أجمعين»
قال الله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦].
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:
٢٨٥].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:
٤].
وغير ذلك من الآيات في هذه المعنى.
وروينا في حديث ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله».
والإيمان بالقرآن يتشعب شعبا: فأولاها بأنه كلام الله ﵎ وليس من وضع محمد ﷺ ولا من وضع جبريل ﵇.
الثانية: الاعتراف بأنه معجز النظم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه.
والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي ﷺ عنه هو هذا الذي في مصاحف المسلمين لم يفت منه شيء، ولم يضع بنسيان ناس، ولا ضلال صحيفة، ولا موت قارئ، ولا كتمان كاتم، ولم يحرّف منه شيء، ولم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف. فأما الوجه الأول فإن الله ﷿ قال:
[ ١ / ١٨٥ ]
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
وقال: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾. [الأنعام:١٥٥].
وقال: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦].
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢،١٩٤].
وقال: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢].
ومعناه: والله أعلم، أنزلنا الرسول المودّى له به، فيكون الرسول منتقلا من علوّ إلى سفل مؤديا للكلام الذي حفظه وذلك بيّن في الآية قبلها وهو أنه أخبر أنه نزل به الرّوح الأمين على قلب محمد ﷺ (فيكون جبريل ﵇ منتقلا به من مقامه المعلوم إلى الأرض موديا له إلى محمد ﷺ) وأخبر في الآية قبلها أنه أنزله بعلمه، وفي الآية قبلها أنه من عنده لا من عند غيره، وقال:
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ففصل بين المخلوق والأمر ولو كان الأمر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى وقال:
﴿لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه:١٢٩].
والسبق على الاطلاق (يقتضي) سبق كل شيء سواه وقال:
﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
فلو كان قوله مخلوقا تعلق بقول آخر، وذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا يتناهى، وذلك محال.
قال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ﵀ فيما عسى أن يقال على هذا من السؤال الكلام على الحقيقة لا ينقل عنه إلا بدليل وقوله «كن» أمر بتكوين للمعدوم لا أمر تكليف بمنزلة قوله:
[ ١ / ١٨٦ ]
﴿كُونُوا حِجارَةً﴾ [الإسراء:٥٠].
و﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥].
ويكون قوله «كن» متعلقا بما يكون في الوقت الذي يكون في المعلوم أنه يكون فيه فلا يكون ذلك الوقت إلاّ كان كما يكون نفسه سامعا للصوت وقت وجود الصوت. وإن كان قبل ذلك سامعا أيضا إلا أنه يتعلق بالصوت وقت وجوده في أنه سمعه حينئذ لا قبله. والفاء في قوله «فيكون» لا تقتضي أن يكون للتعقيب مع ما علق عليه لأن ذلك جواب «إنما» فكأنه قال لا يكون قوله «كن» متعلقا بما يكون إلا كان في الحال التي علم أنه يكون فيها، وأن لا يوجب استقبال لأن ذلك مع ما بعده بمنزلة المصدر كما كان قوله:
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤].
معناه والصيام خير لكم وذلك لا يقتضي استقبالا. قلنا وقد قال الله ﷿ في إثبات صفة الكلام لنفسه ونفي النفاد عنه:
﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩].
وإنما ذكرها بلفظ الجمع على طريق التعظيم كقوله:
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
قال البيهقي ﵀ قال:
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
فوكده بالتكرار وأخبر الله ﷿ بما كلم به موسى فقال:
﴿يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ إلى قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:١٢،٤١].
وقال: ﴿يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤].
[ ١ / ١٨٧ ]
فهذا كلام سمعه موسى ﵇ من ربه باسماع الحق إياه بلا ترجمان كان بينه وبينه، ودله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته وعبادته وإقامة الصلاة لذكره، وأخبره أنه اصطفاه لنفسه واصطفاه برسالاته وبكلامه وأنه مبعوث إلى خلقه، فمن زعم أنه إنما سمعه من غير الله ﷿ فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية لنفسه، ودعا موسى إلى وحدانية نفسه وذلك كفر. وإن زعم أن ذلك الغير دعا إلى الله، كذّبه قوله:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾
و﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾.
ولكان ذلك الغير يقول: «ربي وربك فاعبده» دلّ على أنه إنما سمعه ممن له الربوبية والوحدانية، ولأن الأمّة اجتمعت مع سائر أهل الملل على أن موسى كان مخصوصا بفضل كلام الله ﷿. ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية، ولا مزية ولا فضل ولا شبه أن يكون من سمعه من جبريل أكثر خاصية منه لزيادة فضل جبريل على صوت يخلقه الله ﷿ في الوقت لموسى.
وقد روينا في حديث عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ في قصة مناظرة آدم وموسى قال:
«فقال آدم: لموسى: أنت نبيّ بني إسرائيل الّذي كلمك الله من وراء الحجاب، لم يجعل الله بينك وبينه رسولا من خلقه».
١٦٨ - أخبرنا أبو علي الرّوذباري، أنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن كثير، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم-يعني ابن أبي الجعد-عن جابر بن عبد الله، قال:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٣٤) عن محمد بن كثير عن إسرائيل، والترمذي (٢٩٢٥) عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن كثير عن إسرائيل كلاهما عن عثمان بن المغيرة-به وقال الترمذي- حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجة (٢٠١) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٢) من طريق إسرائيل-به. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٨٨ ]
«كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على النّاس بالموسم، فقال ألا رجل يحملني إلى قومه، فإنّ قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي ﷿».
وروينا عن أبي بكر الصديق ﵁:
«أنّه لمّا قرأ سورة الرّوم على مشركي مكّة فقالوا هذا مما أتى به صاحبك؟ قال: لا، ولكنّه كلام الله ﷿ وقوله».
وفي رواية أخرى:
«ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنّه كلام الله ﷿!».
وروينا عن عامر بن شهر أنه قال:
«كنت عند النّجاشي فقرأ ابن له آية من الإنجيل فضحك فقال أتضحك من كلام الله ﷿!»
وروينا عن خبّاب بن الأرت أنه قال:
«تقرّب ما استطعت واعلم أنّك لن تتقرّب إلى الله بشيء، أحبّ إليه من كلامه».
وروينا عن ابن مسعود أنه قال:
«أصدق الحديث كلام الله ﷿».
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
«القرآن كلام الله ﷿».
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال:
«لو أنّ قلوبنا طهرت لما شبعنا من كلام الله تعالى».
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال:
«ما حكّمت مخلوقا إنّما حكّمت القرآن».
وعن ابن عباس:
«أنّه صلّى على جنازة فقال رجل اللهمّ ربّ القرآن العظيم اغفر له فقال
[ ١ / ١٨٩ ]
ابن عبّاس ثكلتك أمّك! إنّ القرآن منه، أنّ القرآن منه»
وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في كتاب «الصفات» مع سائر ما ورد فيه عن النبي ﷺ وعن أصحابه والتابعين وأتباعهم.
١٦٩ - أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي في «التاريخ»، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، حدثنا محمد بن إسمعيل البخاري قال الحكم بن محمد أبو مروان الطبري: حدثناه سمع ابن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: «القرآن كلام الله ليس بمخلوق».
كذا قال البخاري عن الحكم.
ورواه سلمة بن شبيب عن الحكم بن محمد قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ سبعين يقولون فذكر معنى هذه الحكاية.
١٧٠ - أخبرنا أبو منصور الفقيه، أنا أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أبو عروبة السلمي، قال أخبرنا سلمة بن شبيب فذكره.
وكذلك رواه غير الحكم بن محمد عن سفيان.
قال البيهقي ﵀: مشيخة عمرو بن دينار جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير، وأكابر التابعين.
وروينا هذا القول عن علي بن الحسين، وجعفر بن محمد الصادق، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، ومحمد بن إسماعيل البخاري في مشيخة أجلّة سواهم، وإنما أحدث هذه البدعة الجعد بن درهم ومنه كان
_________________
(١) (¬١٦٩ و١٧٠) -أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد رقم (١) بترقيمي عن الحكم بن محمد الطبري- به.
[ ١ / ١٩٠ ]
يأخذ جهم، فذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك ﵀: لو كان كلام الباري جلّ وعزّ محدثا كان قبل حدوثه موصوفا بأنه يمنع منه، كما لو كان غير عالم كان موصوفا بجهل وآفة مانعة منه ولو كان كذلك (لما) صحّ أن يتكلم في حال، كما لا يصح أن يعلم لو كان لم يزل غير عالم، فوجب أنه لم يزل متكلما لما لم يلحق به أضداد الكلام من السكوت والخرس والطفولية.
وإن شئت قلت: كلام الله سبحانه لو كان مخلوقا كان يجب أن يكون موصوفا بضده قبل خلقه له لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده، وضد الكلام لو كان قديما لم يجز عدمه، وكان يؤدي إلى إحالة وصفه بالأمر والنهي والخبر وذلك خلاف الدين.
ولأن الكلام لو كان مخلوقا كان لا يخلو من أن خلقه في نفسه أو في غيره أو في لا شيء ويستحيل أن يخلقه في لا شيء لأنه عرض والعرض لا يقوم بنفسه ويستحيل أن يخلقه في نفسه لاستحالة أن يكون محلا للحوادث، ويستحيل أن يخلقه في غيره لأنه لو كان مخلوقا في غيره لكان مضافا إلى ذلك الغير بأخص أوصافه كسائر الأعراض التي هي علم وقدرة وحياة إذا خلقها في غيره ولو كان كذلك لم يكن كلاما لله ولا أمرا له.
فإن قيل: يكون كلاما له كما يكون فعله تفضلا له وإن كان في غيره.
قيل: التفضل هو اسم يعم أجناسا، ونحن قلنا يضاف إليه بأخص أوصافه فإن كان قوة أضيفت إلى ما خلقت فيه وإن كان سمعا وبصرا فكذلك، فقولوا بأنه يضاف إليه باسم الأمر والنهي بلفظ الكلام والقول، فإن لم يضيفوه لا بالأخص ولا بالأعم ولا إلى الجملة ولا إلى المحل فقد افترق الأمر فيهما.
فإن قيل لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا:
﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح:١].
ولم يزل يرسل، ذلك كذب. قيل: أو ليس قد قال:
﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم:
٢٢].
[ ١ / ١٩١ ]
ولم يقل بعد أفهو كذب؟ فإن قال معناه سيقول.
قيل ذلك قوله:
﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١].
في أزله خبرا عن أن «سنرسل نوحا» قبل إرساله، فإذا أرسل يكذب خبرا عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا، كما أن علمه بأن سيكون الدنيا علمه بأنه كائن، وإذا كان لم يحدث علم، إنما حدث المعلوم والمخبر عنه، دون العلم والخبر.
فإن قالوا: لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل آمرا وأمر من ليس بموجود محال.
قيل من قال من أصحابنا لم يزل آمرا فهو يقول لم يزل آمرا له يكون على معنى إذا خلقت وبلّغت، وكمل عقلك، فافعل كذا، كأوامر الرسول ﷺ لمن يأتي بعده. ومن قال لم يزل غير آمر وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى، فنقول لا يجب إذا كان لم يزل متكلما أن يكون لم يزل آمرا لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر، ولم يكن كلاما لأنه أمر وإنما كان كلاما لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم، وينفي السكوت والخوص، ويكون أمرا لعلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله.
فإن قيل: لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا يسمع كلامه أحد.
قيل أليس المسبّح لا يسمع كلامه أحد، ولا يكون هذيا،. فإن قيل: الله يسمعه. قيل: فهو يسمع الهذيان أيضا، ولا يخرجه من أن يكون هذيانا ولأن معنى الهذيان أنه كلام لا يفيد وكلام الله يفيد المعاني الجليلة.
فإن احتجّ محتجّ بالحروف، وتأخر بعضها عن بعض، وفي ذلك دلالة على الحدث وكلام الباري ليس بحروف وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع وتفهم معانيه والحروف تكون أدلة عليه، كما تكون الكتابة امارات الكلام ودلالات عليه. وكما يعقل متكلما لا مخارج له ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا أصوات وقوله:
[ ١ / ١٩٢ ]
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء؛٢].
دليلنا، لأنه لولا أن في الأذكار ذكرا غير محدث ما كانت له فائدة كما أن من قال جاءني رجل له رأس ما كانت له فائدة إذ لا يخلو منه رجل.
ومعنى الذكر كلام الرسول ﷺ أو نفس الرسول لأنه هو الذي يأتي في الحقيقة وأما النسخ والتبديل والحفظ فكل ذلك راجع إلى الأحكام وإلى القراءة الدالة على الكلام لا إلى عين الكلام وكذلك التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه والقراءة غير المقروء كما أن ذكر الله غير الله وقوله:
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣].
يريد به سمّيناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ [الزخرف:١٩].
يعني وصفوا الملائكة إناثا-
قال الحليمي ﵀ وقوله ﷿:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠].
﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة:٤٢].
وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].
فإنما معناه إنه لقول رسول كريم أي قول تلقاه عن رسول كريم، أو قول سمعه عن رسول كريم، إذ نزل به عليه رسول كريم، وقد قال في آية أخرى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة:٦].
فأثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معا فدل أن معناه ما قلنا.
قال البيهقي ﵀: والمقصود من تلك الآية تكذيب المشركين فيما كانوا يزعمون من وضع النبي ﷺ هذا القرآن، ثم قد أخبر الله ﷿ أنه هو
[ ١ / ١٩٣ ]
الذي نزل به الروح الأمين ﵇ على قلب محمد ﷺ، وأن جبريل نزل به من عنده وبالله التوفيق.
وأما الوجه الثاني وهو الاعتراف بأنه معجز النظم فقد مضى الكلام فيه، والإعجاز عند أكثر أصحابنا يقع في قراءة القرآن فنظم حروفه ودلالاته في عين كلامه القديم ولما كان الجن والإنس عاجزين عن الإتيان بمثله، والملائكة أيضا عاجزون عن الإتيان بمثله لأنه في قول أكثر أهل العلم ليس من جنس نظوم كلام الناس ولا يهتدى إلى وجهه (ليحتذى) ويمثل وهو كتركيب الجواهر لتصير أجساما، وقلب الأعيان، إذ كما لا يقدر عليه الجن والإنس لا يقدر عليه الملائكة؛ وإنما وقع التحدي عليه للجن والإنس دون الملائكة لأن النبي ﷺ إنما أرسل إلى الجن والإنس دون الملائكة وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل ولكنه من عند اللطيف الخبير وهذا معنى كلام الحليمي ﵀. الوجه الثالث: فبيانه أن الله ﷿ ضمن حفظ القرآن فقال:
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١،٤٢].
فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه أو تحريفه فقد كذّب الله في خبره وأجاز الخلف فيه وذلك كفر.
وأيضا فإن ذلك لو كان ممكنا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين مما هو متمسك به لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن أوضاع، بنسخ شيء مما هو ثابت من الأحكام أو تبديله بغيره،
وبسط الحليمي ﵀ الكلام فيه فصح أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بأن جميعه هو هذا المتوارث خلفا عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان منه وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٩٤ ]