يقول سمعت أبي يقول سئل أبو يزيد عن علامة من يحب الله وعلامة من يحبّه الله قال: من يحب الله فهو مشغول بعبادته ساجدا وراكعا، فإن عجز عن ذلك استروح إلى ذكر اللسان والثناء، وإن عجز استروح إلى ذكر القلب والتفكير فأما من يحبّه الله أعطاه سخاوة كسخاوة البحر وشفقة كشفقة الشمس وتواضعا كتواضع الأرض.
٤١٨ - أخبرنا سعيد بن محمد الشعيبي قال: سمعت علي بن الحسن بن المثنى الصوفي يقول سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ
[ ١ / ٣٦٩ ]
الرازي يقول: المحبّة لا تصحّ إلاّ من جهة المحبوب وليس من أحبّه كمن يحبّه.
٤١٩ - حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، ثنا أبو الفضل العباس بن حمزة، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال:
علامة حبّ الله حبّ طاعة الله،-وقيل حبّ ذكر الله-فإذا أحبّ الله العبد أحبّه، ولا يستطيع العبد أن يحبّ الله حتى يكون الابتداء من الله بالحبّ له، وذلك حين عرف منه الاجتهاد في مرضاته.
٤٢٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول سمعت إبراهيم بن علي المريدي يقول: من المحال أن تعرفه ثم لا تحبّه، ومن المحال أن تحبّه ثم لا تذكره، ومن المحال أن تذكره ثم لا يوجدك طعم ذكره، ومن المحال أن يوجدك طعم ذكره ثم لا يشغلك به عّما سواه.
٤٢١ - أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن بن الحسن الحداد يقول سمعت الحسن بن محمد بن إسحاق يقول سمعت سعيد بن عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: من علامة الحبّ ترك كلّ ما شغله عن الله حتى يكون الشغل كلّه بالله ﷿ وحده.
٤٢٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني حدثني أحمد بن علي البرذعي قال: سمعت طاهر بن إسماعيل الرازي قال:
سمعت يحيى بن معاذ يقول: حقيقة المحبّة ألا ترى شيئا سوى محبوبك ولا ترى سواه لك ناصرا ولا معينا ولا تستغني بغيره عنه.
٤٢٣ - أخبرنا أبو سعيد الماليني قال: سمعت أبا القاسم عمر بن أحمد بن محمد البغدادي بشيراز يقول سمعت أبا الحسن علي بن محمد الواعظ يقول سمعت أبا سعيد الخزار يقول ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
هل جزاء من انقطع عن نفسه إلاّ التعلق بربه؟ وهل جزاء من انقطع عن أنس المخلوقين إلا الانس بربّ العالمين؟ وهل جزاء من صبر علينا إلاّ الوصول إلينا ومن وصل إلينا هل يجمل به أن يختار علينا؟ وهل جزاء التعب في الدنيا
[ ١ / ٣٧٠ ]
والنصب فيها إلاّ الرّاحة في الآخرة؟ وهل جزاء من صبر على البلوى إلاّ التقرب إلى المولى؟ وهل جزاء من سلّم قلبه إلينا أن نجعل توليته إلى غيرنا؟ وهل جزاء من بعد عن الخلق إلاّ التقرب إلى الحق.
٤٢٤ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سئل ذو النون المصري ﵀ عن معنى قوله ﷿:
﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
قال: معناها هل جزاء من أحسنت إليه إلاّ أن أحفظ إحساني عليه فيكون إحسانا إلى إحسان.
٤٢٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا علي بن محمد الحبيبي بمرو، أخبرني محمد بن عبد الله الجوهري، ثنا الفيض بن إسحاق، أخبرني عبد الله بن أبي عيسى، قال: كان رجل من أهل البصرة يقال له ضيغم تعبّد قائما حتى أقعد، ثم تعبد قاعدا حتى استلقى، ثم تعبّد وهو مستلقي حتى أفحم، فلما أجهد قال: اجلسوني فرفع بصره إلى السماء فقال: سبحانك عجبا للخليقة كيف أنست بأحد سواك.
٤٢٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا أبو عثمان الحنّاط، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا جذيمة وهب بن أبي حافظ الليثي قال: قال راهب من الرهبان: إذا استقرت المحبّة في القلب ذهل عن الأهل والولد.
قال وحدثنا أحمد قال: سمعت راهبا في دير خلد يقول للحسن بن شوذب: لا يكون المحبّ لله ﷿ محبا حتى يحبّه بكل الكل فصاح الحسن بن شوذب.
قال وحدثنا أحمد قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: حبّ الله يلهمك العمل له بلا دليل يلجئك إليه.
٤٢٧ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا أبو عمرو بن السماك، ثنا جعفر بن محمد الرازي أبو يحيى، ثنا محمد بن عبد العزيز بن غزوان
[ ١ / ٣٧١ ]
المروزي، ابن أبي رزمة، ثنا إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الكوفي عن حبيب بن أبي العالية، عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن:٦٠] قال: «ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلاّ الجنة».
قال البيهقي ﵀: تفرد به إبراهيم بن محمد الكوفي هذا وهو منكر، والله أعلم.
٤٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، ثنا الفضل بن عبد الله اليشكري، قال: سمعت الفيض ابن إسحاق، يقول قال: الفضيل بن عياض قال: حكيم من الحكماء: إنّي لأستحي من ربّي أن أعبده رجاء للجنة فقط فأكون مثل أجير السوء إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل، ولكن حبّه يستخرج مني ما لا يستخرجه غيره.
٤٢٩ - حدثنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، ثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، ثنا أبو عمرو الدقيقي، ثنا محمد بن أحمد بن المهدي يقول سمعت علي بن الموفّق ما لا أحصيه يقول: الّلهم إن كنت تعلم إني أعبدك خوفا من نارك فعذّبني بها، وإن كنت تعلم أنّي أعبدك حبّا منّي لجنّتك وشوقا إليها فاحرمنيها، وإن كنت تعلم إني إنما أعبدك حبّا منّي وشوقا إلى وجهك الكريم فأبحنيه مرّة واصنع ما شئت.
٤٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله القرشي بالساوة، ثنا أبو العباس بن مسروق الزاهد، حدثني محمد بن معاذ، حدثني حكيم بن جعفر، قال: قال ضيغم الحلاب: إنّ حبّه شغل قلوب مريديه عن التلذّذ بمحب غيره فليس لهم في الدنيا مع حبّه لذّة، ولا يأملون في الآخر من كرامته الثواب أكثر عندهم من النظر إلى وجهه الكريم.
٤٣١ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، قال: سمعت أبا عمرو محمد بن محمد النجاد الزاهد يقول سمعت عبد الرحمن بن عبد ربّه
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٣) عن وهب بن منبه.
[ ١ / ٣٧٢ ]
يقول (قال) ذو النون: من قتلته عبادته فديته جنّته، ومن قتله حبّه فديته النظر إليه.
٤٣٢ - سمعت عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد يقول سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله الصوفي بمكة يقول ثنا محمد بن أحمد الوراق، حدثني عبد الله بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: كم بين من يريد الوليمة للوليمة وبين من يريد حضور الوليمة ليلتقي الحبيب في الوليمة!
٤٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن أحمد بن النضر الأزدي، حدثني عبد الصمد الصائغ مردويه قال:
دخل سفيان الثوري على رابعة العدوية فقالت له: يا سفيان ما تعدون السخاء فيكم؟ قال: أمّا عند أبناء الدنيا فالذي يجود بماله وأما عند أبناء الآخرة فهو الذي يجود بنفسه. فقالت: يا سفيان أخطأت فيها. فقال سفيان: فما السخاء عندك- رحمك الله؟ -قالت: أن تعبدوه حبّا له لا لطلب جزاء ولا مكافاة ثم أنشأت تقول:
لولاك ما طابت الجنان ولا نعيم لجنة الخلد قوم أرادوك للجنان وقلبي سواك لم يرد
٤٣٤ - أخبرنا أبو علي الروذباري أنا أبو زكريا عبد الله بن أحمد البلاذري الحافظ، ثنا محمد بن عبد الله العمري، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنا إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، وكان من العبّاد قال: لقيني بهلول المجنون فقال لي:
أسألك؟ قال قلت: سل. قال أي شيء السخاء؟ قلت البذل والعطاء. قال: هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الآخرة؟ قلت: المسارعة إلى طاعة السيد. قال فتريد منه الجزاء؟ قلت: نعم بالواحدة عشرة. قال: هذا في الدّين قبيح ولكن المسارعة لطاعة سيّدي أن لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئا بشيء.
٤٣٥ - أخبرنا أبو سعيد الماليني، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن قال: سمعت جامع بن أحمد الخزاف قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول:
العارفون رجلان رجل مسرور بأنه عبده، ورجل مسرور بأنّه عرفه فالأول يفرح بالله من نفسه لنفسه والآخر يفرح بالله من الله لله وقال: هذا سرور الخبر فكيف سرور النظر.
[ ١ / ٣٧٣ ]
٤٣٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت علي بن محمد بن جهضم بمكة يقول سمعت علي بن محمد بن حاتم يقول سمعت الجنيد يقول:
بت ليلة عند سري فلما كان بعض الليل قال: لي يا جنيد أنت نائم؟ قلت: لا، قال: الساعة أوقفني الحقّ بين يديه وقال: يا سريّ أتدري لم خلقت الخلق؟ قلت: لا، قال: خلقت الخلق فادّعوا كلّهم محبتي فيّ، وأدعوا محبّتي فخلقت الدنيا، فاشتغلوا بها من عشرة آلاف تسعة آلاف، وبقي ألف فخلقت الجنّة فاشتغل تسعمائة بالجنّة وبقيت مائة، فسلّطت عليهم شيئا من البلاء، فاشتغلوا عنّي بالبلاء من المائة تسعون، وبقيت عشرة فقلت لهم: ما أنتم؟ لا الدنيا أردتم ولا في الجنة رغبتم، ولا من البلاء هربتم؟ قالوا: وإنّك لتعلم ما نريد. فقال:
إنّي أنزل بكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال الرواسي فتثبتون لذلك؟ فقالوا ألست أنت الفاعل بنا؟ قد رضينا. قلت: وأنتم عبيدي حقا.
٤٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق.
قال: سمعت أبا عثمان قال سمعت ذا النون يقول: ثلاثة من أعلام المحبّة:
الرضا في المكروه، وحسن الظن به في المجهود، والتحسين لاختياره في المحذور وثلاثة من أعلام المعرفة: الإقبال الى الله، والإنقطاع إلى الله، والافتخار بالله ﷿. وثلاثة من أعلام الإلحاظ بالله: الهرب من كلّ شيء إليه وسؤال كلّ شيء منه والدلالة في كلّ وقت عليه.
٤٣٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي. قال: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت فارس يقول: ذا النون يقول: نّ لله عبادا لهم همم مكتوبة من لباب المعرفة قد سقوا بكأس المحبّة شربة فهاموا على وجوههم إقبالا على ربهم فسلكوا الطريق المستقيم وسارعوا إلى رضوان الله.
٤٣٩ - أخبرنا أبو سعد الشعيبي، قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن بن المثنّى الصوفي يقول سمعت أبا علي الحسن بن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ الرازي وقد سئل أيّ مجلس أشهى وألذّ؟ قال: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، تشمّ من رائحة المعرفة، وتسقى من كأس المحبة.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٤١) من طريق سعيد بن عثمان أبو عثمان-به.
[ ١ / ٣٧٤ ]
سبحان الله ما ألذه من مجلس! وأعذبه من شراب! قيل: فأي الطعام أشهى؟ قال لقمة من ذكر الله في فم الصبر بتوحيد الله رفعها من مائدة الرضا عن الله ﷿ عند النظر لكرامة الله. قيل: فما عيد المؤمن؟ قال السرور بالإيمان والنزهة بالقرآن قال الله ﷿:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
٤٤٠ - أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت علي بن بندار يقول سمعت علي بن عبد الحميد يقول سمعت سري السقطي يقول: السرور بالله هو السرور والسرور بغيره هو الغرور.
٤٤١ - أخبرنا أبو علي الروزباري أنا أبو زكريا البلاذري، ثنا محمد بن عبد الله المعمري، ثنا إبراهيم الجنيد، حدثني محمد بن الحسين، حدثني أوس الأعور قال: رأيت ريحانة المجنونة ليلة تدعو وتقول في دعائها أعوذ بك من بدن لا ينصب بين يديك، وعميت عينان لا تبكيان شوقا إليك، وجفّت كفان لا يبتهلان بالتضرع إليك ثم أنشأت تقول:
يا حبيب القلوب أنت حبيبي لم تزل أنت منيتي وسروري
٤٤٢ - أخبرنا محمد بن الحسين، قال سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول كنت في الطواف فرأيت ولهان المجنون، وهو يقول: حبّك قتلني، وشوقك أتلفني، والاتّصال بك أسقمني، فبعدت قلوب تحبّ غيرك، وثكلت خواطر أنست بسواك.
٤٤٣ - أخبرنا أبو سعد الشعيبي، أنا أبو علي الحسين بن محمد الزبيري يقول سمعت أبا محمد الحسن بن محمد بن نصر الرازي ببلخ يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون المصري يقول: الأنس بالله نور ساطع والأنس بالناس غم واقع.
٤٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا سعيد العلاف، يقول سمعت عبد الله بن القاسم الواعظ يقول سمعت أبا دجانة يقول سمعت ذا
[ ١ / ٣٧٥ ]
النون بن إبراهيم يقول: الأنس مع الله نور ساطع والأنس مع الناس سمّ قاطع.
٤٤٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال:
سمعت أبا عثمان الحنّاط يقول سمعت ذو النون يقول: ثلاثة من أعلام الأنس بالله: استلذاذ الخلوة، والاستيحاش من الصحبة، واستحلاء الوحدة. وثلاثة من علامات الوصول: الأنس به في جميع الأحوال والسكون إليه في جميع الأعمال، وحبّ الموت لغلبة الشوق في جميع الأشغال، قال: وثلاثة من أعلام الشوق: حبّ الموت مع الراحة، وبغض الحياة مع الدعة، ودوام الحزن مع الكفاية.
٤٤٦ - أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو زكريا عبد الله بن أحمد بن البلاذري الحافظ، ثنا محمد بن عبد الله المعمري، ثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثني محمد بن الحسين، عن بكار بن خالد، عن أبيه، عن صالح المري قال: رأيت ريحانة المجنونة وقد كتبت من وراء جيبها:
أنت أنسي ومنيتي وسروري قد أبى القلب أن يحبّ سواكا
يا عزيزي ومنيتي واشتياقي طال شوقي متى يكون لقاكا
ليس سؤلي من الجنان نعيم غير أنّي أريدها لأراكا
وإذا على صدرها مكتوب:
حسب المحبّ من الحبيب بعلمه أنّ المحبّ ببابه مطروح
والقلب فيه وإن تنفس في الدّجى بسهام لوعات الهوى مجروح
٤٤٧ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول سمعت أبا جعفر الحدّاد يقول سمعت علي بن سهل يقول: الأنس بالله أن تستوحش من الخلق إلاّ من أهل ولاية الله فإنّ الأنس بأهل ولاية الله هو الأنس بالله.
٤٤٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عبد الله الرازي يقول كتبت هذا من كتاب أبي عثمان وذكر أنه من كلام شاه: علامة الأنس الاستيحاش من الغافلين، والسكون إلى الوحدة، ومرافقة الأحبة.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٤١ - ٣٤٢) من طريق سعيد بن عثمان-به.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال وسمعت عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عثمان يقول: إذا صحّ للإنسان مكان السرور بالله يتولّد له من ذلك مقام الأنس به فإذا صحّ أنسه به استوحش من (كل) شيء سواه.
٤٤٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الحنّاط قال: سمعت السريّ يقول سمعت فضيلا يقول عن ابنة له توجّعت كفّها فعادها فقال لها: يا بنيّة كيف كفّك هذه؟ فقالت له: يا أبت إن الله قد بسط لي ثوابها ما لا أؤدي شكره عليها أبدا فتعجّبت من حسن يقينها. قال:
الفضيل فأنا عندها قاعد إذ أتاني ابن لي له ثلاث سنين فقبّلته وضممته إلى صدري، فقالت لي: يا أبت سألتك بالله أتّحبه؟ فقلت: إي والله يا بنيّة أني لأحبّه. فقالت لي: سوأة لك من الله يا أبت إنّي ظننت أنك لا تحبّ مع الله غير الله. فقلت لها: أي بنيّة أو لا تحبون الأولاد؟ فقالت: المحبّة للخالق والرحمة للأولاد. قال: فلطم الفضيل رأس نفسه وقال: يا ربّ هذه ابنتي هجنتني في حبّها وحب أخيها وعزتك لا أحببت معك أحدا حتى ألقاك.
٤٥٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا عبد الله بن أحمد الشيباني، قال: سمعت زنجويه بن الحسن، ثنا علي بن الحسن، ثنا إبراهيم بن الأشعث، يقول سمعت الفضيل يقول: طوبي لمن استوحش من الناس، وأنس بربّه وبكى على خطيئته.
٤٥١ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا سلم بن عبد الله أبو محمد الخراساني، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
كفى بالله محبّا، وبالقرآن مونسا، وبالموت واعظا، وكفى بخشية الله علما، والاغترار بالله جهلا.
٤٥٢ - سمعت أبا محمد عبد الله بن يوسف يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن فراس يقول سمعت إبراهيم بن أحمد الخواص، يقول: لا تطمع في لين القلب مع فضول الكلام، ولا تطمع في حبّ الله مع حبّ المال والشرف، ولا تطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٨) من طريق إسحاق عن الفضيل.
[ ١ / ٣٧٧ ]
٤٥٣ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو عمرو بن السماك، ثنا محمد بن علي بن بحر، ثنا محمد بن إبراهيم البرجلاني عن أبيه يقول سمعت بشرا يقول كان إبراهيم بن أدهم يؤدب نفسه حتى يكون ترك الطيبات ألذّ عنده من أكلها.
وقال بشر: أوحى الله ﷿ إلى داود يا داود خلقت الشهوات واللذّات لضعفة عبادي فأمّا الأبطال فمالهم وللشهوات واللذات؟ يا داود فلا تعقلنّ قلبك منها بشيء فأدنى ما أعاقبك به أن أنسخ حلاوة حبّي من قلبك.
٤٥٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الحناط، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أخي يقول: تعبّد رجل من بني إسرائيل في غيضة في جزيرة في البحر أربعمائة سنة فطال شعره، حتى كان إذا مرّ في الغيضة تعلّق بأغصانها بعض شعره فبينا هو ذات يوم يدور إذ مرّ بشجرة فيها وكر طير فنقل موضع مصلاه إلى قريب منها، قال: فنودي أنست بغيري؟ وعزتي لأحطّنّك مما كنت فيه درجتين.
٤٥٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سئل الشبلي ما علامة المعرفة؟ قال: نسيان كلّ شيء سوى معروفة، فقال: ما علامة صحة المحبّة؟ فقال: العمى عن كل شيء سوى محبوبه. قال: وسمعت الشبلي يقول في قوله:
﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧].
فقال: وما كنّا عن من قرب منّا غافلين ولا عن من أقبل علينا شاغلين.
٤٥٦ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الطبري يقول: سمعت علي بن سهل بن الأزهر يقول: الغافلون يعيشون في حلم الله، والذاكرون يعيشون في رحمة الله، والعارفون يعيشون في لطف الله، والصادقون يعيشون في قرب الله، والمحبّون يعيشون في الأنس بالله والشوق إليه.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٩) من طريق أحمد بن أبي الحواري عن أخيه محمد.
[ ١ / ٣٧٨ ]
٤٥٧ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت علي بن قتادة يقول سمعت علي بن عبد الرحمن يقول: وقد سئل عن الفرق بين الحب والعشق فقال: الحبّ لذّة تعمي عن رؤية غير المحبوب فإذا تناهي سمّي عشقا وهو قول النبي ﷺ «حبّك الشيء يعمي ويصمّ».
٤٥٨ - وأخبرنا أبو عبد الرحمن قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون يقول: الشوق أعلى الدرجات، وأعلى المقامات، إذا بلغها العبد استبطأ الموت شوقا إلى ربّه، وحبّا للقائه والنظر إليه.
٤٥٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: كتبت من كتاب أبي عثمان وذكر أنّه من كلام شاه قال: مقام المحبّين شوقهم إلى محبوبهم وطلبهم رضاه حرصهم على خدمته.
وبهذا الإسناد عن شاه قال: المشتاقون على عشر مقامات تعلّق القلب به، وطيران الصدر إليه، والحركة عند ذكره، والأنس بالوحدة، والهرب من الألفة، والتدبّر لمعاني كلام الرحمن، والبكاء على النفس في الخلوة، والاستغاثة به، والتعرض لمناجاته، وأظنّه قال: والاشتياق للقائه.
وقال أبو عثمان: الشوق هو المحبّة؛ من أحبّ الله اشتاق إلى لقائه.
وقال أبو عثمان في قوله تعالى:
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥].
قال: هذه تعزية للمشتاقين معناه: إنّي أعلم أنّ اشتياقكم إليّ غالب، وإنّي قد أجلت للقائكم أجلا وعن قريب يكون وصالكم إلى من تشتاقون إليه.
وقال أبو عثمان: بقدر ما يصل إلى قلب العبد من السرور بالله يشتاق إليه، وعلى قدر شوقه يخاف من بعده وطرده.
٤٦٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت علي بن بندار يقول سمعت: محفوظا يقول: سمعت أبا حفص يقول: صدق حبّ الله أن تخاف سرّه فيك في غيب الأزل على ما جبلك وفطرك وفي أيّ ديوان كتب اسمك.
[ ١ / ٣٧٩ ]
٤٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر بن أبي دارم يقول: حدثني الفضل بن جعفر، ثنا عبد الله بن مسلم قال: قال مالك بن دينار:
خرجت يوما إلى المقابر فإذ شابّان جالسان يكتبان شيئا، فقلت لهما: يرحمكم الله! من أنتما؟ فقالا: ملكان نكتب المحبّين لله ﷿. فقلت لهما: سألتكما بالله أنا ممّن كتتما؟ فقالا: لا، فسقط مالك مغشيا عليه، ثم أفاق فقال:
نشدتكما بالله لما كتبتماني في أسفل سطر: مالك بن دينار طفيليّ يحبّ المحبّين لله. فلما كان الليل أتيت في منامي فقيل قد كتبت منهم. المرء مع من أحبّ.
٤٦٢ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، حدثني أنس بن مالك أنّ رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ:
«ما أعددت لها؟» فقال الأعرابي: ما أعددت لها من كثير أحمد عليه نفسي إلاّ إنّي أحبّ الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ: «فإنّك مع من أحببت».
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع وعبد بن حميد عن عبد الرزاق.
٤٦٣ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا علي الجوزجاني يقول: ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف والرجاء والمحبة، فزيادة الخوف من كثرة الذنوب لرؤية الوعيد، وزيادة الرجاء من اكتساب الخير لرؤية الوعيد، وزيادة المحبة من كثرة الذكر لرؤية المنّة، فالخائف لا يستريح من الهرب، والراجي لا يستريح من الطلب، والمحبّ لا يستريح من ذكر المحبوب فالخوف نار منور، والرجاء نور منوّر، والمحبة نور الأنوار.
٤٦٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا علي بن حمدان، ثنا عباد بن عباس الرازي، ثنا محمد بن جعفر الأشناني، قال: سمعت يحيى بن معاذ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٢) عن محمد بن رافع-وعبد بن حميد عن عبد الرزاق-به.
[ ١ / ٣٨٠ ]
يقول: وأنا أواكله على المائدة-: إن فطنك ببّره، فرّغك لذكره، وإنّ فرّغك لذكره منّ عليك بحبّه، وإنّ منّ عليك بحبّه ناجاك بقربه.
٤٦٥ - وفيما قرأت على أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال أبو الحسين الوراق: المحبة شعبة من الإيمان بالله وهو أصل لجميع مراتب الأولياء والأصفياء.
وقال: تتشعّب شعب المحبة من دوام ذكر إحسان الله فمن ذكره على الدوام إحسان الله إليه تنسّم ريح المحبة عن قربه.
٤٦٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن العطاء يقول في معنى الحديث الذي روى: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها» فقال: كيف لا تحبّ وأجدك وما انفككت من تواتر نعمته قطّ، ولا تنفكّ أبدا ولكن ضعف اليقين أو كدورة المعرفة ونقص الإيمان حجبك عن محبّته والميل إليه.
٤٦٧ - قال: وسمعت أبا الحسين يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت أبا سعيد الخزاز يقول في معنى الحديث فقال: واعجبا ممن لم ير محسنا غير الله فكيف لا يميل بكليته إليه.
٤٦٨ - أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الشعيبي قال: سمعت أبا القاسم عبد الله بن الحسين الصوفي، يقول سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن أحمد الصوفي يقول: سئل أبو الحسين بن مالك الصوفي وأنا أسمع ما علامة المحبّة قال: ترك ما تحبّ لمن تحبّ.
٤٦٩ - سمعت أبا عبد الرحمن يقول سمعت أبا علي محمد بن إبراهيم البزاز يقول سمعت أبا عمرو الزجاجي يقول: سألت الجنيد عن المحبّة، قال:
تريد الإشارة؟ قلت: لا، قال: تريد الدعوى؟ قلت: لا، قال: فأيش تريد؟ قلت: عين المحبّة، قال: أن تحبّ ما يحبّ الله في عباده وتكره ما يكره الله في عباده.
٤٧٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا جعفر بن محمد بن نصير، قال:
[ ١ / ٣٨١ ]
سمعت الجنيد يقول: قال بعض شيوخنا: لا تكون لله عبدا حقّا وأنت لما يكره مسترقا.
٤٧١ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، ثنا عبد الصمد بن عبد الله، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت بشر بن السري يقول: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك.
٤٧٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري قال:
قلت لأبي سليمان الداراني بما نال أهل المحبّة المحبّة من الله ﷿؟ قال:
بالعفاف وأخذ الكفاف.
٤٧٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو جعفر، ثنا عباس، ثنا أحمد قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول: سأل رجل فضيل بن عياض متى يبلغ رجل غاية محبّة الله؟ قال: إذا كان عطاؤه إياك ومنعه سواء.
٤٧٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عبد الله بن محمد الرازي قال: كتبت من كتاب أبي عثمان وذكر أنّه من كلام شاه: علامة المحبّة ثلاث: الرضا عنه في المكروه، وحسن الظنّ به في المجهود، والتحسين لاختياره في المحذور.
٤٧٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن زكريا، ثنا محمد بن علي قال: سمعت مضاء أبا سعيد يقول: قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أنّ شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلاّ الرضا ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا وهو رأس المحبّة.
٤٧٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا محمد الأزهري، ثنا الغلابي، ثنا
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٧) من طريق أحمد بن أبي الحواري-به.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١١٣) من طريق أحمد بن أبي الحواري-به. وفي الإكمال (٧/ ٣٧٢): النباجي هو: أبو عبد الله سعيد بن بريد أحد الزهاد يحكي عنه أحمد بن أبي الحواري الدمشقي حكايات.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٣٥) من طريق محمد بن فهد المديني قال: كان عتبة يصلي-
[ ١ / ٣٨٢ ]
شعيب بن واقد قال: حدثني رجل من القراء قال: رأيت عتبة الغلام ذات ليلة فما زال ليلته تلك حتى أصبح يقول: إن تعذّبني فإنّي لك محبّ، وإن ترحمني فأنا لك.
٤٧٧ - وفيما قرأت على أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال يحيى بن معاذ: حقيقة المحبّة التي لا تزيد بالبرّ ولا تنقص بالجفوة.
٤٧٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أحمد بن علي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد يقول سمعت الحارث المحاسبي، وسئل عن المحبّة فقال: ميلك إلى الشيء بكلّيتك محبّة له، ثم إيثارك (له) على نفسك ومالك ثم موافقتك له شرّا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبّه.
٤٧٩ - وفيما قرأت على أبي عبد الرحمن السلمي قال: وقال الجنيد قوام المحبّة موافقة المحبوب في البهج والغضب قال: وسئل رويحة عن المحبة فقال: موافقة الحبيب في جميع الأحوال وأنشد:
ولو قلت مت متّ سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
٤٨٠ - سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سئل أبو الحسن البوشنجي ﵀ عن الحبّ فقال: بذل المجهود مع معرفتك بالمحبوب والمحبوب مع بذلك مجهودك يفعل ما يشاء.
٤٨١ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنا الغلابي عن إبراهيم بن عمر، ثنا الأصمعي قال: قال أعرابي ورآه على معصية قال: ويحك ما تحبّ الله؟ قال: وهل رأيت محبّا إلا وهو يتوخّى سرور من أحبّه؟ وأنّ من خاف أن يسئل عن الشكر طاب نفسا عن النعم.
٤٨٢ - أخبرنا أبو سعيد الشعيبي، أنا أبو الفضل نصر بن محمد الصوفي قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: تفكّر
_________________
(١) هذا الليل الطويل إذا فرغ رفع رأسه فقال: سيدي إن تعذبني فإني أحبك وإن تعف عني فإني أحبك.
(٢) أخرجه القشيري في الرسالة (ص ١٤٦) بنفس الإسناد.
[ ١ / ٣٨٣ ]
إبراهيم ﵊ ليلة من الليالي في شأن آدم ﵇ قال: يا ربّ خلقته ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس حتّى يقولون:
﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه:١٢١].
قال: فأوحى الله أن يا إبراهيم أما علمت أنّ مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة.
٤٨٣ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا دعلج بن أحمد، ثنا مخول بن محمد، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، ثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب قال: أوحى الله ﷿ إلى داود ﵇: يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك غير أنه ليس عندي ذلك الود الذي كان.
٤٨٤ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني، ثنا أبو محمد عاصم بن العباس بهراة، ثنا أبو يعقوب يوسف بن يعقوب قال: سمعت سعيد بن عثمان بن عياش يقول سمعت ذا النون يقول: وقد قيل له متى يأنس العبد بربّه؟ قال: إذا خافه أنس به. أما علمتم أنّه من واصل الذنوب نحّي عن باب المحبوب.
٤٨٥ - وبإسناده عن سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول: ما رجع إلاّ من الطريق ولو وصلوا إليه ما رجعوا فازهد في الدنيا ترى العجب.
٤٨٦ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف قال: سمعت عاصم بن العباس يقول:
سمعت أبا الحسن موسى بن عيسى الدينوري بها يقول سمعت أبا يعقوب يوسف بن الحسين الرازي يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: وجدت صخرة ببيت المقدس عليها أسطر مكتوبة فجئت بمن ترجمها فإذا عليها مكتوب: كلّ عاص مستوحش، وكلّ مطيع مستأنس، وكلّ خائف هارب، وكلّ راج طالب، وكلّ قانع غني، وكلّ محب ذليل، ففكّرت في هذه الأحرف فإذا هي أصول كلها استعبد الله ﷿ به الخلق.
٤٨٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي
[ ١ / ٣٨٤ ]
بالكوفة ثنا أبو الحريش أحمد بن عيسى الكلابي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵀ ينشد:
أن المليك قد اصطفى خدّاما متودّدين مواطئين كراما
رزقوا المحبّة والخشوع لربّهم فترى دموعهم تسحّ سجاما
يحيون ليلهم بطول صلاتهم لا يسأمون إذا الخليّ ناما
قوم إذا رقد العيون رأيتهم صفّوا لشدة خوفه أقداما
وتخالهم موتى لطول سجودهم يخشون من نار الإله غراما
شغفوا بحبّ الله طول حياتهم فتجنّبوا لوداده آثاما
٤٨٨ - أخبرنا أبو سعيد الشعيبي قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب المفيد يقول: سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت سرى السقطي يقول: وقد كلّمته يوما في شيء من المحبّة، فضرب بيده إلى جلدة ذراعه فمدّها، ثمّ قال: والله لو قلت إن هذا جف على هذا من محبّة الله لصدقت ثمّ أغمي عليه ثمّ تورد وجهه حتى صار مثل القمر.
٤٨٩ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت جعفرا الخلدي يقول سمعت الجنيد يقول: قال رجل للسري السقطي كيف أنت فأنشأ يقول:
من لم يبت والحبّ حشو فؤاده لم يدر كيف تفتّت الأكباد
٤٩٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني جعفر بن محمد، حدثني الجنيد بن محمد، قال: رفع إليّ سري مرة رقعة فقال لي احفظ هذه الرقعة فإذا فيها مكتوب:
ولما شكوت الحبّ قال كذبتني فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحبّ حتى يلصق الجلد بالحشي وتذبل حتّى لا تجيب المناديا
وتنحل حتّى لا يبقّي لك الهوى سوى مقلة تبكي بها أو تناجيا
٤٩١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الحنّاط، ثنا محمد بن بشير الكندي، ثنا إبراهيم بن مسلم المزني
_________________
(١) أخرجه القشيري في الرسالة (ص ١٤٦) من طريق الجنيد-به.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال: قال الحسن بن محمد ابن الحنفية: من أحبّ حبيبا لم يبغضه ثمّ قال:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه عار عليك إذا فعلت شنيع
لو كان حبّك صادقا لأطعته إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع
وقال أيضا:
ما ضر من كانت الفردوس منزله ما كان في العيش من بؤس وإقتار
تراه يمشي حزينا خائفا شعثا إلى المساجد يسعى بين أطمار
٤٩٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا نصر محمد بن محمد بن إسماعيل، يقول: سمعت أبا القاسم الرازي الواعظ يقول سمعت أبا دجانة يقول: كانت رابعة إذا غلب عليها الحبّ تقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع
٤٩٣ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرني محمد بن أحمد بن محمد بن حماد القرشي، حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن جعفر الطبري أملاه من حفظه قال: سمعت محمد بن هارون الفقيه يقول: سمعت السختياني يقول: ويتمثل بقول إسماعيل بن القاسم أبي العتاهية:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه هذا محال في القياس بديع
لو كان حبّك خالصا لأطعته إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
٤٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله، قال: سمعت أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الجرجاني الواعظ، يقول أنشدنا العبد الصالح أبو عمر بن سعيد الجرجاني لنفسه:
وحبّان في قلبي محال كلاهما محبّة فردوس ودار غرور
ومن يرج مولاه ويرجو جواره يسابق في الخيرات غير فتور
ومن صادق من يدّعي حبّ ربّه وأمسى عن اللذات غير صبور
أو يسألوا عن الدنيا وعن كلّ شهوة وعن كلّ ما يودي بوصل سرور
٤٩٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا محمد بن حمدان الصيرفي بمرر، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي، ثنا العباس بن الفرج، ثنا الأصمعي عن
[ ١ / ٣٨٦ ]
سلام بن مسكين قال: دخل السجن مالك بن المنذر بن الجارود فإذا فيه الفرزدق فقال: أما آن لك أن تقصر من قذف المحصنات؟ فقال: والله لله أحبّ إليّ من عينيّ التي أبصر بهما أفتراه يعذّبني؟
٤٩٦ - أخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله بن محمد بن العباس العصمي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي عثمان يقول: سمعت أبي يقول وقام في مجلسه رجل من أهل بغداد فقال: يا أبا عثمان متى يكون الرّجل صادقا في حبّ مولاه؟ قال: إذا خلا من خلافه كان صادقا في حبّه. قال: فوضع الرجل التراب على رأسه وصاح وقال: كيف ادّعى حبّه ولم أخل طرفة عين من خلافه؟ قال:
فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، قال: فجعل يبكي أبو عثمان ويقول في بكائه:
صادق في حبّه، مقصّر في حقه.
قال البيهقي ﵀: وهذا الذي قاله أبو عثمان من صدق حبّه وإن كان مقصرا في حياته يشهد له:
٤٩٧ - ما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا محمد بن كناسة، ثنا الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى قال: قلت يا رسول الله الرجل يحبّ القوم ولمّا يلحق بهم فقال رسول الله ﷺ:
«المرء مع من أحبّ».
أخرجاه في الصحيح من حديث الأعمش.
وقيل فيه عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود وقد أخرجاه أيضا في الصحيح.
٤٩٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا زكريا بن يحيى، ثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس، قال: قال رجل يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» فلم يذكر كثيرا إلاّ أنّه يحبّ الله ورسوله فقال: «أنت مع من أحببت».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٨ - ٤٩) ومسلم (٤/ ٢٠٣٤) من طريق الأعمش عن شقيق-به.
(٢) أخرجه مسلم (٨/ ٢٠٣٢) طريق سفيان بن عيينة عن الزهري-به.
[ ١ / ٣٨٧ ]
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث سفيان بن عيينة.
٤٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب هو الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، ثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، ثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ رجلا على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب خمارا، وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم الّعنه ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله:
«لا تلعنه فو الله ما علمت إنه ليحبّ الله ورسوله».
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير عن الليث.
وهذا تصحيح قوله أبي عثمان «صادق في حبّه مقصر في حقه» فإنه مع شربه سماه محبّا والله أعلم.
٥٠٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي، يقول: سمعت أبا علي الحافظ يقول سئل سمنون عن المحبّة، فقال: صفاء الودّ مع دوام الذكر.
٥٠١ - قال أبو عبد الرحمن وقال مالك بن دينار: علامة حبّ الله دوام ذكره لأنّ من أحبّ شيئا أكثر ذكره.
قال الحليمي ﵀: وقال بعضهم الحبّ اللزوم لأنّ من أحبّ شيئا ألزم ذكره قلبه فمحبّة الله تعالى لزوم لذكره.
قال الحليمي ﵀: وهذا الذي فسّره هذا القائل به المحبّة من أنّه اللزوم موافق لقول أهل اللسان لأنهم يقولون: أحبّ الجمل: إذا برك فلزم مكانه.
٥٠٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني جعفر بن محمد بن نصير، حدثني أبو العباس بن مسروق قال: سمعت السري بن المغلس يقول: قرأت في بعض كلام الحكماء: أبعد الناس من الملال والضجر من لم يفارق قلبه ذكر الله
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢/ ٧٥ فتح) عن يحيى بن بكير عن الليث-به.
[ ١ / ٣٨٨ ]
﷿، وحسبك من صدق العبد دوام ذكر الله ﷿ عنده.
٥٠٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر الحفيد يقول:
سمعت جدّي يعني العباس بن حمزة يقول سمعت ذا النون المصري يقول أنّ العارف استغنى بربّه فمن أغنى منه؟ فلذته ذكره وإناخته بفنائه وإستئناس به.
قال: وسمعت ذا النون يقول: من عرف ربّه وجد طعم العبودية ولذّة الذكر والطاعة؛ فهو مع الخلق ببدنه وقد باينهم بالهموم والخطرات.
فصل